المقالات

النزول إلى الأنفاق.. هل انتصر الكيان؟

إنّ ما يحدث في غزة ليس فقط إبادة وتهجيرًا قسريًا لأصحاب الأرض بحجة البحث عن المحتجزين، بل تجسيد حي لاغتيال الضمير الإنساني بمقصلة الطغيان الأجوف، وصعود مخيف لمؤشر الوحشية البشرية منزوعة الروح، في إطار معايير النفعية والمصلحة المادية، ونظرية البقاء للأقوى، وتهميش كامل للجانب الروحي والعاطفي الذي ينبغي أن يتفاعل بدمعة على الأقل مع كل بيت يُهدم، مع كل قصة حب تُدفن، مع كل خيمة تمسي كفنًا، مع كل حلم طفل يقطع على صوت قذيفة.

وإذا كانت أسئلة ستتجرأ وتمدُّ رأسها من أوكارها فقد تكون من قبيل: هل الإنسانية حقًا مجرد شعار؟ هل القانون الدولي يُطبق فقط على الضعفاء؟ ما معنى صمت العالم وتردده؟ هل العالم كله مشارك في الجريمة؟

فها قد أعلن الكيان، في إطار حربه الشعواء على غزة، أسلوباً جديدًا يظنه مختلفًا عما قام به خلال ما يقارب السنتين، خطة بدأ يطبقها منذ هذا اليوم الثلاثاء السادس عشر من ديسمبر من عام 2025 تنضوي على النزول إلى الأنفاق تحت الأرض. بعد أن دربوا جنودهم على ذلك. وربما أخضعوهم لتدريبات نفسية تساعدهم على اجتياز جدار الرعب من النزول إلى هذه الأنفاق، كواحدة من الإجراءات الحاسمة في اقتحام القطاع بعد عمليات الإخلاء التدريجي وفتح المنافذ أمام المهجرين. المنافذ التي تقودهم من الحصار إلى حتفهم، فلا أحد ينجو.. لا مَن هرب، ولا مَن بقي.

لكن لماذا يركز الكيان على الأنفاق، ويعتبر نزوله إليها نصرًا مؤزرًا؟

كانت شبكة الأنفاق وما تزال تشكل التحدي الأخطر في المعركة، وتمثل محورًا أساسيًا في خطط الكيان العسكرية الرامية للتعامل معها بطرق متعددة. فشبكة الأنفاق المعقدة تمثل للكيان بيئة قتالية شديدة الخطورة، مليئة بالكمائن والمفاجآت، كما يفترض وجود الرهائن داخلها ما يجعل أي عملية مباشرة تهدد حياة الرهائن أيضًا.

علاوة على إدراكه حقيقة امتلاك المقاومة الفلسطينية خبرة كبيرة في القتال داخلها، وهي حقيقة يشعر بمرارتها بطبيعة الحال.

وقد منعت القوات البرية سابقًا من النزول إليها باعتبار أنّ هذه العملية تتطلب وحدات خاصة مدربة لتجنب خسائر بشرية كبيرة. كما اعتمد الكيان سابقًا خطة إغراق الأنفاق بمياه البحر، أو استخدام قنابل اسفنجية لإغلاق مداخل الأنفاق، لكن هذه المحاولات لم تنجح.

حتى الآن، يبدو أن العمليات البرية تتركز حول تطويق المناطق التي يُعتقد أنّ فيها مداخل للأنفاق، وإذا نشر الكيان صورًا توحي بهبوطهم إلى نفق، فهذا لا يعني أنهم استولوا على الشبكة، أو أنهم انتصروا، بل تدلّ على أمرٍ آخر ما زال يغيب عن أذهانهم وهو الإدراك المكاني وغياب الإدراك الزماني.

بين الإدراك المكاني والزماني

في مقال كتبه د. عبدالوهاب المسيري عام 1973 بعنوان (لا نهاية للتاريخ) نبّه إلى أمر لم يلتفت إليه أحد من قبله وهو أنّ الزمان في الإدراك الإسرائيلي معطل، وأنه يستند فقط إلى إدراك المكان (الحدود الآمنة وخط بارليف)، لذا لم يكن بوسعهم إدراك يقظة العرب. وما حدث في حرب اكتوبر 1973 وانهيار خط بارليف كشف لإسرائيل هشاشة نظريتهم الأمنية.

ما معنى “تعطيل الزمان” في الإدراك الإسرائيلي؟

يرى المسيري أن العقلية الصهيونية مهووسة بالمكان، السيطرة على الأرض، رسم الحدود، بناء التحصينات، مثل خط بارليف الذي اعتُبر آنذاك حصنًا لا يُخترق، إذ لم يكن مجرد تحصين عسكري فحسب، بل كان رمزًا نفسيًا وفلسفيًا لنظرية الأمن الإسرائيلية أقيم على ضفة قناة السويس، واعتُبر جدارًا يفصل بين (إسرائيل الآمنة) و(الخطر العربي)، لكنّ هذا الخط انهار في ساعات قليلة يوم 6 أكتوبر 1973 ليتضح أنّ الاعتماد على المكان وحده لا يصنع أمنًا، وأن الزمن يحمل في طياته مفاجآت لا يمكن تجاهلها.

أفلا تكون شبكة الأنفاق امتدادًا لخندق المدينة المنورة، أعاد الإنسان الرباني تشكيله بمقتضى حاجة اليوم، فهو الذي لا يكل عن اكتشاف أي وسيلة، واختراع أي أداة لا تخطر على بال العدو كي يدفع بها عن نفسه ويحفظ بها حقه

لكن الزمان – أي التاريخ، التغير، التطور، اليقظة – فهو معطل في هذا الإدراك. ويفترضون أنّ العرب سيبقون في حالة تخلف وضعف دائم، وأنّ الزمن لن يحمل لهم أية مفاجآت.

 «تصور الإسرائيليون أنهم وصلوا إلى الحدود الجغرافية الآمنة، وأنه بوسعهم الاستقرار خلفها إلى الأبد، دون أن يتغير شيء في وعي العرب أو قدراتهم»

وتعطيل الإدراك الزماني يجعل الكيان يتوسع في الردع المطلق، والتحصين، والضربات الاستباقية، ليغفل عن الوجه الآخر للقوة، وهو أنّ الردع لا يمنع التغير التاريخي، ولا يوقف تطور الشعوب. وانهيار خط بارليف كشف أن الأمن لا يُبنى فقط بالجدران، بل بالوعي، والعدالة، والتفاهم التاريخي.

واليوم ما يزال الكيان يشهد انهيار خط بارليف أمامه كحقيقة لا يستطيع إدراكها، وشبكة الأنفاق اليوم ما تزال ترعبه، إنها تتحدى التصور بأنهم بلغوا نقطة الأمان النهائي، واقتربت نهاية التاريخ وظهور الماسيح، فلا أمان لهذا الإنسان الذي جاء يبحث عن المتعة، ولا نهاية للتاريخ، ولا ظهور للماسيح، سوى أن الإنسان الذي صنع شبكة الأنفاق يضع إدراكهم في متاهة.

بين الإنسان الرباني والإنسان الطبيعي

في كتاب (الانتفاضة الفلسطينية، دراسة في الإدراك والكرامة 1989) تناول د. المسيري نموذجَ الإنسان الرباني مقابل الإنسان الطبيعي المادي، ومقدرة هذا الإنسان الرباني على توليد الأفكار الجديدة مقابل جمود الإنسان الطبيعي واقتصار إدراكه على تحصيل اللذة والمتعة. فالإنسان الصهيوني جاء إلى فلسطين ليستلب الأرض ويعيش برفاه بعيدًا عن منغصات الحياة، أما الإنسان الرباني فلا متعة عنده تضاهي المقاومة والدفاع عن الأرض والتنغيص على المعتدي.

فحين يحظر عليه رفع العلم الفلسطيني تراه يرفع نصف بطيخة تجمع ألوان علمه، وتراه يحمل الكوفية ويحولها إلى رمز، يرفع إشارة النصر أمام وجه مبتسم لا تغيب عنه ملامح الإصرار على الصمود والتحدي. إنه إنسان لا ينهار أمام انقطاع الكهرباء، أو أزمة المياه، أو فقدان الرغيف، لأنه يدرك أن هذه كلها عقبات لا بدّ منها في رحلة استعادة الأرض، أو دفع العدوان.

وإبداع هذا الإنسان الرباني يستند إلى تراثه الغزير، فحجر الانتفاضة يعتبره المسيري سلاحًا لا ينفد، وهو موجود في وجدان هذا الإنسان، في رجم الشيطان، وعند طير الأبابيل حجارة من سجيل، فكانت الانتفاضة تجنيدًا للكتلة البشرية الربانية من خلال مخزونها الحضاري.

أفلا تكون شبكة الأنفاق امتدادًا لخندق المدينة المنورة، أعاد الإنسان الرباني تشكيله بمقتضى حاجة اليوم، فهو الذي لا يكل عن اكتشاف أي وسيلة، واختراع أي أداة لا تخطر على بال العدو كي يدفع بها عن نفسه ويحفظ بها حقه، هل يمكن للإنسان الرباني أن يجهل البعد الزماني، وينفصل عن تراثه ومعتقداته ويتوقف عن التغيير، ويتجمّد عند صوت أول قذيفة؟

إنّ ما تجمّد اليوم ليس هذا الإنسان الرباني الذي انهارت عليه مساكنه، وانقطعت عنه مياه الشرب ورغيف الحياة. إنّ ما تجمد اليوم في حقيقة الأمر هو الضمير الإنساني، حين قرر الصمت واكتفى بالمشاهدة مترقبًا النتيجة، حين بدأ يحصي أعداد الضحايا، ولم تعد هذه الأعداد تعني له شيئًا.

بينما تحول مشهد لمجموعة بشرية طبيعية تبتسم ابتسامات صفراء خاوية ليعني لهذا الضمير المتجمد كلّ شيء.

أ. عماد كوسا

كاتب روائي وقصصي وناشط في مجال العمل الشبابي والمجتمعي.

أ. عماد كوسا

كاتب روائي وقصصي وناشط في مجال العمل الشبابي والمجتمعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى