المقالات

الدّين تحت الدّولة.. موقع المقدَّس في هندسة الدّولة الحديثة

منذ أن تكوّنت الدولة الحديثة باعتبارها نموذجًا سلطويًا وفلسفيًا لم تتعامل مع الدين بوصفه مرجعيةً تتجاوزها وإنّما أعادت تعريفه داخل حدودها، وهندسته وفق حاجاتها.

لم يعد الدين في ظل هذا النموذج سلطةً عليا تُضبط بها السلطة السياسية ولكنّه أُخضع لآليات التحكم، وأُعيد تأويله ليصبح جزءًا من البنية الرمزية التي تخدم شرعية الدولة، لا العكس.

تحوّلت العلاقة من الوحي الذي يحدّ الدولة، إلى دولة تُعيد إنتاج المقدّس بوصفه عنصرًا من عناصر الهوية، أو آليةً من آليات الضبط الاجتماعي؛ هكذا صار للدين وظيفة في بناء الدولة الحديثة، وتقلّصت مساحته من كونه حاملًا للمعنى الوجودي، إلى كونه تراثًا ثقافيًا، أو طقسًا شخصيًا، أو أداةً في خدمة النظام العام.

ضمن هذا التحوّل، نشأت أسئلة وجودية حول العلاقة بين المقدّس والسلطة، وبين الوحي والمعمار الإداري، وبين الغاية الإنسانية والتصميم البيروقراطي؛ أسئلة لا تبحث عن تصادم بين الدين والدولة، بل تنقّب في أعماق البنية الحديثة لتكشف كيف تموضَع الدين فيها، وكيف أُعيد رسم حدوده ليتناسب مع السردية الوضعية للدولة.

في هذا المقال، نقترب من هذه الإشكالية من خلال تتبع “موقع الدين في هندسة الدولة الحديثة”، بعيدًا عن وصفه خلافًا بين “التدين والعلمانية” وإنّما بوصفه تحوّلًا في بنية السلطة، وانزياحًا في مركز السيادة، وإعادة إنتاج شاملة لمعنى المقدّس داخل حدود الدولة.

تمهيد عام: حين تصادمت المرجعيات وتنازعت السيادات

منذ أن خطا الإنسان خطوته الأولى في بناء العمران السياسي ظل الدين حاضرًا بوصفه المبدأ المؤسس للسلطة، والضابط العلوي للسلوك الجمعي، والملاذ الأخير حين تتنازع الأهواء وتحتدم المصالح؛ كانت السلطة تُفهم في ضوء الشرعة المقدسة، ويُقاس الحاكم بقدر قربه من المثل العليا التي تتجاوز الزمان والمكان.

غير أنّ المسار التاريخي للفكرة السياسية لم يسر في خط مستقيم وإنّما عرفت العلاقة بين الدين والسلطة تحوّلات كبرى، من التلاحم العضوي، إلى الشراكة الرمزية، ثم إلى الانفصال الصارم في بنية الدولة الحديثة؛ هذه الدولة التي نشأت في سياقات فلسفية مخصوصة، فجاءت مغايرة لكل ما سبقها من أشكال الحكم، لا من حيث أدواتها فقط وإنّما من حيث المرجعية التي تُؤسّس بها، والمقاصد التي تبتغيها، والمقدّسات التي تُعيد ترتيبها ضمن سلطتها.

الدولة الحديثة إذن ليست مجرد تطور إداري في جهاز الحكم ولكنّها نموذج معرفي وسلطوي جديد، يعيد هندسة العلاقة بين الإنسان والسلطة، ويعيد ترتيب المواقع بين المقدّس والدنيوي، بين العقل والوحي، بين العام والخاص.

وقد ترافقت هذه الدولة مع تصوّر مخصوص للعلمانية والليبرالية، حيث تم بناء ثلاثية متشابكة: دولة بلا مرجعية دينية فوقية، علمانية تعيد تأويل المقدّس ليخدم النظام المدني، ليبرالية تجعل الفرد مركز الوجود والحرية أقصى الغايات.

غاية هذا المقال ــ كما ذكرنا آنفًا ــ ليست الوقوف عند المفاضلة بين “الديني” و”العلماني”، ولا الارتماء في حضن الثناء أو نبرة الإدانة وإنّما تفكيك هذه البنية الثلاثية: كيف نشأت العلاقة بين الدين والدولة الحديثة؟ كيف تشكلت شرعية السلطة دون مرجعية عليا؟ وكيف تحوّلت الليبرالية من فلسفة أخلاقية إلى معيار سياسي يُقاس به كل شيء، حتى الإيمان نفسه؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن جَوابٍ متوتر، ولا تخضع لمنطق الخصومة الصلبة ولكنّها تنبع من الحاجة إلى قراءة نقدية عميقة، تقف على مفترق المسارات، وتحاول إعادة محاكمة الأسس، دون استدعاء للماضي بوصفه ملاذًا، ولا تغنٍّ بالحاضر باعتباره منتهى بل بحثًا عن أفق جديد يحرر الدولة من استبداد المفهوم، ويحرر الدين من اختزاله في المرافق الرمزية.

من الدولة المقدسة إلى الدولة الوضعية؛ انحدار السيادة من السماء إلى الأرض

في المسار الطويل لتشكّل السلطة ارتكزت الدولة في تجلياتها الأولى على تمثيل المقدّس، فكان الملك ظلًّا للإله، وكانت السيادة تعني الامتداد الأرضي للشرعة السماوية، تحكم بالوحي، وتبرّر فعلها بمقام النبوّة أو التفويض الإلهي.

لم تكن السلطة آنذاك مجرد وظيفة تنظيمية بل مقامًا وجوديًا يُملي على الجماعة طريقها، ويصوغ علاقتها بالكون، ويؤسّس مشروعية الحكم من العلوّ وليس من الرضا الأرضي.

غير أن تحوّلات الحداثة السياسية لم تُعدّل موقع السيادة فحسب ولكنّها أعادت صياغة أصل الفكرة؛ فمع تصدّع سلطة الكنيسة وصعود العقل النقدي، بدأ الفلاسفة يرسمون مشهدًا جديدًا للعقد الاجتماعي، حيث يتنازل الأفراد عن حرياتهم الفطرية لصالح دولة تمثل الإرادة الجمعية وليس الحق المقدس؛ وهكذا انتقل مفهوم المشروعية من السماء إلى الجماعة، من الإرادة الإلهية إلى التوافق الأرضي، من الميثاق الغيبي إلى العقد الاجتماعي.

في هذا السياق لم تُلغَ السيادة وإنّما استُبدِل معبودها؛ فأصبح “الشعب” هو الإله المدني الجديد، وارتفعت “السيادة الوطنية” إلى مقام التقديس القانوني، فتُعبد بآليات الاقتراع، وتُحرس بالدساتير، وتُمارس من خلال مؤسسات تُخفي تحت قناعها سلطة غير مرئية، لكنها مطلقة في القرار.

وتحوّلت السياسة إلى طقس دنيوي، يُمارس فيه الولاء الوطني كعقيدة، ويحرس فيه العلم الجمهوري باعتباره مقامًا لا يُدنّس، وتُعاد فيه كتابة المقدّس وفق مرجعية الدولة لا مرجعية الغيب.

لم تعد السلطة تُسند إلى السماء ولكن صارت السماء نفسها موضوعًا للتنظيم القانوني، ومجالًا للمحاكمة المؤسسية؛ بهذا المعنى دخلت الفكرة السياسية طورًا جديدًا يُعيد تعريف معنى الطاعة، وأفق السيادة، وحدود التدين، وموقع الوحي من هندسة الاجتماع المدني.

في قلب الثورة المفاهيمية التي دشّنت الدولة الحديثة، لم يكن الانفصال عن المرجعية الإلهية مجرّد تطوّر في أدوات الحكم، بل انقلابًا في التصوّر الجوهري للسلطة ومعناها.

فالمشروعية التي كانت تنبثق من عالم الغيب، وتتجسّد في الأرض بوصفها أمانةً من السماء، أُعيد تشكيلها ضمن حدود الأرض، تحت مسمّى “العقد الاجتماعي”، حيث لم يعد الحكم استئمانًا على رسالة ولكنّه غدا تمثيلًا لإرادة بشرية جامعة.

كانت الفلسفة السياسية الحديثة بحاجة إلى بديلٍ يحمل على عاتقه مشروعية السلطة دون الاستناد إلى نصٍ سماوي أو مرجعية متعالية، وهنا تشكّلت معادلة العقد الاجتماعي بوصفها الحامل الجديد للشرعية، فباتت الجماعة ــ لا الوحي ــ هي من تفوّض، وهي من تُنصّب، وهي من تنزع، في دورة تشرّع ذاتها، وتعيد إنتاج أسبابها من داخل بنيتها.

لم يعد الحاكم ممثلًا للرب في الأرض ولكنّه غدا موظفًا أعلى في جهاز سلطوي أُسِّس على تعاقد رمزي بين أفراد اختاروا أن يتنازلوا عن جزء من حريّاتهم لصالح سلطة عليا تنظّم الحياة العامة، وتحوّلت السلطة من تكليفٍ رباني إلى وظيفة إدارية، تستمد شرعيتها من التوافق لا من التكليف، ومن الإجماع لا من البلاغ الإلهي.

ومع هذه النقلة تشكّل وعي سياسي جديد، يرى في الدولة كيانًا ذا طابع دنيوي خالص، لا ينهل من السماء أيّة قيمه إنّما يصوغها من تحت، من الإنسان وهو يصارع من أجل الأمن والنظام والحقوق؛ فالعقد الاجتماعي لم يكن حياديًّا تجاه الدين بل حمل في طيّاته تصوّرًا كاملًا للوجود السياسي بدون المرجعية الغيبيّة، وأسّس لبنية قانونية لا تُحاسَب أمام الوحي وإنّما تحاكَم أمام إجماعٍ بشريّ متحوّل.

في هذا السياق لم يبق للدين موقع في تشكيل أصل السلطة وأُعيد توظيفه داخل حدود القانون تحت مظلة الدولة، ليغدو أحد عناصر الفضاء الخاص، يخضع لسلطان التشريع المدني، ويُرسم له دوره في الحدود التي تسمح بها الدولة لا تلك التي تُمليها الوصايا العليا. وهكذا انتقلت المشروعية من مقام التلقي الإلهي إلى مواضع التفاوض البشري، ومن سند الغيب إلى تعاقد العقل، ومن هالة المقدّس إلى نصوص الدستور.

وعند مفترق التحوّل من المرجعيات المتعالية إلى البنى العقلانية الأرضية، بزغ مفهوم “السيادة الوطنية” بوصفه التجسيد الأعلى للسلطة، والإطار الذي تنتظم تحته مؤسسات الدولة الحديثة.

لم يكن هذا المفهوم مجرّد أداة تقنية لتنظيم الشأن العام ولكنّه تحوّل إلى عقيدة سياسية تحكم باسمها السلطة وتُحسم باسمها النزاعات.

تبدّت السيادة في هيئة شاملة تُمسك بمفاتيح القرار، وتُسطّر حدود التشريع، وتُحيل الرمز إلى أداة في قبضتها، وتُعلي من سلطان الدولة على الفرد، والمركز على الهامش، والداخل على الخارج.

بهذا التصوّر، لم تعد الدولة كيانًا يحرس القانون ولكنّها أصبحت هي مصدر القانون ذاته، وهي التي تحدد حدود المباح والمحظور، وتُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمقدّس ضمن فضاء الهيمنة السياسية.

السيادة التي نشأت في رحم العقلانية الغربية لم تنفصل عن إرثها اللاهوتي القديم ولكنّها أعادت توظيفه بلغة جديدة؛ فكما كانت الكنيسة في العصور الوسيطة ترفع شعار “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”، جاءت الدولة الحديثة لتمنح نفسها الحق في إعادة توزيع هذا الشعار، بحيث يصبح كل شيء “للقانون”، وكل تمظهر للقيم متوقّفًا على ما تجيزه سلطة السيادة.

لقد نشأ “إله جديد” في الفضاء السياسي؛ لا يُعبد بالركوع بل بالطاعة؛ لا يُتلى عليه الذكر وإنّما تُقدّم له القوانين؛ ولا يُطلب منه الغفران ولكن يُطلب منه الاعتراف.

الدولة في صيغتها الحديثة باتت تُؤسّس ذاتها بذاتها، وتفرض حدود الشرعية من داخل منظومتها، وتُقصي كل خطاب لا ينبثق من بنيتها القانونية والمؤسسية.

تجلّت هذه السيادة في مركزية “الراية”، و”الدستور”، و”الهوية القومية”، بوصفها علامات دينية جديدة، تُقام لها الطقوس، وتُبنى على أساسها الولاءات، وتُصاغ بها مفاهيم “الخيانة” و”الانتماء”؛ فكما كان الوجود الروحي سابقًا يُقاس بمدى القرب من الشريعة، أصبح الانتماء السياسي يُقاس بمقدار الطاعة للدولة ـ الأمة، وتبنّي خطابها، والانصهار في مشروعها الرمزي واللغوي والقيمي.

السيادة الوطنية إذن لم تُلغِ المقدّس، لكنها أعادت ترسيمه داخل فضاء الدولة، وأعادت صياغته بوصفه خادمًا للنظام لا حاكمًا عليه، وألبسته لباس القانون ليُصبح أداة ضبط وليس صوتًا يتجاوز السلطة.

التكامل بين الليبرالية والعلمانية.. تفكيك الجماعة وتحييد المقدّس

في قلب التحوّلات التي أعادت رسم ملامح الدولة الحديثة، نشأت رابطة خفيّة بين الليبرالية والعلمانية، ليس بوصفهما مجرّد نظريتين سياسيتين وإنّما بوصفهما منظومتين متكاملتين لإعادة بناء الإنسان والسلطة والفضاء العام.

العلمانية لم تُطرح ابتداءً باعتبارها إنكارًا للمقدّس وإنما باعتبارها إعادة تموضع له حيث لا يغيب الدين تمامًا بل يُمنع من الهيمنة؛ إنّها تحديدٌ صارمٌ لموقع الدين داخل البنية السياسية والاجتماعية، بحيث يُعاد إنتاجه في صيغة رمزية مُقيّدة، لا تُقلق مركز القرار، ولا تُنافسه على مرجعية أو شرعية.

أما الليبرالية فقد مثّلت الأداة الفلسفية لإعادة تشكيل معنى الإنسان؛ فلم تعد الجماعة هي مرآة الذات وإنّما أصبح الفرد هو الأصل، وذاتيته هي المصدر، وخياراته هي المعيار.

لم تعد الهوية تُكتشف في فضاء مشترك وإنّما تُنتج في معمل خاصّ، لا تدخله الجماعة إلّا بإذن الفرد نفسه؛ وبهذه الفلسفة انفكّ الإنسان عن سياقه، وانفصل عن جذوره، ليتحوّل إلى وحدة سيادية معزولة، تدير قيمها، وتعيد تفسير وجودها، داخل إطار قانوني يُعرّف الحرية بوصفها انعتاقًا من كل سلطة أخرى.

الدولة الحديثة إذن ليست تنويعًا تطوريًّا على نغمات الممالك القديمة، ولا محصّلةً تلقائيةً لانحلال الإمبراطوريات ولكنّها تشكّلٌ وجودي جديد، خرج من رحم قطيعة مزدوجة؛ قطيعة مع المرجع والمصدر الأعلى للمعنى والتشريع، وقطيعة مع الجماعة المتعالية على الفرد.

ومن بين هاتين القطيعتين تشكّلت “الكتلة التاريخية” التي أفرزت الدولة الحديثة بوصفها منظومة رمزية تعيد تعريف الإنسان، وتعيد هندسة الاجتماع، وتستولد معناها من داخل بنيتها المغلقة، دون حاجة إلى نور يهبط من أعلى أو حكمة تنبع من ماضٍ مشترك.

تحييد المقدّس لم يكن عزلاً إداريًّا للدين عن المؤسسات فحسب ولكنّه كان خلعًا رمزيًّا لعصمة المعنى، وتفريغًا للعالم من حضوره المتعالي، بحيث يُختزل الوجود كلّه في منطق الواقع الظاهر، ويُعاد تأثيث الحياة العامة على أساس ما هو قابل للتقنين والمراقبة لا على ما هو جدير بالتقديس.

أما تحرير الفرد من الجماعة، فقد مثّل المسار الموازي الذي أعاد رسم حدود الذات؛ فلم تعد الذات تُصاغ بالعلاقات وإنّما تُعرَّف بالانفصال، وتُبنى على استقلال الإرادة وتملّك القرار، لتصبح مرجعية التشريع الأخلاقي والسياسي هي الذات نفسها، لا المبدأ الأعلى، ولا الجماعة التي كانت تؤطّر السلوك بمعايير تتجاوز ذوق اللحظة ومزاج التصويت.

بهذا الائتلاف لم تُنشأ الدولة الحديثة لتدير شؤون الحكم فحسب وإنّما لتحتكر تعريف الوجود السياسي، وتعيد إنتاج المعنى داخل حدودها، هي تُنظّم المجال العام دون استئذان من السماء، وتُشرّع دون الرجوع إلى مقاصد كلية، وتضبط حركة المجتمع بعقد ماديّ صامت، يربط الذوات المنفصلة بمنظومة من القوانين تُعلي من السلطة وتُحيّد القيمة.

وحين التقت الليبرالية بوصفها تفكيكًا للفرد من الجماعة، والعلمانية بوصفها تحييدًا للمرجع التشريعيّ السماوي، نشأت الصيغة القادرة على إنتاج “نظام يحكم الجميع من دون أن يُستند إلى ما يتعالى على الجميع”؛ دولة تُعيد تعريف الإنسان ليس بوصفه خليفةً ولكن بوصفه كائناً ذاتيًّا مكتفيًا، وتُعيد صياغة الاجتماع السياسي بعيدًا عن وصفه تفاعلاً أخلاقيًّا وإنّما باعتباره توافقًا قانونيًّا، وتُحوّل المجتمع من “أمّة” تحمل رسالة، إلى “مجموعة مواطنين” تتقاسم المجال.

هنا لم تعد الجماعة موقعًا للمعنى بل أُعيد ترتيبها بوصفها تراكبًا رياضيًّا لذوات محايدة، وتتعاقد لتحمي نفسها من بعضها البعض، وهكذا تمّت تصفية المقدّس من قلب السياسة، ليس من خلال إعلانه عدوًّا وإنّما بإدخاله في سياج رمزيّ يجمّده دون أن يقتله، ويُهمّشه دون أن يُقصيه تمامًا، ويُبقيه حيًّا كنوع من الفولكلور الأخلاقي أو الجمالي، لا كمصدر للشرعية أو الإلزام.

الدين داخل الدولة الحديثة.. من “الغياب” إلى “التأطير”

لم يكن خروج الدين من مركز القرار في الدولة الحديثة انسحابًا تلقائيًّا ولكنّه كان إعادة ترتيب دلالي لماهية الدين، وإعادة نحت صورته ضمن حدود قابلة للإدارة والمراقبة. فالعلمانية التي رُوّج لها بوصفها عملية فصل حادّ ونهائي بين “الدين” و”الدولة”، لم تخلُ من مفارقة بنيوية عميقة: إذْ بينما ادّعت الحياد، مارست سلطة التأويل، وحين أعلنت الانفصال، باشرت التقنين، فبات الدين “مسموحًا به” بمقدار ما يخضع للتأطير، لا بمقدار ما يتعالى عن الدولة.

فـ”العلمنة” لم تُنتج فراغًا من الدين بل أعادت ترتيبه داخل قفص الوظيفة، حيث يغدو الدين شأنًا خاصًّا ليس لأنّه مختفٍ وإنّما لأنّه مُخصخص؛ يُمارَس ضمن المجال الشخصي، ويُستدعى بوصفه تقليدًا ثقافيًّا، ويُحتفى به باعتباره تراثًا، ويُمنَع حين يتموضع بوصفه مرجعية تشريعية أو مشروعًا مجتمعيًا؛ بهذا التحديد لا يغيب الدين، وإنما يتحوّل إلى عنصر من عناصر الإدارة العمومية؛ يُرسم له الدور، ويُحدَّد له المجال، ويُؤذَن له بالحضور وفق شروط الدولة لا وفق شروط الوحي.

وحتى في النماذج التي تصدّرت تمثيل العلمنة الصارمة كفرنسا، لم يكن الدين مغيَّبًا من مؤسسات الدولة بقدر ما كان موضوعًا للضبط والسيطرة؛ تُنظّم العلاقة به عبر قوانين دقيقة، وتُخضع مؤسساته لتراخيص، ويُحدَّد موقعه في الفضاء العام بمراسيم حكومية.

أما في النماذج التي تمزج بين العلمنة الشكلية والتقاليد الدينية كألمانيا، فقد غدا الدين شريكًا صامتًا في هندسة الهوية، ليس بصفته سلطة مرجعية وإنّما بوصفه مخزونًا رمزيًّا يوظَّف عند الحاجة لتبرير الدولة لا لتقييدها.

بذلك لم تتحقّق العلمانية الصافية إلا كـوهم تأسيسي يُبرّر من خلاله النظام الحديث استبعاده للمقدّس، فيما هو في الواقع لا يكفّ عن التدخّل في شؤونه، واحتواء وظيفته، وإعادة إنتاجه داخل قوالب قانونية تسلبه قدرته على إحداث الفعل السيادي أو بناء الجماعة المرجعية.

الدين إذن لم يُغادر المشهد وإنّما أُعيدت كتابته؛ فلم يعد شريعة تُلزم بل خطابًا يُحتفى به أو يُهمَّش بحسب اللحظة السياسية؛ ولم يعد نواة للأمة ولكنّه غدا صوتًا محايدًا ضمن المسرح الحركي المضبوط للحداثة، يُسمَع إن أنشد ويُمنَع إن أفتى، يُستضاف في الأعراس الوطنية ويُغلق عليه الباب حين يطالب بالحق العام.

وحين فشلت الدولة الحديثة في تغييب الدين، لم تَعُد تحاربه صراحة ولكنّها شرعت في احتوائه ضمن هندسة قانونية تُفرغه من فاعليته السيادية، فلم تعد المعضلة تدور حول وجود الدين أو غيابه وإنّما حول نوع الحضور وشكل التمثيل وحدود التأثير، وبهذا المنطق انتقل الدين من كونه مرجعية تنشئ المعنى وتُحاكم السلطة، إلى وظيفة اجتماعية تندمج في النظام، وتُدار بآلياته، وتُراقب ضمن معاييره.

ففي البنية المؤسسية للدولة الحديثة، لا يُسمح للدين أن يُشَكّل الدولة وإنّما يُسمح له أن يتكيّف معها؛ فيظهر رجل الدين حين يُستدعى، ويختفي حين يُطالب، تُنظّم له مساحات الوعظ، وتُرسم له حدود الفتوى، ويُستبقى في المشهد بصفته “مواطنًا رمزيًّا” لا فاعلًا تشريعيًّا، وأما مؤسساته فتخضع لإشراف إداريّ، وتتلقى التمويل والاعتراف بمقدار ما تلتزم بالدور المرسوم لها في تراتبية الدولة.

إنّ ما يُسمّى بـ”الحرية الدينية” في ظل هذه المنظومة لا يتجاوز حرية الممارسة الشخصية، أو التعبير الطقوسي، أو الانتساب الرمزي، أما الدين بوصفه نظامًا معرفيًّا حاكمًا، أو شريعةً ذات امتداد في المجال العام، أو مشروعًا حضاريًّا يُقوّض مرجعية الإنسان الفرد، فذاك ما يُقابل بجدارٍ من التحفّظ القانوني، والمقاومة المؤسساتية، والتأطير السياسي.

وهكذا، تتحوّل المساجد إلى فضاءات روحية منزوية، تُدرَج ضمن السياق الثقافي لا المرجعي، وتُفصل عن مسارات القرار والسيادة والتشريع، ويُحتفل بها حين تُعبّر عن “الإرث الوطني”، وتُستدعى إلى الحضور حين تخدم الهوية الرسمية، وتُقصى فورًا إذا تجاوزت الحدود المرسومة لها لتصبح ناطقة باسم الجماعة المؤمنة لا الخاضعة.

الدولة الحديثة إذ تُقنّن الدين فإنّها لا تُفرغه فحسب من سلطته ولكنّها تعيد تشكيل صورته في وعي الجماعة؛ من دين يُحيي الأمة إلى دين يُدير الضمير؛ من دين يُربّي الإرادة الجمعية إلى دين يُسكّن الأفراد؛ من دين يطلب الحق إلى دين يُجمل الطقوس، وبهذا التحوّل يغدو الدين مقبولًا بمقدار ما يتماهى مع منطق الدولة، ويُلغى بمقدار ما يستعيد ذاته باعتباره ندًّا لمصدر التشريع أو حاضنًا لمعنى الجماعة.

الدّين أداة بيروقراطية.. من التعبّد إلى التدبير المؤسسي

حين تدخل الدولة الحديثة على الخط، يتحوّل الدين من كونه علاقة عبودية تستبطن الحضور الإلهي في المجال العام، إلى وظيفة إداريّة تدار بآليات الجهاز البيروقراطي.

لا يُستدعى الدين هنا لبلوغ المطلق، ولا يُفهم بوصفه رابطًا تكوينيًّا للجماعة المؤمنة ولكن يُعاد تشكيله ضمن منطق الإدارة والتقنين والتوجيه، فيصبح الدين جزءًا من جهاز الدولة، يُؤطر بخطط خمسية، ويُدرَج في الوزارات، وتُحدَّد له اختصاصات.

هكذا تتعامل البيروقراطية الحديثة مع الدين كما تتعامل مع أي قطاع؛ تخطيط، رقابة، تمويل، إنتاج تقارير أداء.

يُقاس التدين بنسبة الإقبال على الشعائر، ويُقوَّم الخطباء على أساس الخطاب المتوافق مع سياسات الدولة، وتُحوَّل المؤسسة الدينية إلى شريك في “إدارة القيم”، لا في صياغة المرجعيات، وتتحوّل وزارة الأوقاف أو الشؤون الدينية إلى مؤسسة حكومية تُنتج دينًا مروّضًا، يتكلّم لغة الدولة، ويخدم مشروعها، ويُراعي خطابها الرسمي، ويتناغم مع سرديّتها العليا.

في هذا السياق، لا يُمنع الدين من الفعل ولكنّه يُمنح مساحة مرسومة، تُحدَّد فيها المفردات والموضوعات والسقوف، فيُشجَّع على تعزيز “الهوية الوطنية”، ويُستثمر في حملات الأخلاق العامة، ويُوظّف في الحشد السياسي أو التحشيد الحربي عند الحاجة، لكنّه يُقنّن داخل منطق الوظيفية؛ لا يُشرّع، ولا يُعارض، ولا يبني مشروعًا مستقلًا، ولا يُعادي الدولة إن جنحت عن الوحي.

الدين المؤسَّس بهذا الشكل لا يُشبه الدين في جوهره بل يُصبح ظلًّا إداريًّا له، يصعد على المنابر بإذنٍ بيروقراطي، ويتكلّم في وسائل الإعلام بخطاب مدرَّب، ويظهر في الاحتفالات الرسمية بوصفه عنصرًا من عناصر التقاليد.

ومع الزمن ينشأ وعي جديد داخل الجماعة؛ وعيٌ يرى الدين بوصفه سلطة من سلطات الدولة، لا بوصفه سلطةً فوق الدولة؛ وعيٌ يُفرّغ التدين من حقيقته التغييرية، ويُعيد إنتاجه بوصفه أداة طمأنة نفسية أو تقليدًا تراثيًّا.

وحين يصبح الدين مجرّد وظيفة تُدار من فوق، يُقتل من داخله سرّه، وتفقد الأمة محرّكها العميق، وتبقى الشعائر قائمة لكنّ الروح غائبة، وتبقى المساجد مفتوحة لكنّ المشروع الإلهي مغيّب.

وحين يُستبدل بالإمام المأذون، وبالخطيب الناطق الرسمي، وبالمجتهد الموظف، تصبح “المرجعية الدينية” فرعًا من فروع الإدارة، لا أصلًا من أصول الأمة.

الدين مكوّن تعليم رسمي.. من الغيب إلى المقرر الدراسي

حين تدخل الدولة الحديثة إلى حقل التعليم، تُعيد ترتيب المعارف وفق نسقٍ وظيفي يُعلي من التقني على القيمي، ويُقدّم المهارة على المسألة الوجودية، ويُخضع المقدّس لسلطة المنهاج، فلا يظهر الدين في هذا السياق بوصفه وحيًا يُشَكِّل الإنسان وإنّما يُعاد تشكيله باعتباره مادّة دراسية تخضع لمنطق التصنيف والمراقبة والتقويم.

في فضاء التعليم الحديث يتحوّل الدين من خبرة روحية تربط الإنسان بالمطلق، إلى منظومة معلومات تُقدَّم ضمن وحدات فصلية، وتُقيَّم عبر اختبارات معيارية، فيُفصل النص القرآني عن السياق الحضاري، ويُدرَّس الحديث النبوي بوصفه جملة لغوية لا فعلًا تغييريًا، وتُفهم العقيدة باعتبارها تسلسلًا مفاهيميًا لا منظومة رؤية، ولا يُطلب من الطالب أن يسأل سؤال الإيمان وإنّما أن يحفظ تعريف التوحيد.

يُصبح الدين مادةً من بين مواد، له حصة زمنية، ومعلّم مُجاز، ومنهاج معتمد، وينشأ المتعلّم في سياقٍ يرى الدين كما يرى الجغرافيا أو الكيمياء؛ محتوى مُصممًا للتقييم لا للتكوين، يُدرَّس للحصول على علامة لا للولوج في معنى.

هذا التحوّل من “التربية الدينية” إلى “التعليم الديني” لا يُعبّر عن حياد وإنّما عن نزعة لتأطير المقدّس داخل منطق الدولة واحتوائه ضمن خطابها الرسمي.

في هذا السياق، تفقد التجربة الدينية بعدها التكويني، وتتحوّل العقائد إلى رموز معرفية مُفرغة من شحنة الإلزام الوجداني، فلا يُسأل الطالب عن أثر الإيمان في سلوكه، ولا عن حضور الصلاة في وجدانه وإنّما عن شروط صحتها وعدد ركعاتها، وهكذا يُبنى وعيٌ دينيٌ مُنفصلٌ عن الذات، منفصل عن الجماعة، مستقر في دفتر العلامات لا في جوهر الحياة.

أما المعلم الديني، فغالبًا ما يُفهم بوصفه موظفًا يُطبّق تعليمات لا مربّيًا يُضيء الطريق؛ يُراقَب خطابه، ويُحدَّد له ما يُقال وما يُسكَت عنه، ويُطالَب بتأدية دور الناقل لا دور الشاهد، وبهذا الشكل يُحوَّل الدين في المدرسة إلى سلعة معرفية، تُمنح بترخيص، وتُراقَب بمحتوى، وتُفرَّغ من بعدها التحرّري، لتبقى كما بقي غيره من “التراث”؛ جميلًا للعرض، بلا قدرة على التغيير.

في العمق، لا يُهمَّش الدين في التعليم عبر الإقصاء وإنّما عبر الإدراج المشروط، فحين يُدرَّس الدين بوصفه تراثًا لا رسالة، ومعلومات لا منهاج حياة، ومحتوى معرفيًا لا وحيًا يُعيد تشكيل الوعي، يصبح حضورُه في الكتب حجابًا عن فعله في القلوب.

من التصادم إلى التكييف.. أنماط علاقة الدّين بالدولة الحديثة

لم تكن علاقة الدين بالدولة الحديثة سلسلة انتقالات هادئة ولكنّها كانت فعلًا تراكميًا لآليات ضبط وسيطرة، تأرجحت بين التبنّي الحاسم والحياد المزعوم، بين الإقصاء المباشر والتطويع الصامت.

فالدولة التي تعلن شراكتها مع الدين تُعيد تعريفه داخل بنية الحكم، لا تُسلّمه القيادة وإنّما تُخضعه للمراقبة، وتلك التي تنظّم الشأن الديني تحت ذريعة الحياد تُمارس نوعًا من الوصاية الرمزية عليه، إذ تختار من يتكلّم باسم الدين، وتحدّد متى، وكيف، وبأي خطاب.

أما الدول التي تدّعي العلمانية الصافية، فتُخفي سلطتها التأويلية خلف واجهة قانونية محايدة، لكنها ترسم حدود المسموح والممنوع، وتُقنّن الاعتقاد بوصفه ظاهرةً اجتماعية لا وحيًا منزَّلًا.

وفي السياقات غير الأوروبية، يبدو الدين حاضرًا باعتباره هويّة جزئية تُستثمر في بناء التراث، وتُفصَل عن السياسة لتُختزل في الطقوس.

وأمّا الإسلام ــ في هذه النماذج ــ فيتمّ إخضاعه للنشأة القومية ليتماهى معها أكثر من تماهيه مع المرجعية التشريعية، فيُحوّل إلى دين “وطني” يُدرَّس في المدارس، ويُحتفى به في المناسبات، ويُحجَّم في الممارسة الاجتماعية، حتى يُعاد إنتاجه دينًا مُعلَّبًا، مُدرَجًا في الخطة الخمسية، مُعرّفًا في القانون الأساسي، مرئيًا في هوية الدولة، غائبًا عن روحها.

وهكذا، لا يُقصى الدين في الدولة الحديثة بطرده من المشهد وإنّما يُعاد إدخاله مشروطًا، محكومًا، معدًّا مسبقًا، يُشبه ذاته في الظاهر، ويُنكرها في الجوهر؛ تتحوّل الخطبة إلى وثيقة مصدّقة، والتعليم الديني إلى وحدة إدارية، والمؤسسة الدينية إلى إدارة ملحقة بجهاز الحكم، ويغدو الدين الذي كان يطالب بالحق والعدل، مجرّد جهازٍ يُطالب بالموازنة والميزانية.

وفي ظل هذا التكييف، لا يبقى من الدين الحيّ سوى طيفٌ مقنّن، يُحرَس ولكن ليس من أجل أن يُنشر، ويُضبَط ويُستبقَى ليُستثمَر عند الحاجة، دون أن يُستدعى بوصفه مرجعيةً تُحاسب الدولة ذاتها، أو تحرّك الجماعة خارج حدود ما ترسمه الدولة لجسدها السياسي.

العلمانية والدولة الحديثة.. فصل أم هيمنة؟

العلمانية تمثّل في هندسة الدولة الحديثة جوهرها المؤسِّس، وذلك ليس بصفتها موقفًا معرفيًّا طارئًا وإنّما بوصفها القاعدة التي أمكن من خلالها نزع الغلاف الغيبيّ عن السلطة، وتشكيل جهازٍ يحكم بلا وصاية من السماء، ويُشرعن وجوده دون مرجعية تتجاوز الزمان والمكان.

فالفصل الذي وقع بين “الدين” و”الدولة” لم يُلغِ الأول، ولم يُطلق العنان للثاني بلا شروط، إنما أعاد صياغة الحقل السياسي من الداخل، بحيث لم تعد السياسة تنبع من غاية مقدّسة، ولم يعد الفعل العام يتطلّب تصديقًا من الغيب.

ومن هذا الفصل، انبثق مفهوم الإنسان الجديد بوصفه مواطنًا مجرّدًا يُحتفى به من حيث كونه كائنًا قانونيًّا، وليس حاملًا للوحي ولا وارثًا للنبوة، بل مشاركًا في التعاقد، قابلًا للضبط، مستحقًّا للحقوق بصفته فردًا لا بصفته جزءًا من أمة أو رسالة.

تتشكل الدولة الحديثة على هذا الأساس باعتبارها منظومة تدار من خارج المقدّس، ولا تنطلق من “تكليف” وإنّما من “تسوية”، ولا ترجو خلاصًا ولكنّها تسعى لإدارة الممكن داخل حدود الواقع.

وحين تصوغ القانون فإنّها لا تستلهمه من “النص المنزل” وإنّما من “السلطة المفوّضة”، فينتج نظامٌ يُطاع ليس لأنه مرآة للحق ولكن لأنه ميثاقٌ قابل للتعديل، تُبرمه الإرادات المنفردة، وتُعيد تشكيله القوى الحاكمة.

أما الجماعة، فتنحلّ من كونها كيانًا عضويًّا يتّجه نحو غاية عليا، لتغدو تجمّعًا من ذوات متجاورة، يتحدها القانون ويعزلها عن المعنى.

لا تسعى هذه الدولة إلى قمع الدين بصفته إيمانًا، لكنها تؤطّره بوصفه موروثًا، وتُدخله في دوائر التنميط القانوني، والتعليم المؤسسي، والمراقبة الرمزية. وهكذا يُعاد تعريف المقدّس ليصبح موضوعًا إداريًّا، لا منبعًا تشريعيًّا، ويُفصل عن الدولة من جهة المصدر، ويُضمَّن فيها من جهة الوظيفة.

ضمن هذا السياق، يغدو المواطن هو “الفاعل الكامل”، فيما يغيب العابد، ويُختزل النص إلى أثر ثقافي ويُقصى عن وصفه حاملًا للشرعية. وتتقدم الدولة باعتبارها صاحبة السيادة العليا، لا تسأل السماء قبل أن تحكم، ولا تنتظر وحيًا قبل أن تصدر قانونًا، وتُقيم حدودها على الأرض، في حين يُترك المعنى متروكًا للوجدان الخاص، أو يُعاد ترتيبه داخل مناهج التربية وضوابط العبادة الرسمية.

بذلك، تتجلى العلمانية بوصفها الهيكل العميق للعقل السياسي الحديث، ليس عن طريق الرفض المعلن للدين وإنّما عن طريق النقل الشامل لوظيفة الحكم من اليد الإلهية إلى العقل الإجرائي، ومن الغاية الأخروية إلى الهدف الإداري، ومن الطاعة للشرع إلى الانضباط للقانون.

وتُبنى المدينة الحديثة على هذا الأساس، حيث تتجاور المعابد دون أن تكون مرجعية، وتُحترم الطقوس دون أن تحكم، ويُقدَّر الدين أثرًا دون أن يكون مصدرًا، وتُقام السلطة أفقًا مغلقًا على الأرض، لا يعلوه نداء، ولا يخترقه وحي.

نحو فهم مركب للدين والدولة

الدين في الدولة الحديثة لا يُستوعب بوصفه ظاهرة مستقلة أو جوهرًا متعاليًا وإنّما يُعاد تشكيله داخل بنية سلطوية تمارس عليه سلطة التعريف والتنظيم والتأطير.

 كل دولة حديثة مهما ادّعت الحياد، لا تترك الدين خارج حدودها، بل تُدخله من الأبواب التي تختارها، وتضعه في مواضع محسوبة ضمن خرائط السيادة؛ فالدين في هذا السياق ليس نصًّا يُحتكم إليه ولكنّه خطاب يُؤهَّل للاستعمال العام من خلال مقاييس إدارية، فيُصاغ في مناهج التعليم، ويُقنن في قوانين العبادة، ويُضبط في الخطب والفتاوى.

وفي هذا الإطار، لا يوجَّه السؤال إلى “وجود الدين” داخل الدولة وإنّما إلى “كيفية حضوره”، فالوجود لا يعني الفاعلية، والحضور لا يساوي الهيمنة.

الدولة تُعيد تعريف الدين، وتُفرغه من أبعاده التأسيسية، ليغدو هوية ثقافية، أو وظيفة تربوية، أو طقسًا شعائريًا، بينما تُمنع عنه الصفة التوجيهية التي تنزع المشروعية من الحاكم، أو تُسائل طبيعة القانون.

هذا النمط من “التدجين الديني” لا يُقاس بحجم المساجد أو عدد الخطباء وإنّما بمدى قدرة النصوص المقدسة على صناعة المعنى العام، وتشكيل الضمير السياسي، ورسم غايات الاجتماع البشري.

كل دولة حديثة اختارت لنفسها شكلًا خاصًا لعلاقتها بالدين؛ ليس باعتباره وحيًا وإنّما بوصفه عنصرًا ضمن بنية سيادية أشمل، تُعلي من سلطة الإنسان القانوني وتُقصي أي مرجعية تتجاوز إرادته.

فالدين، حين يدخل فضاء الدولة، يتحول من مصدر للتشريع إلى موضوع للتشريع، ومن سلطة عليا إلى طقس مرخّص به، ومن بنية فوق سياسية إلى محتوى ثقافي يُدرّس أو يُعرض أو يُحتفل به وفق مصلحة النظام.

هنا، لا تنحصر المسألة في نقد العلمانية بوصفها آلية لفصل المجالين العام والخاص، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الأساس الفلسفي ذاته الذي يُنتج الدولة الحديثة باعتبارها منظومة معرفية وهيكلًا سلطويًا؛ هذه الدولة لا تبني ذاتها فوق فراغ ولكنّها تُنشئ نظامًا مفهوميًا يُحدّد ما يُعتَبر عقلانيًّا، ويُصنّف ما يستحق الظهور في المجال العام، ويُقصي ما لا يُقاس بمعايير السوق أو القانون.

إنّ استعادة الدين باعتباره مصدرًا للمعنى العام لا تتم بإدخاله في الجهاز البيروقراطي، ولا بإثبات حضوره في الدستور أو الإذاعة أو المدرسة وإنّما بتفكيك النموذج الذي حوّله إلى وظيفة، واستعادته فاعلًا يُسائل، ويُقوّم، ويُنذر، ويُرشد، دون أن يُختزل في هوية، أو يُستعمل محض رمز، أو يُدجّن ضمن توازنات السلطة.

بهذا الفهم المركّب، يتجاوز التفكير في علاقة الدين والدولة ثنائية “الفصل” و”الاتحاد”، وينفتح على أفق أكثر جذرية؛ محاكمة منطق التأسيس ذاته، والبحث عن نظام سياسي لا يُقصي الوحي من موقع التوجيه، ولا يُحجّم الإنسان في حدود الفرد المعزول، بل يفتح المجال لتأسيس جماعةٍ تُنظّم نفسها خلال المعنى وليس من خلال القانون فحسب، ولا تُختزل في عقود المصالح وإنّما تُبنى على نداء التكليف، وتُوجَّه إلى غايات تتجاوز محض البقاء.

في ختام هذا المقال الذي حاول تفكيك واستكشاف موقع الدين ضمن منظومة الدولة الحديثة الفلسفية والبيروقراطية، تتبدّى أمامنا إشكالية أعمق: هل يمكن للدولة الحديثة أن تتصالح مع مرجعية تتجاوزها؟

ذلك أن كل ما في هذا النموذج قد بُني على نفي المرجع الأعلى، واكتفاء الإنسان بذاته مشرّعًا ومنظّمًا لحياته، وحين يُستدعى “الوحي” في هذا السياق، فهو يُستدعى بوصفه مفعولًا به، لا فاعلًا، خاضعًا لسلطة الدولة، لا موجّهًا لها، ملفوفًا بلوائح الوزارة، لا منفلتًا من هندسة السيادة.

من هنا تنبع ضرورة التوسّع في مقال قادم نطرق فيه السؤال الجوهري: “الدولة الحديثة في مواجهة مرجعية الوحي؛ هل من إمكان للتلاؤم، أم أنّ التعارض جذري لا يقبل التوفيق؟”

سؤالٌ يتجاوز الخطابات التوفيقية أو المواقف الحدّية، ويغوص في عمق البنية الفكرية، ليعيد طرح السؤال: هل يُمكن لدولةٍ صُمّمت بلا نوافذ إلى السماء، أن تُبصر النور إذا دخلها الوحي؟

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى