المقالات البحثية

هل فسّر الرسول القرآن؟

دراسة في البيان النبوي للقرآن الكريم

    من أكثر الشبهات التي يكرّرها منكرو السنن، أو أولئك الذين يقدّمون فهمهم الخاص لكتاب الله تعالى على فهم مَن نزل القرآن فيهم وبينهم وبلسانهم، أنّهم يقولون: إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسّر القرآن، وإلّا فأْتونا بتفسيره. ويُغامرون بتحدٍّ يعكس مدى جهلهم بالسنّة، وهو مطالبتهم بالإتيان بعشر آيات فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم!

    وفي هذا المقال سأكشف عن مراتب التفسير النبوي للقرآن الكريم، وهي على النحو التالي:

  • التفسير الصريح لبعض الآيات، وفيه إجابة عن التحدّي وزيادة.
  • التفسير التفصيلي لِما أجمله القرآن من الشرائع.
  • بَسْطُ ما أوجزه القرآن من القيم والمعاني والأحداث.

    لكن لا بدّ قبل ذلك من النظر فيما أخبرنا القرآن عن الرجوع إلى الرسول في فهم القرآن، فآيات القرآن تدلّ على أنّ الرسول هو باب فهم معاني القرآن الأول، فمن أضاع هذا الباب لم تنكشف له معاني القرآن. فنقدّم بثلاث مقدّمات: الأولى عن البيان النبوي للقرآن، والثانية عن التعليم النبوي للقرآن، والثالثة عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لرفع الخلاف في فهم الكتاب، مع تفنيد الاعتراضات في هذه الأبواب.

    المقدمة الأولى: البيان النبوي للقرآن

    من يقرأ كتاب الله تعالى بتدبُّر لا يخالطه شكّ أنّ من أبرز المهام التي أناطها الله برسوله صلى الله عليه وسلّم بيان القرآن للناس. وليس المقصود هنا أنّه ترك تفسيرًا كاملًا مرتّبًا على هيئة تلك التفاسير التي يكتبها العلماء من الفاتحة إلى النّاس، فهذا ليس لازمًا لنقول إنّه فسّر القرآن. بل المقصود أنّ الله عزّ وجلّ أثبت لرسوله وظيفة بيان التنزيل، ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44).

    ويُشغّب بعض منكري السنن على الاستدلال بهذه الآية فيقولون: البيان هنا مجرّد إظهار الكتاب وعدم كتمانه، كقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} (المائدة: 15)، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187). فالبيان عند هؤلاء هو ضدّ الإخفاء والكتمان فحسب.

    مع أنّ سياق الآية لا يتّسق مع كون البيان بهذا المعنى الخالي من الشرح، فكأنّ الله تعالى يقول بحسب زعمهم: “وأنزلنا إليك الذكر لتُظهر للناس ما خفي عليهم وكتموه مما نُزّل إليهم”. فالآية قد أقرّت بأنّ هناك شيئًا “نُزّل” إلى الناس، وأنّ مهمّة الرسول صلى الله عليه وسلّم هي “تبيين” هذا الذي نُزّل إليهم، ولا يُعقل أن يكون التبيين هنا مجرّد إظهار القرآن أي تبليغه وتلاوته بغير شرح.

    وسياق الآية وما قبلها يزيد من تأكيد ذلك، فالله عزّ وجلّ يقول قبلها: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، ثم يقول: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44).

    أي: إنْ كنتم يا معشر قريش تستنكرون أن ينزل الله عزّ وجلّ بشرًا رسولًا كما قال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} (يونس: 2)، فإنّ الله تعالى قد جعل الرسل السابقين كلّهم بشرًا، وإنْ أردتم التأكّد من ذلك فاسألوا أهل الذِّكر، وهم أهل الكتاب، ليذكروا لكم ذلك أو يذكّروكم به، فقد أرسل الله رجالًا بشرًا أوحى إليهم بالدلائل الواضحة كالمعجزات وبالكتب. وكذلك في عهدكم هذا، قد أنزلنا الرسالة على رسول بشرٍ يعيش بينكم ويحدّثكم ليبيّن لكم ما نُزّل إليكم من كتاب ربّكم.

    بكلمات أخرى: الآية لا تجيب عن سؤال لماذا أنزل الله الذكر؟ بل تجيب عن سؤال: لماذا أنزل الله الذكرَ إليك أنت بوصفكَ بشرًا مثلنا؟ فهذا الأليق بإجابة {لتُبيّن للناس ما نُزّل إليهم}، فلو أنزل الله كتابًا من السماء بغير رسول بشرٍ يعيش بين النّاس ويتحدّث بلسانهم، فمن الذي سيُبيّنه ويرفع ما يُشكل عليهم من معانيه وأحكامه؟ وفي تقديم {إليكَ} مراعاة لمقتضى الحال؛ لأنّ موضع الاستنكار هو إنزال الذكر على بشر، فجاء نظام الآية مبرِزًا جهة الإنزال إليه صلّى الله عليه وسلّم، فكأنّ الجواب قد واجه موضع الشبهة نفسه، وهو من دقائق النَّظم القرآني.

    وحين طلب الكفّار من الرسول صلى الله عليه وسلّم أن ينزل عليهم كتابًا يقرؤونه، أي بخلاف تَنزُّل القرآن على رسوله مفرَّقًا ليقرأه على النّاس، وذلك في قوله تعالى: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ}، كان الجواب المباشر في الآية: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلّا بَشَرًا رَسُولا} (الإسراء: 93)، وجاء التأكيد بعدها مباشرة: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} (الإسراء: 94). ثم قال: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنزلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} (الإسراء: 95). فاتضح أنّ لدينا شبهة، وهي استنكار الكفار أن ينزل الله عزّ وجلّ بشرًا رسولًا يقرأ عليهم كلام الله ورسالته، وكان لديهم تصوّر خيالي لرسالة الله يتمثّل بكتاب ينزل من السماء جملةً واحدةً، فكان الجواب كما تقدّم:

  • تذكيرهم بأنّ هذا هو حال جميع الرسل السابقين، فقد كانوا رجالا من البشر (سورة النحل).
  • أنّ الله عزّ وجلّ قد أرسل رسوله بشرًا منكم ليبيّن لكم معاني ما أُنزِل وأحكامه، فهذا أدعى لهدايتكم (سورة النحل).
  • أنّكم لستم ملائكة ولكنكم بشر ويليق بكم أن يكون رسولكم من البشر (سورة الإسراء).

البيان في القرآن الكريم لا يقتصر على مجرد الإظهار في مقابل الكتمان، بل يتجاوز ذلك إلى التوضيح والشرح والتفصيل.

    هكذا نفهم المقصود من آية سورة النحل، فهو الذي يتّسق مع سياق الآية نفسها، ويتّسق أيضًا مع سياق القرآن حين نعرف ادعاء المشركين ومطالبهم وسبب الردّ عليهم، فندرك أنّ تفسير تبيين الرسول هنا بأنّه مجرّد عدم إخفاء القرآن أو عدم كتمانه تفسيرٌ سقيم لا يتّفق مع بنية الآية ولا سياقها ولا سياق ما يماثلها في القرآن!

****

    إنّ الاستدلال بالآيات التي يقابل فيها البيان بالكتمان أو الإخفاء ليُقال إنّ البيان يقتصر على الإظهار الذي هو ضدّ الكتمان أو الإخفاء؛ هو استدلال قاصر، ومما يؤكّد ذلك أنّ هؤلاء يفسّرون بيان القرآن وتبيانه بالشرح والتوضيح والتفصيل، مع أنّ الله عزّ وجلّ جعل بيانه أيضًا مقابل الكتمان فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} (البقرة: 159). فلو كانت مقابلة البيان بالكتمان دليلًا على أنّ البيان قاصر على ما هو ضدّ الكتمان من إظهار الآيات فحسب لكان بيان الله كذلك، ولكنّ الأمر ليس كذلك، فالبيان ينفي الكتمان ويزيد عليه التوضيح والشرح والتفصيل.

    والقرآن نفسه يشهد بذلك، فتأمّل هذا السياق: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 259). فتأمّل كيف كان التطبيق التفصيلي للإحياء بعد الإماتة “تبيينا”، فقال: {فلمّا تبيّن له}.

    وتأمّل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} (النساء: 94). فالتبيُّن هنا هو ما يرفع الإشكال عمّن التبس عليهم أمره خلال القتال.

    وتدبّر قول الله عزّ وجلّ: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام: 55). فالتفصيل هو الذي يحقّق الاستبانة، وهذه الآية في سورة الأنعام المكّية، وهي تتميّز بتفصيل قضية التوحيد ومقتضياتها بخلاف معظم السور المكّية.

    وانظر إلى قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونُ} (النحل: 64). فكيف يكون التبيين هنا ضدّ الكتمان أو الإخفاء فحسب؟ لا شكّ أنّ تبيين ما اختلفوا فيه يتضمّن بيان صوابه من باطله، وهو ما يرفع الإشكال والخلاف.

*****

    وهنا قد يقال: إنّ الله عزّ وجلّ قد وصف كتابه بأنّه مبين: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (يوسف: 1). وبأنّه تبيان لكل شيء: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: 89). فكيف يحتاج بعد ذلك إلى بيان؟

    والإجابة على وجهين:

    الأول: أنّ من بيان القرآن وتبيانه ما دلّنا عليه سبحانه من وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم والأمر باتّباعه والتأسّي به والتحاكم إليه وذِكر تعليمه الكتابَ والحكمةَ وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي هي “بيان” و”تبيان” لمقام الرسول صلى الله عليه وسلّم، والذي يشتمل على تفصيل كثير من أحكام القرآن وشرحها وتعليمها.

    الثاني: أنّنا لا ننفي بأنّ هذا الكتاب مبين، وأنّه تبيان لكل شيء ممّا له علاقة بهداية البشر إلى الله عزّ وجلّ وعبادته وحده والنجاة في الآخرة. ولكنّ البيان مستويات، والقرآن نفسه يوضّح ذلك.

    فتدبّر هذا السياق: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (البقرة: 67). فهل يوصف هذا الأمر بأنّه مبين؟ نعم، قد بيّن الله لهم أنّه يجب عليهم ذبح بقرة، ولو ذبحوا أي بقرة لأجزأهم، لكنّهم لم يكتفوا وأرادوا مزيد بيان تنطُّعًا منهم، فقالوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}، فكانت الإجابة بمزيد بيان: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} (البقرة: 68). ثم طلبوا مزيد بيان: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا}، فقال سبحانه مبيّنًا: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} (البقرة: 69)، ثم لم يكتفوا وطلبوا مزيد بيان: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} (البقرة: 70)، فجاءهم البيان المفصّل: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} (البقرة: 71). والقصد هنا ليس الاقتداء بهم في هذا التنطّع، بل التأكيد بأنّ البيان مراتب، وتبيين شيء وُصف بأنّه “مبين” و”تبيان” لا يستلزم نفي هذه الصفة عنه.

    وقد أمرنا الله عزّ وجلّ بالصيام فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). فهل نصف هذه الآية بأنّها “بيان”؟ نعم هي كذلك، ونُشهد الله تعالى أنّه أوجب علينا الصيام. ولكنّ هذه الآية “مستوى أوّلي” من البيان، يثبّت الفريضة بحيث لا مجال لأحد أن ينكر فرضيّتها.

    ثم يأتي مستوى آخر من البيان “يفصّل” بعض أحكام الصيام المهمّة، كقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (البقرة: 187). فتأمّل بأيّ معنى ذكر التبيين في ختامها، مما يدلّك على أنّ هذا مزيد بيانٍ فيما يتعلّق بالصيام الذي بيّن لنا فرضيّته، وهكذا يزول إشكال “تبيين المبيَّن”.

    والله عزّ وجلّ يقول: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة: 38). فهذا كلام “مبين”، ولا مجال لأحدٍ أن ينكر عقوبة السارق بقطع يده. ولكنّه “بيان مجمَل” (ولا تعارض بين الأمرين)، وهناك مستوى آخر من البيان وهو المتعلّق بموضع القطع عند الرسغ، ونصاب المال المسروق الذي يجيز القطع فلا يُقطع بأقلّ منه، وموانع القطع كالجوع وغير ذلك، وغيرها من أحكام السرقة، وهذا البيان في سنّة الرسول صلى الله عليه وسلّم.

    وقس على ذلك الكثير من شرائع القرآن التي جاء بيانها مجملًا وكان الرسول صلى الله عليه وسلّم هو الذي علّمنا تفاصيلها. وهذا الإجمال في كثير من شرائع القرآن واقع مشاهَد لا يمكن إنكاره كما سيأتي، ولكنّه لا ينفي أنّ القرآن “مبين” لأسس الهداية والصراط المستقيم ومعالم الدين وأحكامه الكبرى والدلالة على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فليس أبين منه في ذلك!

****

    وأخيرًا يشغّب بعضهم مستدلًّا بقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 19)، ويتنطّع في شرح دلالة تقديم “علينا” وما فيها من حصر. والواقع أنّ السياق هنا أيضًا يبطل هذا الفهم الذي يبني على الآية أنّ بيان القرآن هو على الله وليس على الرسول، فمن حيث أراد صاحب هذا الكلام جعْل هذه الآية دليلًا على أنّ بيان القرآن في القرآن فحسب، فإنّ سياقها يدلّ بوضوح على أنّ الله عزّ وجلّ سيبيّن لرسوله هذه الآيات التي أقرأها له جبريل وجمعها الله في صدره صلى الله عليه وسلم.

    وتدبّروا السياق: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 16-19).

    فقد كان عليه الصلاة والسلام يحرّك لسانه بالقرآن – أثناء تلقّيه أو بعد نزوله – يردّده حرصًا على حفظه وضبطه، ومخافة أن يفوته شيء منه أو ينساه، فنهاه الله عزّ وجلّ عن ذلك، وطمأنه بأنّه سيتكفّل بحفظه، فقال له: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}: أي أنّه تكفّل بجمع القرآن في صدره وتثبيته فيه وقراءته على الوجه الصحيح، فلا داعيَ للعجلة خوفًا من فواته.

    ثم قال له: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}: أي فاتّبع قراءته بالاستماع والإنصات حتى يفرغ الوحي أو اتّبع ما فيه من الأوامر والنواهي أو كلاهما معًا.

    ثم قال له: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}: فالمعنى المتّسق مع السياق هو أنّ الله عزّ وجلّ الذي تكفّل له صلى الله عليه وسلّم بحفظه وتثبيته في صدره وبقراءته على الوجه الصحيح؛ هو الذي تكفّل أيضًا ببيانه له، أي بإيضاحه له لفظًا على لسانه ومعنًى في قلبه حتى لا يخفى عليه شيء من مراد الله عزّ وجلّ، ويكون على علم بما فيه. فهو استمرار في التطمين الإلهي لقلب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فهل بعد هذه التطمين خشيةٌ من فوات الحفظ؟ فقد كفل له سبحانه ما هو أكثر من مجرَّد الحفظ!

    وبهذا يتّضح خطأ الاستدلال بقوله تعالى: {ثم إنّ علينا بيانه} بمعنى حصر بيان القرآن في القرآن ومنعه عن الرسول صلى الله عليه وسلّم. بل رأينا أنّ نسبة البيان هنا إلى الله عزّ جلّ تعني أنه سيُبيّنه لرسوله، وهذا يعني أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم سيكون على علم بمعاني القرآن، وقادرًا ليس على “التلاوة” و”البلاغ” فحسب، بل أيضًا على تبيين القرآن، وعلى تعليم الكتاب والحكمة على أحسن وجه كما سيأتي.

    وهكذا يكون الرسول هو باب معرفة بيان القرآن التفصيلي، لأنّ الله عزّ وجلّ قد بيّنه له، والبيان زيادة على مجرّد القراءة والحفظ كما دلّ سياق سورة القيامة بوضوح، فنأخذ بيان القرآن التفصيلي من الرسول. وهل يتصوّر عاقلٌ اختزالَ الوحيِ بقراءة جبريل للقرآن على الرسول بلا شرح ولا بيان، فيحفظه الرسولُ صلى الله عليه وسلم، ثم يتلوه على الناس بلا شرح ولا بيان، فيكون بذلك قد بلّغ البلاغ المبين؟!

    المقدمة الثانية: التعليم النبوي للقرآن

    وبعد هذا التوضيح لمعنى البيان النبوي لكتاب الله تعالى، نجد في القرآن آيات في غاية الوضوح بأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو الباب الأول لمن أراد فهم القرآن وتعلُّم معانيه، فقد قال تعالى في وصف رسوله صلى الله عليه وسلّم: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران: 164). فإذا لم يكن معلّم الكتاب والحكمة هو أول من نلجأ إليه لفهم كتاب الله فمن يكون؟! وتأمّل كيف جعل الله عزّ وجلّ تعليم الرسول الكتابَ والحكمةَ من تمام “المنّة”، فمن ذا الذي يرفض هذه المنّة الإلهية؟!

    وقال في آية أخرى:{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 151).

    وفي هذه الآية فوائد عديدة منها:

  • أنّ تعليم الرسول صلّى الله عليه وسلّم الكتابَ والحكمةَ قد تمّ، ولا شكّ أنّه محفوظ وثمّة سبيل إليه، وإلّا كذّب منكرُ ذلك الآيات!
  • أنّ تعليم الكتاب والحكمة زيادة على مجرّد “التلاوة” التي تُحقّق “نقل القرآن”، فقد ذكرت الآية تلاوة الآيات، ولو كانت وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلّم هي “نقل القرآن” فحسب كما يزعم منكرو السنن لكان كافيا أن يقال “يتلو”، ولكنه وصفه هنا بتعليم الكتاب والحكمة مما يؤكّد أنّ له مهمّة تتعلّق بجوهر الرسالة هي زيادة على مجرد تلاوتها ونقل نصّها.
  • أنّ هذا التعليم ليس مجرّد “سنّة عملية تطبيقية” كما يقول بعض من يُجبَر على الإقرار بوجود السنّة لكنّه يحصرها في التطبيق الجسدي، كهيئة الصلاة وما شابه، لأنّ تعليم نصّ من النصوص يوصف بأنّه “الكتاب والحكمة” يكون بالقول والعمل معًا لا بالعمل فحسب، ولا يعقل تعليم “الحكمة” بمجرّد التطبيق الصامت كما يتصوّر هؤلاء! وقد قال تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} (الإسراء: 39)، فهل يظنّ عاقل أنّ “معلّم الحكمة” يكتفي بسرد النصوص على أصحابه وتكرارها؟ هل لو جاء أحدٌ وقرأ كتاب الله وكرّره علينا يصبح “معلمًّا للحكمة”؟!

    والتعليم في طبيعته ترسيخٌ للعلم، ويتضمّن الشرح والبيان والتفصيل والتفهيم والتطبيق، وليس مجرّد “تكرار نقل المعلومات” كما زعم بعضهم فرارًا مما تُلزم به الآية من الرجوع إلى السنّة النبوية لفهم كتاب الله تعالى. ولم يترك كتاب الله سبحانه لهذا القائل حجّةً، فقد زعم أنّ وزن “تفعيل” يدلّ على التكرير والتكثير فحسب، فجعل تعليم الرسول تكرارًا لتلاوة القرآن!

إن تعليم الرسول ﷺ الكتابَ والحكمة ليس مجرد تلاوة أو تطبيق صامت، بل هو بيان بالقول والعمل معًا، يحقق جوهر الرسالة بما يتجاوز نقل النص القرآني

    ومثل هذا يعمد إلى علوم الصرف ويقف عند حدّ يخدمه، وصحيحٌ أنّ التكرار مقصود في عملية التعليم، ولكنّ التعليم حين صار اصطلاحًا بشريًّا (بل قرآنيّا كما سنرى) وإنْ كان بدء استخدامه من التكرار والتكثير فإنّه لا يكتفي بتلك الصورة البدائية كما يعلَّم الأطفال في الكتّاب تكرار الحروف! بل حتى هؤلاء الأطفال يتضمّن تعليمهم في مرحلة مبكّرة تفهيمَهم ما يدرسون، وإلّا لم يكن “تعليمًا” بل “تحفيظًا”!

    وتأمّل قول الله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31)، فهل يمكن لعاقل أن يزعم بأنّ تعليمه الأسماءَ كان تحفيظًا لها كي يستظهرها غيبًا فحسب؟ أم علّمه معانيها وبيانها ومقتضياتها أيضًا؟

    وتأمّل قول سليمان عليه السلام: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} (النمل: 16)، فهذا لا شكّ أنه ملَكَة أعانتْه على فهم ما تنطق الطير، فالتعليم في اصطلاح القرآن يتضمّن الشرح والتفهيم والترسيخ وتمليك الأدوات.

    وفي قصّة موسى والعبد الصالح قال له موسى عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (الكهف: 66)؟ فلم يكن يطلب منه تكرارَ نصوصٍ واستظهارَها، بل أراد “الرشد” وأراد أن يفقه لمَ فَعل ما فعل؟

    وقال سبحانه عن الشياطين:{يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (البقرة: 102)، والسحرُ تمويهٌ وتخييلٌ ومَلَكةٌ في التأثير، وتعليمه لا يكون بمجرد نقل نصّ أو تكراره!

    وما أطلتُ في بيان معنى التعليم – على بداهته – إلّا رغبةً في أن يكون هذا المقال للتأصيل الراسخ الذي لا يدع مجالًا للتشغيب، فقد ابتُلينا مع الأسف بمن يشكّك في البديهيات لينصر رأيه وهواه، ويصل في ذلك إلى الطعن بتعليم معلّم البشرية الخير، بل أحسن معلّم عرفه التاريخ، ليختصر تعليمه الكتابَ بتكرار نقل العلم بالكتاب حتى يتوثّق انتقاله للناس كما زعم، وجعله في رتبة أدنى من التبليغ!

    المقدمة الثالثة: التحاكم إلى الرسول لرفع الخلاف في فهم الكتاب

    بعد أن فرغنا من توضيح “بيان الرسول” و”تعليمه” صلّى الله عليه وسلّم، ودلالتهما في حتمية الرجوع إليه لفهم كتاب الله، نذكر هذه الآيات التي تؤكّد مركزية الرجوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم في معرفة معاني القرآن وحسم الخلاف المحتمل حولها.

    قال تعالى:{إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (النساء: 105). فتأمّل قوله {بما أراكَ الله}، فهو صلّى الله عليه وسلّم الأعلم بأحكام الكتاب ومعانيه، فالله عزّ وجلّ قد أراه وأيّده وسدّده، فكيف لا يكون مرجعنا الأول في فهم كتاب الله؟ ومثله قوله سبحانه:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65).

    وقال عزّ وجلّ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59). وهذا يشمل التنازع والاختلاف في فهم كتاب الله ومُراداته، فمن لم يدخل من باب الرسول الحاكم الفاصل بالحقّ ليفهم كتاب الله ومعانيه ويُنزله على الواقع كما ينبغي ويردّ إليه ما اختلف فيه الناس؛ فإلى أي مرجع أحسن منه يرجع؟!

    وقد جعل الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلم هنا في مقام “المرجعية المعيارية” لا مجرّد الطاعة القضائية أو السياسية كما يزعم بعضهم، فقد أمر في مطلع الآية بطاعة أولي الأمر بعد طاعة الله ورسوله، ولكنّه عند التنازع نفى أولي الأمر عن المرجعية المعيارية وأبقى رسوله صلى الله عليه وسلّم؛ يُعلمك أنّه مرجعٌ في التأويل، وإليه يؤول الأمر في فهم الصواب بعد الله عزّ وجلّ.

جعل الله تعالى رسوله في مقام “المرجعية المعيارية” لا مجرّد الطاعة القضائية أو السياسية؛ فهو مرجعٌ في التأويل، وإليه يؤول الأمر في فهم الصواب بعد الله عزّ وجلّ.

    وهذه الآية تنزع وَهْم ارتباط سنّته وتأويله وأحكامه بزمانه صلّى الله عليه وسلّم، فالنداء فيها للمؤمنين عامّة، والمرجعية المعيارية فيها عامّة لا تتقيّد بزمان ومكان بعد فرز أولي الأمر الذين يقضون ويحكمون باجتهادهم المرتبط بوقائعهم. هذا لتدرك أنّ الذين يقولون: لم يفسّر الرسول القرآن والسنّة ليست تفسيرا بل “تطبيق” مرتبط بزمن الرسول؛ هم قوم جهلوا معاني كتاب الله، وعاندوا حقائقه وبلاغاته الواضحة الناصعة!

    وبعد هذه المقدّمات الثلاث، ننتقل الآن إلى مراتب التفسير النبوي للقرآن الكريم.

    التفسير الصريح لبعض الآيات، وفيه إجابة عن التحدّي وزيادة

    لا بدّ قبل الحديث عن المساحة الأكبر من التفسير النبوي للقرآن الكريم أن نتطرّق إلى هذا التحدّي الذي يردّده بعضهم بهدف إحراج من يقول بتفسير الرسول للقرآن الكريم، وهو طلبهم الإتيان بتفسير عشر آيات فقط من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. والواقع أنني أحضرت هنا تفسيرًا لعشرين آية لا عشرًا فحسب، وهو من التفسير الصريح، أي الذي يقصد إلى آية بعينها ويُبيّن ما فيها أو ما تدلّ عليه.

    لكني أحبّ أن أنوّه هنا إلى أنّ هذا النوع من التفسير هو أقل أنواع التفسير النبوي الحاضرة بين أيدينا، وهو أمر طبيعي لمن تفكّر فيه؛ فالقرآن نزل بلسان العرب الذي يتحدّثون به في حياتهم اليومية، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (إبراهيم: 4)، وقال سبحانه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الدخان: 58)، وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصّلت: 3-4).

    فلم تكن مشكلة مشركي العرب الكبرى هي عدم فهم لسان القرآن ومفرداته وموضوعاته، بل نزل القرآن بلسانهم ليسهُل عليهم فهمه كما تنصّ الآيات، ولهذا فهو في معظمه لا يحتاج إلى كثرة الشرح بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلّم، وإنما كان يفصّل لهم وللمسلمين أحكامه ومقتضياته، كتفسير الصلاة والزكاة والحج والصيام وغيرها من الأحكام، فهذا أمر لا يُعرف باللسان فحسب، بل هم في حاجة إلى أن يقول لهم ما الصلاة المطلوبة وكيف يصلّون وما هي مقادير الزكاة في مختلف الحالات وما هي أحكامها كما سيأتي.

لم تكن مشكلة مشركي العرب الكبرى هي عدم فهم لسان القرآن، وإنما كان الرسول يفصّل لهم وللمسلمين أحكام الإسلام ومقتضياته، كتفسير الصلاة والزكاة والحج والصيام وغيرها من الأحكام.

    أما إذا قرأوا قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (المدثر: 50-51)، أو قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58)، فإنّهم يفهمون المقصود بسهولة. ولا يعني ذلك أنّ العرب استغنوا عن البيان النبوي، بل يعني أنّ معظم الألفاظ والتراكيب كان مفهومًا لهم من جهة اللسان، أما ما يتعلّق بتعيين المراد ورفع الإشكال وبيان المجمَل وتنزيل الأحكام؛ فبابه الأول هو الرسول صلى الله عليه وسلّم.

    ثم جاءت بعد ذلك أجيال غير عربية دخلت الإسلام، مع انزياح العربية المتداولة في الحياة اليومية عن عربية عهد نزول القرآن، فاحتاج العلماء إلى تفسير أمثال هذه الآيات وغيرها، وبيان أسباب نزول بعضها مع طول العهد بنزول القرآن لمن لم يشهده، وذلك استنادًا إلى ما جمعه العلماء منذ عهد الصحابة ومن تلاهم من علوم العربية والسيرة والحديث وآثار الصحابة الذين شهدوا نزول الوحي والتابعين الذين خالطوهم. ولهذا كان بديهيًّا أن ينهض علم التفسير بعد جيلين أو ثلاثة من نزول القرآن، ويتوسّع كلّما بعُد العهد عن نزول القرآن وأجواء هذا النزول ولسان هذا النزول.

    ولأجل ذلك قلّت الآثار النبوية التي تشرح آيات بعينها أو تبيّن المقصود بلفظ فيها، لقلّة الحاجة إلى مثل هذا النوع من التفسير المباشر الصريح. وقد جمعها بعضهم في مصنّفات، كما في كتاب “التفسير النبوي: مقدّمة تأصيلية مع دراسة حديثية لأحاديث التفسير النبوي الصريح” للدكتور خالد بن عبد العزيز الباتلي، الذي خلُص إلى 318 حديثًا في التفسير، منها 116 حديثًا مقبولًا، و190 حديثًا مردودًا، وتوقّف في 12 حديثًا[1].

    ونذكر هنا عشرين حديثًا اخترت أن تكون من الأحاديث الصحيحة، لإبطال ذلك التحدّي الذي إنْ دلّ على شيء فإنّما يدلّ على جهل هؤلاء بالسنن التي يتصدّون لمعاداتها! ثم ننتقل بعد ذلك إلى زبدة البيان النبوي والتفسير المقصود، والذي يغلب على نصوص السنّة النبوية.

  1. قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (البقرة: 58-59). عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “قيل لبني إسرائيل: {ادخلوا الباب سجّدا وقولوا حطّة} فبدّلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة” (صحيح البخاري).

    2. عن أنس قال: “بَيْنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آنفا سورة. فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ} (الكوثر: 1-3)، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجلّ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: ربّ إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثتْ بعدك” (صحيح مسلم).

    3. عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام: 82) شَقّ ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان: 13)” (صحيح البخاري).

    4. عن أبي هريرة رضي الله عنه: “فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي – وقال مرة: ولعبدي ما سأل -، فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين}، قال: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم}، قال: مجّدني عبدي أو أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين}، قال: فهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل – وقال مرة: ما سألني – فيسأله عبده: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، قال: هذا لعبدي، لك ما سألت – وقال مرة: ولعبدي ما سألني” (مسند أحمد).

    5. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. فذلك قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143)” (صحيح البخاري).

    6. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما منكم من أحد إلّا له منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار، ورث أهل الجنّة منزله، فذلك قوله عز وجل: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} (المؤمنون: 10)” (سنن ابن ماجة).

    7. في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (الطلاق: 1): عن مالك عن نافع أنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مُرْهُ فليُراجعها، ثم يمسكها حتى تطهُر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العدّة التي أمر الله أن يُطلّق لها النساء” (موطأ مالك، رواية يحيى).

    8. عن البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أقعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} (إبراهيم: 27)” (صحيح البخاري).

    9. عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: “لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ} (البقرة: 187) عمدتُ إلى عِقال أسود وإلى عِقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكرتُ له ذلك، فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار” (صحيح البخاري).

    10. عن معنى “الخمر” في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}. عن ابن عمر قال: لا أعلمه إلّا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام” (مسند أحمد).

    11. في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} (البقرة: 222): عن أنس: “أنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهنّ في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلّا النكاح، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلّا خالفنا فيه” (صحيح مسلم).

    12. في قوله تعالى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} (النساء: 15): عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خُذوا عني خُذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلًا، البكر بالبكر؛ جلد مائة ونفي سنة، والثيّب بالثيّب؛ جلد مائة والرجم” (صحيح مسلم).

    13. عن معنى “الصُّور” كما في قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} (طه: 102): “عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنّ أعرابيّا سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلم عن الصور فقال: “قرن يُنفخ فيه” (مسند أحمد).

    14. عن عقبة بن عامر قال: “سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو على المنبر يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (الأنفال: 60)، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي” (صحيح مسلم).

    15. في قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} (التوبة: 36): عن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: “الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان” (صحيح البخاري).

    16. في قوله تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} (التوبة: 108): عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا – لمسجد المدينة” (صحيح مسلم).

    17. في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس: 26): عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخل أهل الجنّةِ الجنّةَ، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيضّ وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنّة وتُنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم” (صحيح مسلم).

    18. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء: 78)، قال: “تشهد ملائكة الليل، وملائكة النهار” (مسند أحمد).

    19. عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب، وذكر الناقة والذي عقَر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “{إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} (الشمس: 12) انبعث لها رجلٌ عزيز عارم منيعٌ في رهطه، مثل أبي زمعة” (صحيح البخاري).

      20. عن معنى “الصلاة الوسطى” في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} (البقرة: 238): عن عبد الله قال: “حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرّت الشمس أو اصفرّت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا. أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا” (صحيح مسلم).

      ****

          التفسير التفصيلي لِما أَجملَه القرآن من الشرائع

          ثم ننتقل من التفسير القولي الصريح لبعض الآيات إلى الباب الأعظم للتفسير؛ وهو تفسير الرسول صلى الله عليه وسلّم للقرآن بتفصيل ما أجمله الله من الشرائع مع بيان كيفية الامتثال لها.

          قال الإمام محمد بن جرير الطبري (224-310 هـ) رحمه الله في بيان هذا النوع من التفسير:

          “من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمه إلّا ببيان الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيِهِ من أمر الله ونهيه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، لا يُدرك علم تأويله إلّا ببيانٍ مِن عند الله على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن من سائر حكمه الذي جعل الله بيانه لخلقه إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلّا ببيان الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا يعلمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا بتعليم الله ذلك إيّاه بوحيه إليه، إمّا مع جبريل، أو مع من شاء من رُسله إليه. فذلك هو الآي التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفسّرها لأصحابه بتعليم جبريل إيّاه، وهنّ لا شكّ آيٌ ذوات عدد”[2].

          وهذا الكلام الواضح للإمام الطبري يشير إلى عدد كبير من الآيات المتعلّقة بأحكام الشريعة ومعانيها، فإنّ كيفية إقامة شرائع القرآن هي أحد أهم جوانب فهم القرآن وتعلّم معانيه، والزعم بأنّ تعليم الرسول صلى الله عليه وسلّم تفاصيل شرائع القرآن وكيفية العمل بها من حلال وحرام وغير ذلك ليس من باب فهم كتاب الله وتعلُّمه هو زعم يناقض رسالة القرآن، فالمطلوب في كتاب الله ليس مجرّد الفهم النظري لمعاني القرآن، بل المقصود الأول هو ما يترتّب عليها من إيمان الإنسان وعمله بها في الدنيا، فمن لم يُقم شرائع القرآن لا يكون عالمًا بالقرآن، قال تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ} (الزمر: 9)، فسمّى القائم القانت الساجد عالمًا؛ لأنّ الذي يعلم هو الذي يعمل بما عرفه من معاني القرآن.

          وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} (ص: 29)، والتدبُّر والتذكُّر لا يتمّان إلّا بالعمل بالكتاب.

          وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام: 155)، فالغاية من إنزال الكتاب اتّباعه. ومن عرف أنّ الصلاة والزكاة فريضتان في كتاب الله، ثم جهل تفصيلهما وكيف يعمل بهما لا يكون قد علم ما الصلاة وما الزكاة، وسيظلّ في حاجة إلى من يُفسّر له الصلاة والزكاة وسائر الأحكام حتى يعلم ويعمل معًا.

          وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9). فالقرآن كتاب هداية، والمطلوب هو فهمه وتدبّره والعمل بمقتضياته، وإلّا فلن تتحقّق هذه الهداية. ومن هنا فمن يزعم أنّ كيفيات الصلاة المأمور بها في القرآن وأحكام الزكاة وغيرها من الشرائع ليست من فَهم كتاب الله تعالى وتفسيره؛ فقد جهلَ طبيعة هذا الكتاب ورسالته.

          فالمقصود في هذا الباب هو تلك السنن النبوية التي تفصّل شرائع القرآن من الحلال والحرام وتبيّن حدودَها وكيفية تطبيقها، فهذا أعظم أبواب تفسير القرآن لأنه باب العمل بهدايات الكتاب، والغاية من تفسير القرآن وفهمه هي العمل به كما بيّنّا.

          وهذا هو المشار إليه في قوله تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44)، وقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 19)، وسنذكر هنا بعض هذه الأحكام المجملة مع ما جاء في السنّة من تفصيلها:

          فقد فرض الله تعالى علينا في كتابه الصلاة كما في قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (النساء: 103)، وهي فريضة إجمالية بيّن القرآن أصلها وعظّم شأنها، ولم يفصّل صورتها التفصيلية وهيئاتها وما يقال فيها وغير ذلك من أحكامها، ولكنّ السنّة فصّلت ذلك تفصيلًا، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن الرجل الذي طلب منه الرسول صلى الله عليه وسلّم إعادة الصلاة ثم علّمه إيّاها فقال له: “إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلّها” (البخاري ومسلم). ومن الواضح أنّه علّمه ما جبَر نقصَ صلاته.

          ومن السنّة التي تُفصّل الصلاة ما جاء من صفة صلاته ممّا رواه أصحابه كحديث أبي حميد الساعدي الذي يقول فيه: “أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسَه استوى حتى يعود كل فقار مكانه…” إلى آخر الحديث (صحيح البخاري).

          ومن السنّة التي تفصّل الصلاة قوله صلّى الله عليه وسلّم: “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب” (صحيح البخاري). وغير ذلك كثير كما هو معلوم، كأحاديث التحيات والتشهّد والصلاة الإبراهيمية والتسليم وصلاة الجمعة وصلاة العيد ومناهي الصلاة كحرمة الصلاة إلى القبور والنهي عن الكلام فيها وغير ذلك.

          وأمرنا ربّنا تعالى بالزكاة فقال: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة: 43). ولا نعلم كيف نؤتي الزكاة وما مقاديرها وأحكامها من هذا القول وحده، بل جاءت السنّة تفصّل ذلك، منها ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: “فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدَقة تؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم” (البخاري ومسلم).

          ومن السنّة التي تفصّل الزكاة قول الرسول صلى الله عليه وسلّم: “ليس فيما دون خمسة أوسُقٍ من التمر صَدَقَة، وليس فيما دون خمسِ أواقٍ من الوَرِقِ صَدَقَة، وليس فيما دون خمسِ ذَوْدٍ من الإبل صَدَقَة” (البخاري ومسلم).

          ومنها أيضًا رسالة فريضة الصدَقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلّم على المسلمين، والتي ذكرها أبو بكر بطولها لأنسٍ رضي الله عنها حين وجّهه إلى البحرين وفي أولها: “في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمسٍ شاةٌ إذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مَخاضٍ أنثى…” إلى آخر الحديث (صحيح البخاري).

          ومنها ما جاء في تفصيل زكاة الزروع والثِّمار التي تبيّن ما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ} (البقرة: 267)، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “فيما سَقَتِ السماء والعيون أو كان عَثَرِيًّا: العُشر، وما سُقيَ بالنَّضْح نِصفُ العُشر” (صحيح البخاري). وغير ذلك من سنن الزكاة وأحكامها.

          وأمرنا ربّنا سبحانه بالصيام فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة: 183)، واستثنت السنّة من هذا الأمر الحائضَ فقد رفعت عنها الصيام حالَ حيضها كما في الصلاة، ولكنّها أوجبتْ عليها قضاء الصيام ولم توجب قضاء الصلاة. فقد جاء عن معاذة قالت: “سألتُ عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية. ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة” (صحيح مسلم). وبيّنت السنّة حكم من أكل ناسيا فقال عليه الصلاة والسلام: “من أكل ناسيًا وهو صائمٌ فليُتمَّ صومَه؛ فإنّما أطعمه الله وسقاه” (صحيح البخاري). وبيّنت أشياء أخرى كاستحباب السحور وما يباح للصائم وما يُنهى عنه وأحكام قضاء الصيام وغير ذلك.

          وأمرنا ربّنا عزّ وجلّ بالحجّ فقال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97)، لكنّ القرآن لم يفصّل لنا أحكام الحجّ جميعًا ولا صفة النسك، وجاء تفصيل ذلك في السنّة كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: رأيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَرمي على راحلته يومَ النحر ويقول: “لتأخذوا مناسككم فإنّي لا أدري لعلّي لا أَحُجّ بعد حَجَّتي هذه” (صحيح مسلم). وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُهِلّ مُلَبَّدًا، يقول: “لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لكَ والملك، لا شريك لك”، لا يزيد على هؤلاء الكلمات” (البخاري ومسلم). ومنها في الطواف عن عبد الله بن عمر أيضًا: “أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يَقدَمُ؛ سعى ثلاثة أطوافٍ ومَشى أربعةً، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمَروة” (صحيح البخاري). وغير ذلك من السنن التي تفصّل الحجّ كاستلام الركن وصفة السعي وما يقال فيه وما يفعل الحاجّ يومَ التروية ويوم عرفة وفي مزدلفة ويوم النحر وكيف يتحلّل الحاجّ من الإحرام وغيرها من تفاصيل الأحكام التي ذُكر بعضها إجمالًا في كتاب الله وفصّلت السنّة كيفيّاتها فكان في ذلك تفسيرها.

          وحرّم الله الربّا تحريمًا قطعيًّا فقال: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: 275)، ولكنّه لم يفصّل ما يعدّ من الربا الحرام، ولا ذكر حكم مُؤكِلَه وكاتبه وشاهده، فجاءت السنّة لتفصّل صوره وأحكامه وما يدخل فيه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: “لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آكلَ الربا ومُؤكله وكاتبه وشاهدَيه”، وقال: “هم سواء” (صحيح مسلم). وبيّن أنواعه كما في الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “الذهب بالذهب، والفِضّة بالفِضّة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتَّمر بالتَّمر، والمِلح بالمِلح، مِثلًا بمِثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفتْ هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد” (صحيح مسلم). وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا ‌تبيعوا ‌الدينار ‌بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين” (صحيح مسلم). وعن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: حدثني أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “‌ألا ‌إنما ‌الربا ‌في ‌النسيئة” (صحيح مسلم). فهذه من تفاصيل أحكام الربا الذي حُرّم مجمَلًا في كتاب الله.

          هذه وغيرها من شرائع الإسلام، في الشعائر وفي أحكام الأعراض والدماء والأموال وفي العلاقة مع الأمم الأخرى جاءت فيها آيات مجملة، وفَصّلت السنّة كيفيّاتها وأحكامها، فكانت في ذلك تفسيرًا لكتاب الله تعالى.

          ثم كانت بعد ذلك مرتبة في التفسير تتعلّق بمدّ معاني القرآن وبَسْطِها أكثر من تعلّقها ببيان أحكام القرآن.

          بَسْطُ ما أوجزه القرآن من القيم والمعاني والأحداث

          وهذا نوع متداخل مع النوع السابق، ولكنّي فصلته لأنّه أكثر ارتباطًا بالهَدْي النبوي وشرحه وبيانه وبَسْطه لمعاني القرآن، لا من باب التطرّق الصريح لآية أو أكثر كما في التفسير الصريح، ولا من باب تطبيق الأحكام كالصلاة والزكاة والصيام والحج وتفاصيل المحرّمات كالربا والخمر والبيوع والزواج والطلاق وغير ذلك، بل من باب ترسيخ معاني القرآن وقيمه التي ذُكرت فيه، فالكلام النبوي أو الأخلاق النبوية أو تفاصيل الحادثة التي نزل فيها القرآن في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تبسُط المعاني القرآنية وتُرسّخها في القلوب.

          ومن هذا الباب ما رواه سعد بن هشام بن عامر قال: أتيتُ عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: “كان خُلُقه القرآن، أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4)” (مسند أحمد). فمن أراد معرفة القرآن حقّ المعرفة، والتخلّق بقيمه ومعانيه؛ فباب الرسول صلى الله عليه وسلّم هو الباب الأول، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21).

          فأنت تقرأ عن الغِيبة في القرآن قوله تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات: 12). ثم تجد في السنّة بَسطَ الحديث عن هذه الصفة المذمومة تعريفًا بها وتحذيرًا من أنواعها.

          فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أتدرون ما الغِيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرُكَ أخاكَ بما يكره. قيل: أفرأيتَ إنْ كان في أخي ما أقول؟ قال: إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبْتَه، وإنْ لم يكن فيه فقد بَهَتَّه” (صحيح مسلم).

          وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يَخمِشون وجوههم وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم” (مسند أحمد).

          وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم! فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته” (مسند أحمد).

          فهذه الأحاديث وإنْ لم تكن تفسيرا مباشرًا للآية، ولكنّها تبسط لك معنى الغيبة وتعظك وتحذّرك من بعض ذرائعها، فهي في المحصّلة تزيد من ترسيخ معنى الآية في قلبك، وتزيد من فهمك لكتاب الله تعالى وانقيادك له.

          وتقرأ عن الخشوع في الصلاة قول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون: 1-2). ثم تقرأ في السنن أحاديث عن الخشوع في الصلاة تُوضّح مفهومها، وتحُثّك على هذا الخشوع، وتُنبّهك لمُفسداته.

          فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله” (صحيح مسلم). وعنه أيضًا أنّه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‌من ‌توضأ ‌نحو ‌وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحدّث فيهما نفسَه، غفر له ما تقدم من ذنبه” (صحيح البخاري).

          وفي حديث عمرو بن عبسة السلمي الطويل قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “…فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجّده بالذي هو له أهل، وفرّغ قلبه لله؛ إلّا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه” (صحيح مسلم).

          وعن عائشة رضي الله عنها: “إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‌لا ‌صلاة ‌بحضرة ‌الطعام، ‌ولا ‌هو ‌يدافعه ‌الأخبثان” (صحيح مسلم). فهذا يفيد طالب الخشوع التنبّه إلى ما قد يفسده، فالأخبثان هما البول والغائط، وإذا صلّى وهما يدافعانه أو أحدهما شُغل عن الخشوع في الصلاة.

          وقِس على ذلك مئات الأحاديث الصحيحة التي تبسُط معاني القرآن ومحاسن الأخلاق ومذمومها، فإنّها خير معين للمسلم على رسوخ فهمه لكتاب الله عزّ وجلّ، ولهذا فهي نوع من التفسير لأنّها من البيان النبوي لرسالة القرآن ومبادئه وقيمه.

          ويلحق بهذا النوع من التفسير معرفة الأحداث والأجواء التي نزلت فيها بعض الآيات، وهو ما يسمّى بأسباب النزول، فإنّ معرفة سبب نزول الآية أو جوّ نزولها له من التوضيح لمعانيها واكتساب الدروس والعبر الشيء الكثير، ومعظمه ممّا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم الذين عايشوا أحداث السيرة النبوية فغدوا جزءًا منها. فالصحابة الذين سمعوا الآيات حين نزلتْ عليهم في أحداث يعرفونها كمعركة بدرٍ وأُحد والأحزاب وغزوة بني النضير وصلح الحديبية وبيعة الرضوان وحُنين وفتح مكّة والإفك وتحويل القبلة وسؤالهم عن الأنفال وقصّة الأعمى والتي جادلت الرسول في زوجها وبعض مواقف المنافقين وأهل الكتاب والمشركين وغيرها من الأحداث.. فالذين عايشوا هذه الأحداث وقرأوا الآيات المتعلّقة بها يدركون المقصود بها ويعتبرون، أمّا نحن الذين غِبنا عن الحدث فلا شكّ أنّ معرفتنا بالحدث بشيء من التفصيل ستزيد من اعتبارنا بالآية وتُرسّخ فهمها في قلوبنا.

          ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 11). فأنتَ إذا قرأت هذه الآية وما قبلها وما بعدها لا تعرف تفاصيل ما حدث، ومع مَن حدث، وما هو الإفك؟ ومن الذي جاء به؟ لكنك ستجد تفاصيل ذلك محفوظًا في كتب السنّة ليكتمل الاعتبار بالآية.

          وقد جاء في قصّة الإفك الحديث الشهير عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها أنّها قالت: “كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيّتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعدما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه…”.

          إلى أن قالت: “وكان الذي تولّى الإفك عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي…”.

          إلى أن قالت: “وأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ} العشر الآيات كلها، فلمّا أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 22) قال أبو بكر: بلى والله إني أحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا” (صحيح البخاري).

          وهي رواية طويلة، تحكي سياقًا نزل فيه القرآن، ومعرفة هذا السياق يزيد من تعميق دروس الآيات في قلب المؤمن، وفيها من الدروس والعبر والقيم والمواقف المؤثّرة ما يدركه كلّ قارئ لها.

          وقل مثل ذلك في قصّة المخلّفين التي جاءت موجزةً في كتاب الله، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة: 118).

          فالآية تخبرك أنّ ثمّة ثلاثة خُلّفوا ثم ضاقت عليهم الأرض ثم تاب الله عليهم، ولكنّك لا تعرف شيئا غير ذلك. ثم حين تقرأ في كتب السنّة حديث كعب بن مالك تجد فيه بسطًا للحدث في قالب قصصي واقعي مؤثّر في القلب، وربّما جعلك تبكي وأنت تعايش ذلك الحدث، ولا بأس بِبَسْط بعض المقاطع من الحديث هنا، فالغاية هي معايشة هذه الأجواء لإدراك قيمة هذه النصوص الحديثية في فهم الواقعة التي تحدّث عنها القرآن، وإنْ كانت هذه المقاطع لا تبلغ شيئا من الحديث بطوله، وقد جاء فيه:

          “قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك…”. وجاء أيضًا: “وطفقتُ أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع، ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غاديا، والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحزنني أني لا أرى لي أسوةً إلّا رجلا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بلغ تبوك فقال: وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلّا خيرًا، فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم…”.

          وفيه: “ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال: فاجتنبنا الناس وقال: تغيروا لنا حتى تنكّرتْ لي في نفسي الأرضَ، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أَشَبَّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يُكلّمني أحد، وآتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأُسّلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شَفتَيه بِرَدِّ السلام أم لا؟ ثم أُصلّي قريبا منه، وأُسارقه النظر. فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عنّي. حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيتُ حتى تسوّرتُ جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبّ الناس إليّ، فسلّمتُ عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحبّ الله ورسوله؟ قال: فسكتَ، فعدتُ فناشدته فسكتَ، فعدتُ فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتولّيتُ حتى تسوّرتُ الجدار…”.

          وفيه: “فآذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب الناس يُبشّروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليّ فرسًا، وسعى ساع من أسلم قِبلي، وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلمّا جاءني الذي سمعت صوته يُبشرني فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، واللهِ ما أملِكُ غيرَهما يومئذ، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما، فانطلقت أتأمّم رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يتلقّاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك! قال: فقلت: أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: لا بل من عند الله. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سُرّ استنار وجهه، كأنّ وجهه قطعة قمر…”.

          وفيه: “فوالله ما علمتُ أنّ أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمّدتُ كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العُسرة من بعد ما كاد يَزيغ قلوبُ فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت وضاقت عليهم أنفسهم} حتى بلغ: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا” (صحيح مسلم).

          فمن يقرأ هذا السرد البليغ المؤثّر المليء بتفاصيل شعورية ولفتات أخلاقية في غاية العمق، كيف لا ينجع فيه ويصبح أكثر رسوخًا في فهم تلك الآية التي ذكرت المخلّفين ودروسها وعبرها؟

          ومثل هذا كثير في السنّة، وهو من بَسط أحداث القرآن بعد بَسط معانيه وقيمه وأخلاقه في سائر السنن.

      ****

          وختامًا أقول:

       قد تبيّن لنا في هذا المقال بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ السنّة النبوية هي المورد الأول لمن أراد فهم كتاب الله عزّ وجلّ والتفقّه بمعانيه، فهي لذلك أول مدخل لتفسيره، سواء كانت الأحاديث القليلة التي تتناول آياتٍ بعينها، أو كانت ما جاء من السنن الموضّحة لما أجمله كتاب الله من الفرائض وأحكام الحلال والحرام لنفهمها ونعرف حدودها وكيفية إقامتها، أو كانت من السنن التي تبسُط ما أوجزه القرآن من أصول الإيمان والقيم والأخلاق والإشارة إلى الأحداث، فجميعها معًا تمثّل المدخل الأول لتفسير كتاب الله تعالى، ومن يُهدِر ذلك كلّه ويقول إنّ السنّة ليس فيها تفسير أو إنّ القرآن لا يحتاج إلى بيانها فقد أخطأ في فهم طبيعة القرآن، ويحتاج إلى إعادة قراءته من جديد.

      شريف محمد جابر

      7 شوال 1447

      26 آذار 2026

      إسطنبول


      [1] خالد بن عبد العزيز الباتلي، التفسير النبوي: مقدّمة تأصيلية مع دراسة حديثية لأحاديث التفسير النبوي الصريح (الرياض: دار كنوز إشبيليا، 1431 هـ)، 902.

      [2] محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويلِ آي القرآن، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي (الرياض: دار هجر للطباعة والنشر، 1422 هـ)، 1: 82.

      أ. شريف محمد جابر

      كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية إلى جانب إجازة في التعليم والتدريس والإرشاد من جامعة حيفا، ثم حصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة نفسها، وكانت أطروحته بعنوان "تفسير القرآن عند الحكيم الترمذي" (2021). له من الكتب: "الهوية والشرعية" (2011)، و"الخطاب المريض" (2015)، و"مفاتيح لفهم السنّة" (2018/2020)، و"الذرّة التائهة" (2021)، و"رسائل إلى سلمى" (2021)، و"العقائدية القاصرة" (2023)، و"منطق القرآن" (2023)، "ولماذا هجرنا القرآن في بناء أصول الإيمان؟" (2024). إلى جانب عدد كبير من الدراسات والمقالات المنشورة في مختلف المواقع على الشبكة

      أ. شريف محمد جابر

      كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية… المزيد »

      مقالات ذات صلة

      زر الذهاب إلى الأعلى