
التفكير الاستراتيجي في الإسلام (مصادره ومجالاته وخصائصه)
البروفسيور علي عيسى عبد الرحمن
عميد عمادة البحث العلمي بجامعة أم درمان الإسلاميّة
مفهوم التفكير الاستراتيجي
هنالك مجموعة من التعريفات أُطلقت على الفكر الاستراتيجي، منها ما ورد في المنهل (التفكير الاستراتيجي نوع من التفكير المنطقي المتسلسل الذي يركز على الوصول إلى الهدف المحدد مسبقاً كمّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً عن طريق خطوات متتابعة، ويضع في الاعتبار النظرة الشاملة للبيئة المحيطة بالمشروع وجميع عناصر النجاح المتوقعة، وكذلك المبادئ والقيم والغايات والمصادر والموارد وكل المهارات اللازمة لتحقيق هذا الهدف بالجودة المطلوبة في الزمن المتوقع)([1]).
هنا نجد التعريف يربط التفكير الاستراتيجي بالقيم، وهذا ما يعبر عنه التفكير الاستراتيجي في الإسلام، وقد عرّفه الدكتور عبد الكريم بكّــار بصورة أشمل وأدق، حيث قال في ذلك: «إن الفكر الإسلامي هو عبارة عن مجموعة الرؤى والتحديات والطروحات والاجتهادات التي توصل إليها العقل المسلم من خلال اشتغاله على النصوص والأحكام والأدبيات الشرعية والإسلامية، وذلك بغية استيعاب الواقع الموضوعي والارتقاء به وحل مشكلاته. والأفكار هي ثمرات تشغيل العقل، وهي أشبه بالزبدة التي يحصل عليها الفلاح حين يقوم بخض اللبن، والتفكير هو ذاك الخض الذي تقوم به عقولنا لمجموعة ما نملك من مبادئ ونعرف من نواميس وسنن ومعلومات ومعطيات معرفية» ([2]).
وفي ذات المعنى، يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي: «إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها»([3]).
إن التفكير الاستراتيجي هو عبارة عن التشريع الإسلامي الذي يعتمد على أصوله في الكتاب والسنة والإجماع. وعن ذلك عبر الدكتور الريسوني حيث قال: «فالتشريع كل ما له مقتضى عملي في حياة الإنسان أياً كانت صفة الإنسان أياً كان نوع هذا المقتضى ومجاله، فكل قاعدة كلية تقتضي أثراً أو فعلاً أو سلوكاً في حياة الإنسان أفراداً أو جماعات فهي عندي الكليات التشريعية وهي نوع من التشريع. وبذلك يكون التشريع الإسلامي مستغرقاً للحياة بكلياتها لا بأحكامه التي تبقى على العموم محددة» ([4]).
حديث الدكتور الريسوني عن الكليات التشريعية لا مجرد الأحكام التفصيلية هو الذي يقرب معنى التشريع في كلياته إلى معنى التفكير الاستراتيجي؛ باعتبار أنّ التفكير الاستراتيجي إنّما يعنى بالقضايا الكلية.
يرى الدكتور الريسوني أن الكليات الأساسية هي المعاني والمبادئ والقواعد العامة المجردة التي تشكل أساساً ومنبعاً لما ينبثق عنها ويبني عليها من تشريعات تفصيلية([5]) وهذا ما يعزز علاقة التشريع في أصوله بالتفكير الاستراتيجي، فكلاهما يهتم بالكليات. ونورد فيما يلي تعريف التفكير الاستراتيجي كما يرى ذلك الدكتور علي بن عيسى «التفكير الاستراتيجي هو مسار فكرة أو قناة فكرية تبث وتستقبل صوراً وأفكاراً تتناسب مع الهدف المنشود، تعمل على تنقية المعلومات الوافدة إلى الذهن بحيث يتركز التفكير في كيفية الوصول إلى ذاك الهدف» ([6]).
ويضيف أيضاً تعريفاً للتفكير الاستراتيجي بمعنى التقويم هنا حين يقول: «التفكير الاستراتيجي هو العملية التي تتعلم من خلالها كيفية تحويل رؤيتك في العمل إلى حقيقة عن طريق تطوير قدراتك في مجال عمل الفريق وحل المشكلات والتفكير النقدي، كما أنه أداة لمواجهة التغيير والتخطيط للتحولات» ([7]).
أما في التعريف الأخير فهو يربط التفكير بعلم النفس حين يقول: «التفكير الاستراتيجي سلسلة من العمليات المعقدة التي تجري في الدماغ البشري بسرعة مذهلة مهمتها تبسيط الأمور التي تشغل الذهن وتحليلها إلى عناصر أولية قابلة للربط والمقارنة والعرض والتمثيل والتصوير، ومن ثمّ الخروج بنظرية تشكل قاعدة ثابتة للتطبيق العملي» ([8]).
مصادر التفكير الاستراتيجي في الإسلام
مصادر التفكير الاستراتيجي في الإسلام هي عبارة عن مصادر التشريع في الإسلام حيث يستمد التفكير الاستراتيجي في الإسلام أصله من هذه التشريعات الإسلامية، والتي تأتي من مصادر اتفق جمهور العلماء عليها، وهي كما بينها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما في الكتاب فالرسول صلى الله عليه وسلم موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب عليه اتباع الكتاب، وكذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقرآن يأمر باتباعه فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقاً موافقاً لما في الكتاب والسنة» ([9]).
وفيما يلي مصادر التشريع الإسلامي مفصلة:
أولاً: القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي، وهو المرجعية الأولى للفكر الإسلامي والمعبر عن الكليات التشريعية وفي ذلك جاء (المصدر الأول للتشريع الإسلامي هو القرآن الكريم، فالنص القرآني الواضح الجلي، والقواعد الكلية العامة هي المساحة التي يتسنى للمشرع التحرك بها والانطلاق منها، إنّ هذه المساحة النصية المقدسة لا تشكل عائقاً للعقل الفقهي من أن ينطلق بعيداً عنها أو يقربها بمعنى أنه يجد الفقيه حلول المشكل الفقهي من خلال ما في الواقع من أعراف وتحولات ومصالح متجددة عبر روحية النص القرآني) ([10]).
نص القرآن الكريم على العقائد تفصيلاً حتى لا يدع مجالاً للاجتهاد البشري في مجال العقيدة، وأي اجتهاد في ذلك يخرج الفكر إلى دائرة الشرك، بينما ترك مجال العبادات والمعاملات ليبينها ويفصلها الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في كيفية الصلاة وأوقاتها وشعائر الحج والأحوال الشخصية الأخرى فهي مجال تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والسنة المطهرة.
يقول الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) سورة الأنعام الآية 38، وهذا يدل على إحاطة القرآن الكريم بكل شيء له علاقة بالدين أو الدنيا، لذلك نجد أن التفكير الاستراتيجي يدخل ضمن هذه الإحاطة ويؤكد هذا المعنى أيضاً بقوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين) سورة النحل الآية (89)، وهذه الآية تبين أن القرآن الكريم كتاب هداية وأنه يحمل بين دفتيه كل ما هو مطلوب للحياة الدنيا والآخرة.
ثانياً: السنة:
السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع، وهي المصدر الثاني للتفكير الاستراتيجي باعتبار أن أقوال وأفعال وتقريرات النبي صلى الله عليه وسلم تعدُّ مرجعية فكرية للمسلمين «من المعلوم عن جميع أهل العلم أن السنة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام وأن مكانتها في الصدارة بعد كتاب الله عز وجل، فهي الأصل المعتمد بعد كتاب الله عز وجل بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة» ([11]).
كثير من الآيات تناولت مكانة السنة، قال تعالى: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ سورة النساء الآية (59)؛ وقال تعالى: ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾سورة النساء الآية (80). وقد تحدث القرآن على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤكداً هذه المعاني، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[ الأعراف: 158]) فقد ربطت الآية الهداية باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حذر المولى عز وجل من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:﴿ لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة النور الآية “63”.إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وتمثل قاعدة بيانات للتفكير الاستراتيجي لدى المسلمين بما تحمله من مضامين استراتيجية خاصة بشؤون الدين والدنيا، فهي تطلق النصوص القرآنية المقيدة وتفصل النصوص القرآنية المجملة وتخصص النصوص العامة، إلى غير ذلك من وظائف تقوم بها السنة لتدخل في ذلك ضمن مصادر التفكير الاستراتيجي في الإسلام.
ثالثاً الإجماع:
هو اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي، فإذا اتفق هؤلاء المجتهدون سواء كان في عصر الصحابة أو بعدهم على حكم من الأحكام الشرعية، كان اتفاقهم هذا إجماعاً، وكان العمل بما أجمعوا عليه واجباً([12]).
يأتي الإجماع في المرتبة الثالثة من مصادر التشريع في الإسلام، وكما جاء في تعريف الشيخ ابن تيمية لمصادر التشريع في الإسلام؛ فهذه المصادر الثلاثة هي التي أجمع عليها جمهور العلماء.
إن الإجماع في حقيقته هو قمة إعمال الفكر على المستوى الأكاديمي؛ بحيث يعالج هؤلاء المجتهدون المسألة الفقهية بحثاً، كما يمثل الإجماع قمة في العمل الشوروي؛ بحيث يتفق هؤلاء المجتهدون وهم مجتمعون، وذلك أشبه بعمل اللجان العلمية ومراكز الأبحاث التي تجتمع العلماء والخبراء للوصول إلى حقيقة أمر ما. لذلك يعتبر الإجماع ضمن مصادر التفكير الاستراتيجي في الإسلام؛ لأنه يعبر عن إعمال الفكر استناداً على مجهول للوصول إلى المعلوم.
أهمية التفكير الاستراتيجي في الإسلام
الهداية إلى الله:
الهداية إلى الله أكبر عمل استراتيجي يقوم به العقل الإنساني، فعبر هذه الهداية يحدد الإنسان استراتيجيته تجاه كل الأمور التي تواجهه ليس في الحياة وحدها بل في فترة ما بعد الحياة. لذلك كثيراً ما نجد الآيات القرآنية توجه إلى مثل هذا التفكير الذي يقود إلى الإيمان بالله الواحد، قال تعالى: (إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) سورة آل عمران الآية (190 ـ 191).، فعن طريق التفكر تميّز هؤلاء القوم عن غيرهم واستحقوا صفة الإيمان، كما ورد في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[ الأنعام: 99]يتضح مما سبق أن أولى ثمرات التفكير الاستراتيجي الهداية إلى الله.
الوصول لأفضل الخيارات:
كذلك تأتي أهمية التفكير الاستراتيجي في الإسلام للوصول لأفضل الخيارات كما جاء في سورة الأنعام (۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (74) وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
تبين هذه الآيات كيف استخدم نبي الله إبراهيم عليه السلام التفكير ليصل إلى أفضل الخيارات، فقد كفر بالأجرام السماوية ليصل إلى عبادة الله الواحد وبذلك خالف قومه لأنه يفكر تفكيراً استراتيجياً لا تقليدياً يقوده إلى مصير قومه.
من خصائص التفكير في الإسلام أنه فكر تعبدي، فكل ما خصّ الاقتصاد أو المجتمع أو السياسة وعموم الحياة يدخل في إطار التعبد، لأن المسلم يبتغي بذلك وجه المولى عز وجل، وهذه الخصيصة أيضاً تميزه عن بقية خصائص التفكير الاستراتيجي المرتبط بالمنهج الوضعي
التخطيط الاستراتيجي:
تأتي أهمية التفكير الاستراتيجي في الإسلام من أنه يقود إلى التخطيط الاستراتيجي، قال تعالى في سورة الملك: أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ (19) أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (22)
هذه الآيات تناولت أمر العقيدة والجيش والاقتصاد في اتساق اختتم بضرورة التخطيط لكل هذه العناصر الاستراتيجية؛ وذلك بالتماس الهداية والسير على درب التخطيط.
تعزيز الإدراك بالأمور:
من ثمرات التفكير الاستراتيجي في الإسلام تعزيز، الإدراك بالأمور وتقوية الملاحظة، إذ كثيراً ما تجري بعض الأشياء هكذا دون أن يلقى لها بال، غير أنّ الذي يفكر بطريقة استراتيجية يتعزز إدراكه بما يجري ليزداد ارتباطه بما يلاحظه، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) سورة الروم ، فمهام التفكير هنا هي تعزيز الإدراك بالأشياء والانفعال بها وفق مقتضيات الواقع.
التحليل الاستراتيجي:
يقود التفكير الاستراتيجي إلى التحليل الذي لا يكتفي بمجرد ملاحظة الظاهرة بل يسبر أغوارها ويصل إلى نتائج، ومن آيات القرآن التي توضح ذلك قوله تعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ (17) وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ (18) وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ (19) وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ (20) فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ (21) لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ (22) سورة الغاشية. هذه الآيات عبارة عن تحليل إستراتيجي؛ فهي فقط حللت البيئة التي تدعو إلى الإيمان دون أن تجبر أحداً في الدخول إلى الإسلام، فالتحليل الاستراتيجي يتخذ جانباً حيادياً فقط حيث يقوم بتشخيص الظواهر سواء في البيئة الداخلية أو الخارجية، دون أن يتفاعل مباشرة بما يجري، وهذه الآيات حللت الواقع لمجرد التذكر وليس الإرغام على الاعتناق.
مجالات التفكير الاستراتيجي
للتفكير الاستراتيجي في الإسلام مجالات متعددة، وهي كلية شأنها في ذلك شأن أصول الفقه الذي يكتفي بالكليات تاركاً مجال الفروع للفقهاء، الذين يجتهدون في إنزال الأحكام التفصيلية إلى أرض الواقع والممارسة، فالفكر الاستراتيجي في الإسلام يتناول في إطار كلياته القضايا دون تفصيل ليترك التفاصيل لدي منفذي الاستراتيجيات تخطيطاً وإدارة وتحليلًا استراتيجي، ومن مجالات التفكير الاستراتيجي في الإسلام:
1. الكليات الاعتقادية:
وهي خاصة بالعقيدة، حيث يكون التفكير في التوحيد وقضايا النبوات واليوم الآخر والملائكة وسائر المسائل الغيبية.
يركز التفكير هنا على أن تكون العقيدة خالية من الشرك الذي يقعد بها ويخليها من الفعالية، مما يقلل تفاعل المسلم مع خالقه والكون، بسبب الشرك في اعتقاده بما جاء في الكتاب والسنة من أمور عقدية، وهذه الكلية توفيقية ولا مجال فيها للاجتهاد فقط على المسلم الاعتقاد.
2. الكليات المقاصدية:
الكلية المقصدية هي مجموعة تشريعات وضعها الإسلام لغايات محددة وهي عبارة عن معاني أولية وغايات أساسية جامعة والتي لأجل تحقيقها خلقت المخلوقات ووضعت الشرائع والتكاليف، وتتمثل هذه الكليات في جلب المصالح ودرء المفاسد وإقامة العدل والتنافس في فعل الخير.
3. الكليات الخلقية:
الأخلاق قاعدة سلوكية ومرحلة متقدمة في الرقي الإنساني، يقول الريسوني: «فالدين في جوهره ومجمل وظائفه وشرائعه إنما هو أخلاق وتخليق، لذلك قالوا الدين كله خلق» ([13]).
الكلية الخلقية بهذا المعنى في التفكير الاستراتيجي إنما تكمل منظومة الكليات الأخرى ولا يخفى على أحد عندما تغيب الأخلاق في الحضارات ما هي النتيجة، المحصلة هي مزيد من الفساد في الأرض وإلحاق الدمار بالأرض، لذلك ذهب التفكير الاستراتيجي في الإسلام إلى الاهتمام بهذه الأخلاق وشكلت كلية ضمن كلياته.
4. الكليات التشريعية:
الكليات التشريعية هي بمثابة قواعد أصولية تُستمد منها الأحكام في الإسلام، فعلى الرغم من أن الإسلام كله تشريع، إلاّ أن تخصيص كلية خاصة بالتشريع يأتي في سياق المنهجية الاصطلاحية. فجميع الكليات من عقدية ومقاصدية وأخلاقية إنما هي تشريع، ولكن التشريعية هنا إنما تعني ما هو مباح ومحرم وغير ذلك من أحكام تفصيلية مأخوذة من هذه الكليات الأصولية. يقول الريسوني: «الكليات التشريعية قواعد أصولية فقهية كبرى لاستمداد الأحكام الشرعية العملية»([14]).
الخصائص الاستراتيجية للفكر الإسلامي
الربانية:
الربانية من خصائص الفكر الإسلامي الاستراتيجية، وتستمد هذه الخصيصة استراتيجيتها من كونها متعلقة بالرب المشرع. إن الربانية تجعل من الفكر الإسلامي فكراً سامياً.
الفكر الإسلامي ملتزم بمعالم الطريق إلى الله، حيث يهدي إلى الله سواءً كان سلوكاً أو اعتقاداً، لتنتفي بذلك عنه صفة الهوى وعدم الموضوعية، حيث يعتبر الفكر تفقه للشريعة الإسلامية، يقول د. الترابي: «إن الفكر الإسلامي فكر ملتزم بمعالم الطريق إلى الله وليس فكراً مجرداً أو هوى معربداً بل هو تفهم وتفقه للشريعة الإسلامية … ففي الدين الحقائق الثابتة والمعاني التي اشترعها الله، كلية أو فرعية على وجه القطع والدوام، ولكن فيه فكر المسلمين الذين يأخذون تلك المعاني بالشرح ويقدمونها دعوة للآخرين أو يتفهمونها لكي يطبقوها في واقع معين»([15])
الربانية خصيصة من خصائص الفكر الإسلامي، ويستمد منها الفكر الإسلامي قدسيته، ومنها تتبلور سائر الخصائص الأخرى كذلك .. يقول سيد قطب: «فهو تصور اعتقادي موحى به من الله سبحانه ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزاً له من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية أو الحقيقة الكونية أو الحقيقة الإنسانية والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق ، وتمييزاً له كذلك من المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية … ويستطيع الإنسان أن يقول وهو مطمئن: إن التصور الإسلامي هو التصور الاعتقادي الوحيد الباقي بأصله (الرباني) وحقيقته الربانية» ([16]).
يستدل سيد قطب على الربانية بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) الأنعام161.
الثبات:
الثبات من خصائص الفكر الاستراتيجي، فهناك ثبات المقاصد الكلية في الإسلام وثبات مصادر التشريع مما يعني ثبات الفكر.
وبما أن الفكر الإسلامي تتصدر خصائصه الربانية، فلا بدّ لهذه الربانية أن تجعل من هذا الفكر ثابتاً لا تغيره الأهواء ولا تبدله المواقف شأن الفكر البشري «إن خاصية الثبات تظل ملازمة للفكر الإسلامي، فثبات المصادر والأصول للفكر الإسلامي هي التي تنعكس على الفكر الإسلامي لتجعله فكراً ثابتاً» ([17])، يقول سيد قطب: «هناك ثبات في مقومات هذا التصور الأساسية وقيمه الذاتية. فهي لا تتغير ولا تتطور، حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية وأشكال الأوضاع العملية.. فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع يظل محكوماً بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التطور ولا يقتضي هذا تجميد حركة الفكر والحياة ولكن يقتضي السماح لها بالحركة، بل دفعها إلى الحركة ولكن داخل هذا الإطار الثابت وحول هذا المحور الثابت» ([18]).
إن الحقائق الثابتة في الفكر الإسلامي والتي لا تقبل الأخذ والرد وتتمثل في حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى، إن الكون بما فيه من خلقه تعالى، حقيقة الإيمان بالله وأركان الإيمان والإسلام وأركانه كل هذه الحقائق هي ثابتة ولا تقبل أي تغيير وتبديل.
إن خصيصة الثبات هي التي تعصم الفكر الإسلامي من الانحراف وتعصم المسلمين من الانحطاط في المعتقد يقول الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) الروم.
وفي هذا المعنى يقول المستشرق ديفيد سانتيلانا في كتابه تراث الإسلام: «عبثاً نحاول أن نجد أصولاً واحدة تلتقي فيها التشريعات الشرقية والغربية “الإسلامية والرومانية” كما استقر الرأي على ذلك. إن الشريعة الإسلامية ذات الحدود المرسومة والمبادئ الثابتة لا يمكن إرجاعها أو نسبتها إلى شرائعنا وقوانيننا لأنها شريعة دينية تغير أفكارنا أصلاً» ([19]).
الشمول:
معاني الاستراتيجية في شمولها وإحاطتها لذلك كان الفكر الإسلامي في شموله يحيط بكل أوجه الحياة.
«شمول الفكر الإسلامي إنما يعبر عن شمول الإسلام كنظام للحياة، يفي بمتطلبات الحياة في مجال العقيدة والاقتصاد والسياسة والقانون وسائر متطلبات الحياة المجتمعية، هذه المجالات جميعها سيغطيها الفكر الإسلامي»([20])، يقول الدكتور الهاشمي: «صلح الإسلام أن يكون منهج حياة شاملاً متكاملاً، منهجاً يشمل الاعتقاد في الضمير والتنظيم في الحياة ،بدون تعارض بينها، بل في ترابط وتداخل يعز فصله»([21]). وفي ذات المعنى يقول الله تعالى: (وكلَّ شيءٍ أحصيناهُ في إمامٍ مبين) سورة يس الآية«12».
جاءت الشريعة شاملة كل أصول الحياة الإنسانية وجوانبها المتعددة بحيث تناولت حياة الفرد والأسرة والمجتمع والأسس التي تقوم عليها الدولة والعلاقات الدولية.
يقول د. الترابي في معنى الشمول: «ينبغي أن نحدث ثورة في تجديد فقهنا أو فكرنا الديني لنستدرك هذه المتأخرات عبر القرون الطويلة، ولنضفي روح التدين على كل هذه القطاعات الجديدة من الحياة التي لا حكم اليوم للدين فيها. قد يعلم المرء اليوم كيف يجادل إذا أثيرت الشبهات في حدود الله، ولكن المرء لا يعرف اليوم تماماً كيف يعبد الله في التجارة أو السياسة أو يعبد الله في الفن. كيف تتكون في نفسه النيات العقدية التي تمثل معنى العبادة، ثم لا يعلم كيف يعبر عنها عملياً بدقة» ([22]).
الإيجابية تعني الموضوعية، وتعني المبادرة، وتعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والفكر الإسلامي في مقاصده الكلية يتضمن هذه المعاني، فالمسلم وعن طريق التربية الإسلامية يتربى على الإيمان والورع والطاعة والحشمة والطهارة والصبر والأمل والتوكل وحب العلم والعفو والإيثار والتضحية والرحمة والإحسان. كل هذه الصفات تجعل من الشخصية المسلمة شخصية إيجابية تنفعل بسائر قضايا الكون
التوازن:
التوازن من خصائص الفكر الإسلامي الاستراتيجي فهو الذي يجعل الفكر الإسلامي متوازناً لا يجنح إلى أحد طرفيرد ملاحظة الظاهرة بل سبر أغوارها النقيض.
خصيصة التوازن في الفكر الإسلامي هي التي تجعله فكرًا لا يجنح إلى أحد طرفي النقيض فهي التي توازن بين مصادر المعرفة من وراء الغيب والشهادة بحيث تجعل المسلم لا يشتط في استيعابه لعالمي الغيب والشهادة، وعن طريقها يتوازن المسلم بين الخوف والرجاء فهو كما يقرأ قوله تعالى: (واتقوا الله واعلموا أنّ الله شديد العقاب) سورة البقرة الآية «196» فإنه يقرأ قوله: (إنّ الله بالناس لرءوف رحيم) سورة البقرة الآية «143» ([23]).
إنّ الفكر لا يرقى إلى مراقي الاستراتيجية ما لم يكن فكراً متوازناً يتميز بالوسطية والاعتدال وإلا فإنه عرضة لعوامل الفناء المختلفة.
عن طريق التوازن أيضاً يعبد المسلم ربه بعيداً عن التطرف والرهبانية أو إهمال ما يجب أن يقوم به من تكاليف، ليتخذ بين ذلك طريقاً متوازنا يؤدي ما عليه من فرائض وما يستطيع من سنن دون إفراط أو تفريط.
ويكون التوازن في الإنفاق حيث ينفق المسلم وهو يراعي جانب الاتزان قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29) الإسراء.
الواقعية:
الواقعية بالمعنى الاستراتيجي تعني المرونة في الخيارات، بحيث يستطيع الإنسان التنقل بين الخيارات المطروحة أمامه وفق التخطيط المسبق.
إن الواقعية خاصية من خصائص الفكر الإسلامي، وأي فكر لا يتفاعل مع الواقع هو بالضرورة فكر مثال، لا مجال له في عالم التطبيق. لذلك كان الفكر الإسلامي واقعيًا يعبّر عن الوجود بواقعية على مستوى الكون المرئي، كما أنّ نظام العبادة هو الآخر واقعي يستطيع البشر ممارسة العبادة خلافًا لبعض الشعائر المثالية التي يعجز البشر عن أدائها، وإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) البقرة«285».
هذه الواقعية لا تقتصر فقط في مجال المحسوس والعبادة المفروضة، بل تتجاوز ذلك حيث إن الانفصام بين الواقع الطبيعي والعلم الشرعي لا أصل له بمعايير الإسلام، ولا بدّ لنا أن نحرر العلوم الطبيعية ونربطها بالدين رباط العالم بالعلمين معًا، ومن ثم نستطيع أن نواكب العصر مجددين للدين.
إنّ واقعية التفكير الاستراتيجي في الإسلام هي التي تجعله تفكيراً عملياً يلبي متطلبات الحياة الدنيا والآخرة.
الاستمرارية:
من الخصائص الاستراتيجية للفكر الإسلامي التشكل الدائم والصيرورة المستمرة استجابةً لمتطلبات الواقع «الفكر الإسلامي فكر في حالة التشكل الدائم والصيرورة المستمرة، وهو في تشكل يتأثر بالواقع ومتطلباته ويتأثر كذلك ببعض ما لدى التيارات والوضعيات الأخرى، وهذا يجعل حركة تطوره أسرع من حركة تطور الفقه والفتوى» ([24])، هذا الشكل في غير الثوابت القطعية بل في مجال الاجتهاد والتجديد الديني.
التعبدية:
من خصائص التفكير في الإسلام أنه فكر تعبدي، فكل ما خصّ الاقتصاد أو المجتمع أو السياسة وعموم الحياة يدخل في إطار التعبد، لأن المسلم يبتغي بذلك وجه المولى عز وجل، وهذه الخصيصة أيضاً تميزه عن بقية خصائص التفكير الاستراتيجي المرتبط بالمنهج الوضعي، وفي إشارة للفكر التعبدي يقول المولى عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) سورة الأنعام.
يقول الدكتور الريسوني: «فالتشريع في الإسلام ذو وظيفة تعبدية وتربوية أولاً ثم بعد ذلك تأتي وظيفته القانونية والاجتماعية والسياسية، فوظيفة فض المنازعات وتحديد الحقوق والواجبات وحفظ الأمن والنظام، فهو يعتمد في ذلك على البعد التربوي والإيماني قبل اعتماده على الوازع القضائي والسلطاني» ([25]).
الشراكة الدينية:
من خصائص التفكير الاستراتيجي في الإسلام خصيصة الشراكة الدينية، أي أنّ الإسلام اشترك في شرعه مع الديانات السماوية السابقة المنزلة التي لم تحرف، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ) سورة الشورى الآية “13”.
هذه الآية بالإضافة إلى أنها تبين وحدة المصدر مما يؤكد الشراكة هنا في المنبع، فهي أيضاً تدعو إلى عدم التفرق في إقامة الدين استناداً على أصوله التشريعية، والتي هي كليات في العقيدة والأخلاق، وقد تختلف في بعض الجزئيات والفروع الخاصة بالعبادات والأحوال الشخصية.
الإيجابية:
الإيجابية تعني الموضوعية، وتعني المبادرة، وتعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والفكر الإسلامي في مقاصده الكلية يتضمن هذه المعاني، فالمسلم وعن طريق التربية الإسلامية يتربى على الإيمان والورع والطاعة والحشمة والطهارة والصبر والأمل والتوكل وحب العلم والعفو والإيثار والتضحية والرحمة والإحسان. كل هذه الصفات تجعل من الشخصية المسلمة شخصية إيجابية تنفعل بسائر قضايا الكون، فهي ليست سلبية تقف في زاوية وتنظر إلى ما يدور حولها، بل تشارك في الفعل تنفيذاً أو أمراً أو نهياً، قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) سورة آل عمران
بهذه الإيجابية دخل الإسلام القلوب فاعتنقه الكثيرون حتى من غير أولئك الذين تعود جذورهم إلى الإسلام، يقول المستشرق الفرنسي مونتيه: «من المتوقع لعقيدة محدودة كل التحديد خالية كل الخلو من جميع التعقيدات الفلسفية ثم هي تبعاً لذلك في متناول إدراك الشخص العادي وأنها تمتلك فعلاً قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس» ([26]).
ويقول الباحث كونن في كتابه الأديان القومية والأديان الكونية عن الإسلام: «نجد أركان العقيدة تلقى دون انقطاع تعبيراً ظاهراً في حياة المؤمن، ثم نجدها بعد أن أصبحت متشابكة مع نظام حياته اليومية تشابكاً لا سبيل إلى الفكاك منه تجعل المسلم الفرد إماماً ومعلماً لعقيدته أكثر إلى حد بعيد مما هي الحال مع أنصار معظم الديانات الأخرى»([27]).
يقول المستشرق مارسيل في كتابة (إنسانية الإسلام): «لا تمييز في العقيدة الإسلامية بين الموجب القانوني والواجب الخلقي، وهذا الجمع بين القانون والخلق يؤكد قوة النظام منذ البداية»([28]).
هذه شهادة المنصفين من المستشرقين عن إيجابية الإسلام التي جعلت منه ديناً مقبولاً لدي الجميع خلافاً لبقية الديانات المحرفة منها والوضعية التي لا تحظى بهذه الإيجابية، فخالق البشر هو أدرى بطبائعهم.
العالمية:
من خصائص الفكر الاستراتيجي في الإسلام أنه تفكير عالمي وليس خاصاً بمنطقة جغرافية بعينها أو جنساً بشرياً بعينه، وقد تحدثت آيات كثيرة عن عالمية الإسلام، قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) سورة الفرقان. وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) سورة سبأ.
وعالمية الإسلام أيضاً في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) سورة الصف.
جاء في تفسير القرطبي لقوله تعالى للآية الأولى من سورة الفرقان ما يلي: «والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان رسولاً إليهما ونذيراً لهما وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غير عام الرسالة إلا نوح، فإنه عمّ برسالته جميع الإنس بعد الطوفان لأنه بدأ به الخلق»([29]).
وجاء أيضاً في معنى عالمين «معنى العالمين كل ما خلق الله كما قال: وهو رب كل شيء وهو جامع كل عالم، قال ولا واحد لعالم من لفظه لأن عالماً جمع أشياء مختلفة فإن جعل عالم لواحد منها صار جمعاً لأشياء متفقة»([30]).
عالمية الإسلام تتبين من خلال دعوته لأهل الكتاب ومن خلال إيمان الجن بالإسلام، قال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) سورة الجن.
عالمية الإسلام تدل على الرسائل التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأباطرة، وقد جاء في رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس: (بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس .. سلامٌ على من اتبع الهدى .. وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس)([31]).
كما جاءت عالمية الإسلام من خلال الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أبيض وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وجعلت الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأي ما رجل أدركته الصلاة صلى حيثما كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة)([32]).
إنّ أعظم أدلة على عالمية الإسلام تتمثل في دخول الكثيرين فيه في من دول العالم، فلا تكاد تجد دولة في العالم تخلو من وجود مسلم، فتغطية الإسلام لسائر دول العالم، وسرعة انتشاره تعود إلى الفكر الاستراتيجي الذي يتمتع به.
إن الخصائص التي نجدها في الفكر الإسلامي من ربانية وشمول وواقعية وتوازن وغير ذلك من الخصائص هي التي جعلت الإسلام ديناً عالمياً باعتباره انضج فكر ضمن ما هو مطروح من الأفكار في العالم.
العالمية من الخصائص الاستراتيجية في الفكر الإسلامي، وقد أهلته كل الخصائص الاستراتيجية الأخرى بأن يكون عالمياً، فشريعته صالحة في كل زمان ومكان، فقد جاءت «موافقة لأصول الفطرة البشرية ومقوماتها لأنها من صنع الإله العارف لطبيعة خلقه وما يناسب هذه الطبيعة وأنها جاءت في صورة مبادئ كلية عامة، تتقبل التفريع والتطبيق في الجزئيات المتجددة والأحوال المتغيرة»([33]).
[1] . موقع الوحدة الإسلامية ـ د. عبد الكريم بكار ـ مقال تحت عنوان المناعة الفكرية ـ نشر بتاريخ 22/07/2004م ـ www.alwihda.com.
[2] . موقع منهل للثقافة والتربية ـ نشر بتاريخ 17/06/2008م ـ www.manhal.net/articles.php
[3] . شروط النهضة ـ مالك بن نبي، ص21.
[4] . الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية ـ د. أحمد الريسوني ـ ط 1428هـ ص8.
[5] . المرجع السابق ص30.
[6] . التفكير الاستراتيجي للمخططين الاستراتيجيين ـ مقال د. علي بن عيسى ـ www.ksa.edu.sa/sites/colleges/arabic
[7] المرجع السابق.
[8] . التفكير الاستراتيجي للمخططين الاستراتيجيين ـ مقال د. علي بن عيسى ـ www.ksa.edu.sa/sites/colleges/arabic
[9] . مجموع الفتاوى (7/40).
[10] . أنظر موقع “فذكر” الإلكتروني ـ صنف الموضوع في 12/02/2009م ـ talipsanri1952.d3wh.com
[11] . السنة ومكانتها في الإسلام وفي أصول التشريع ـ عبد العزيز بن باز بموقعه الإلكتروني كشف الشبهات ـ www.khayma.com/kshf/r
[12] . للمزيد مجموع الفتاوى لابن تيمية 7/40.
[13] . الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية ـ د. أحمد الريسوني ط1428هـ ص73.
[14] . الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية ـ مرجع سابق ص75.
[15] . قضايا التجديد، د. الترابي، ص 81 .
[16] . خصائص التصور الإسلامي ومقوماته. سيد قطب. القاهرة دار الشروق ط«1998مص43».
[17] . أنظر قضايا الفكر الإسلامي ـ د. علي عيسى عبد الرحمن ـ مطبعة التيسير ط2006م ص 15.
[18] . خصائص التصور الإسلامي ومقوماته. سيد قطب. القاهرة دار الشروق ط«1998م ص72 .
[19] . مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق – الموقع الالكترونيwww.madinacenter.com/post.php بدون تاريخ .
[20] . الإسلام وقضايا الفكر المعاصر ـ د. علي عيسى عبد الرحمن ص6.
[21] . المجتمع المسلم كما بينه الإسلام في الكتاب والسنة ـ د. محمد علي الهاشمي ـ دار البشائر الإسلامية بيروت ط2002م ص15.
[22] . قضايا التجديد د. الترابي 96
[23] . الإسلام وقضايا الفكر المعاصر ـ د. علي عيسى عبد الرحمن ص7.
[24] د. عبد الكريم بكار ـ مرجع سابق.
[25] . الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية ـ د. أحمد الريسوني ط 1428هـ ص (17 ـ 18).
[26] . نقلاً عن كتاب توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ـ أنظر مركز المدينة لدراسات وبحوث الاستشراق ـ les propaganda crintienne etes adversaries Muslumann _ Paris
[27] . أنظر مركز المدينة لدراسات وبحوث الاستشراق بالشبكة الدولية ـ B. kunen _National Religions and Universal Religions
[28] . أنظر مركز المدينة لدراسات وبحوث الاستشراق بالشبكة الدولية.
[29] . الجامع لأحكام القرآن الكريم ـ القرطبي ـ تحقيق عبد الرازق المهدي ج13 ـ ص6.
[30] . لسان العرب لابن منظور ـ ج2 ـ ص “420 ـ 421”.
[31] . السيرة الحلبية ج2 ـ ص275 ـ سند أحمد ج1 ص263.
[32] . صحيح مسلم ـ كتاب المساجد رقم “3”.
[33] . المجتمع المسلم كما بينه الإسلام في الكتاب والسنة ـ مرجع سابق ـ ص14.



