
الدولة “الإسلامية” بين الاستحالة والإمكان
شكل كتاب البروفسور الفلسطيني وائل حلاق “الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الغربي” صدمة كبيرة للقارئ العربي، خصوصاً للجماعات الإسلامية التي كانت تسعى لقيام دولة إسلامية تجمع في جوهرها بين الحداثة الغربية والإسلام ضمن إطار تنظيمي وسياسي وفكري واحد. هذه الفكرة شكلت مناخًا مفعمًا بالجدل العميق أحيانًا والسطحي أحيانًا أخرى عن فكرة الكتاب الملتبسة، والتي لم تتضح بالشكل الكافي حتى من العنوان الذي لم يحدد ماهية هذه الدولة المستحيلة، وماهية الاستحالة نفسها، وما علاقة كل ذلك بالحداثة ومأزقها الأخلاقي.
لكن من تشريح مفردات عنوان الكتاب، الذي لا يقرأه البعض بشكل كامل عن عمد أو جهل، ويكتفي بشطره الأول وهو “الدولة المستحيلة” دون أن يعطف الشطر الثاني وهو “الإسلام والسياسة”، والشطر الثالث وهو “مأزق الحضارة الغربية”، وهنا في العنوان يقدم حلاق نتائج مسبقة في الحكم، ويحكم بمسألتين أساسيتين: الأولى هي استحالة الدولة الإسلامية، والثانية أن الحداثة الغربية تعيش مأزقًا أخلاقيًا، وهناك قضية ثالثة لم يحسمها في العنوان، وهي علاقة الإسلام بالسياسة.
في هذا المقال أقدم محاولة فاحصة لفكرة حلاق ومدى اتساقها مع فكرة الدولة في الإسلام، ومع الحداثة كمفهوم، لكن قبل الشروع في مناقشة فكرة وائل حلاق، لا بد من عرض الفكرة وتبسيطها كما تحدث عنها حلاق في كتابه.
مضمون فكرة الدولة المستحيلة كما يعرضها حلاق
ينطلق حلاق في أطروحته من رؤية نقدية مزدوجة. في شقها الأول يتناول الحضارة الغربية والدولة الحديثة بمضمونها الفلسفي العلماني وبأطرها التنظيمية الوضعية، والفكر الغربي الحداثي على وجه الخصوص، ويعتقد أن الدولة الحديثة التي أنتجها الغرب هي دولة لا تقوم على أي أساس أخلاقي، وهنا يقصد بالضبط الأساس “المعياري” الثابت للأخلاق.
وهنا ملاحظة دقيقة يجب التنبه لها والتفريق بين انتفاء الأخلاق بالكلية وبين انتفاء المعيارية والإطار المرجعي الثابت للأخلاق. وهنا لا تكاد تختلف رؤية حلاق في نظريته الأخلاقية عن الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن ونقده للدهرانية، وهو المصطلح الذي صكه عبد الرحمن للدلالة على الحداثة في صورة انفصال الدين عن الأخلاق، ودعوته لإصلاح الحداثة في كتابه روح الحداثة. كما تحدث حلاق في كتابه إصلاح الحداثة ناقدًا للفكرة الطهّاوية في إصلاح الحداثة، حيث يعتبر حلاق أن العطب في الحداثة هو عطب بنيوي يلامس الجوهر والأسس، ولا يقف عند السطح والقشرة الخارجية، وعليه فإن أية محاولة لإصلاح الحداثة ستبوء بالفشل والاستحالة.
في انتقاده الثاني ضمن الكتاب يتوجه حلاق إلى حركات الإسلام السياسي التي تحاول بناء الدولة الإسلامية من خلال استيراد القيم والأطر الحداثية الغربية، حيث يعتقد حلاق أن الحركات الإسلامية كالإخوان المسلمين وغيرها، والتي تحاول الجمع بين القيم الإسلامية كإطار أخلاقي وبين الدولة الحديثة كواقع ضاغط في صورة هجينة ومركبة، هي “الدولة المدنية بمرجعية إسلامية”، يتكلفون ضربًا من المستحيل بسبب التناقض الجوهري بين الإسلام ومنظومته الأخلاقية العميقة، التي كانت سائدة طوال التاريخ السياسي للمسلمين، في مركزية الشريعة الإسلامية في مفهومه العميق والشامل، وبين الدولة الحديثة التي لا تحمل أي أساس أخلاقي إلا المنفعة المادية المحضة، والأخلاق البراغماتية الرأسمالية بوجهها الليبرالي.
لقد طار التيار السلفي الجهادي فرحًا بأطروحة حلاق، وعقد منظرو السلفية الجهادية ندوات امتدحوا فيها كلام حلاق، واعتبروه أكثر إنصافًا للإسلام من تنظير راشد الغنوشي، وجعلوا من كلام حلاق حجة في دعم وجهة نظر تنظيم القاعدة في نفي إمكانية قيام الدولة الإسلامية في ظل النظام العالمي الحداثي، ولا سبيل أمام القاعدة إلا في متابعة حرب الإنهاك حتى يسقط النظام العالمي برمته، حينها تتحقق الشروط الموضوعية لقيام دولة الإسلام بعد إدارة مرحلة الفوضى والتوحش التي ستعقب سقوط النظام العالمي.
يعتقد حلاق أنه لا يوجد في الإسلام مفهوم الدولة أساسًا، حتى لو اعتبرنا الدولة مفهوما حياديًا، فهو مصطلح ومفهوم غريب عن الإسلام، وبالتالي أي عملية إقحام للمفهوم والمصطلح ستكون عبارة عن إدخال كائن غريب في جسد الإسلام، ويشير هنا إلى الفرق الجوهري بين الحالة السياسية في الإسلام وبين الدولة الحديثة، حيث يقوم نظام الخلافة على نطاقين مركزيين هما: الأخلاق في التصوف في الشق التربوي، والفقه والقانون في الشق الحقوقي، وهما بمجموعهما يشكلان صرح الشريعة، ومسؤولية رعاية التربية والاجتهاد الفقهي ليس من شأن الدولة والسلطة، وإنما من شأن المجتمع الأهلي الذي يقوم برعاية الجانب التربوي والجانب الفقهي، بينما تبقى وظيفة الخلافة هي وظيفة أمنية في حماية ديار الإسلام وحماية حقوق الأفراد.
بالمقابل فإن الدولة الحداثية تقوم هي الأخرى على نطاقين مركزيين: هما الديمقراطية في جانبها السياسي، والرأسمالية في جانبها الاقتصادي، وهنا يصبح الربح والسلطة غاية في المجتمعات الحداثية بدون أي رادع أخلاقي في تحقيق المنافع المادية.
وبناء على اختلاف النطاق المركزي في كل من نظام الخلافة الإسلامية وبين الدولة الحداثية، فإن الجمع بينهما مستحيل، وما تسعى له الجماعات الإسلامية لتحقيق دولة مدنية بمرجعية إسلامية هو مجرد وهم ناتج عن مخيال سياسي يستصحب الدولة الحديثة عند الحديث عن الدولة “الإسلامية” لدى هذه الجماعات.
نقد أبي يعرب المرزوقي لفكرة حلاق
هنا يمكن أن نشير للخيط الدقيق الذي نبه له الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي في نقده لرؤية حلاق في استحالة الدولة الإسلامية ذات الجوهر الأخلاقي في تحولها لدولة حديثة في مضمونها المادي.
حيث وجه المرزوقي ضربة مزدوجة لأطروحة حلاق؛ الأولى تتعلق بفهم حلاق للدولة الإسلامية، والثانية في مفهوم حلاق للحداثة الغربية.
الانتقاد الأول في فكرة الدولة الإسلامية:
حيث نبه المرزوقي لهشاشة فكرة حلاق، عندما لم يكتفِ بنفي إمكانية أن يقدم الإسلام نموذجًا للدولة الحديثة، وإنما نفى مفهوم الدولة برمته من الإسلام على اعتبار أن لفظة “دولة” هي لفظة دخيلة على مفردات الشريعة التي تتحدث عن الخلافة والإمامة بالمفهوم الأخلاقي، معتبرًا أن عدم النص على الاسم لا ينفي وجود المسمى، فالدولة تتكون من جوهر وعرض، ولا يمكن نفي جوهرها بسبب ما يعتري العرض من تبدل وتطور وتحور يقتضيه الزمان. والدولة في جوهرها تتكون من ثلاثة أركان: هي الأرض، والشعب، وجهاز الحكم، وهذا لم يكن منفيًا منذ قيام دولة المدينة حتى اليوم. أما باقي العروض المتبدلة مثل الفصل بين السلطات، وإنتاج آليات للحكم والتداول عليه، فإنها لا تؤثر على الجوهر، وهي من قبيل المصالح المرسلة التي تخضع للاجتهاد السياسي في مأسسة القيم السياسية وتحويلها لمؤسسات.
مشكلة حلاق أنه لم يتوقف عند نفي إمكانية الدولة الإسلامية الحديثة في رده على أطروحات الإخوان المسلمين الذين أرادوا الهروب من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، وإنما ذهب لنفي فكرة الدولة كمؤسسات وفصل سلطات ودساتير من الحضارة الإسلامية برمّتها
والانتقاد الثاني للمرزوقي:
هو في وصف حلاق للدولة الحداثية بأنها دولة لا تقوم على الأخلاق، وهنا يقدم المرزوقي فهمه للحداثة، الذي يشكل في جوهره عين ما جاء به الإسلام، فالحداثة عنده هي اللحظة الزمنية للإصلاح الديني بنفي الواسطة بين المؤمنين والكنيسة، الذي مثلته الحركة اللوثرية، وللإصلاح السياسي بنفي الحق الإلهي في الحكم وإعادة الأمر للشعب، وهو جوهر ما جاء به الإسلام عندما رد قضايا الحكم لشورى الجماعة والأمة، وقوّض الحكم بالحق الإلهي، ونفى الواسطة بين العبد والرب، يعني إسقاط وصاية الكنيسة عن الأرواح، وإسقاط وصاية الحكام على الأبدان.
ويعتقد المرزوقي أن مشكلة التيار المتدين التقليدي، والتيار الحداثي العلماني، في تصورهم للحداثة الغربية، تكمن في استصحاب صورة مشوهة عن الحداثة، وتعريف الحداثة بعروضها لا بجوهرها الذي شرحناه من وجهة نظر المرزوقي. وما يتحدث عنه حلاق وغيره ممن يردد كلامه باعتباره فتحًا معرفيًا، هو النسخة الأيديولوجية للحداثة، عندما حولها الغرب على يد هيغل من فلسفة سياسية واجتماعية وأخلاقية ودينية إلى مجرد أيديولوجيا لخدمة طموحه الاستعماري، وجعلها مستندًا للاستعلاء العرقي على البشرية، في تسيد الرجل الأبيض على غيره من الأجناس. وهذا الفهم ليس حقيقة الحداثة كما هي في أصل تعبيرها عن لحظة الافتكاك من الطغيان الديني والسياسي، وإنما هو النسخة التفسيرية الغربية للحداثة، كما يُفسَّر الإسلام عند البعض بطريقة منحرفة، ويتم تحويله إلى أيديولوجيا.
كما علق المرزوقي على نفي حلاق لأي أساس أخلاقي للدولة الحديثة، معتبرًا ذلك نوعًا من المستحيل، حيث لا يمكن لأي منظومة حكم وإدارة اجتماعية أن تقوم إلا على قدر من الأخلاق. وهنا، وإنصافًا لحلاق، فإنه لم ينفِ الأخلاق بالكلية، وإنما نفى الإطار المرجعي الثابت للأخلاق، وتحويل الموقف الأخلاقي الحداثي إلى النسبية.
لقد ألحق المرزوقي دعوة حلاق بدعوة علي عبد الرازق، مع فرق أن علي عبد الرازق ينفي الدولة الإسلامية في الماضي، وحلاق ينفيها في المستقبل، وهي في النهاية محاولة ماكرة لمصادرة مستقبل المسلمين بفكرة ذكية تقوم على نفخ المسلمين لإقناعهم بعبث محاولة الاستئناف الحضاري للأمة الإسلامية.
الخلاصة
أعتقد أن مشكلة حلاق أنه لم يتوقف عند نفي إمكانية الدولة الإسلامية الحديثة في رده على أطروحات الإخوان المسلمين الذين أرادوا الهروب من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، وإنما ذهب لنفي فكرة الدولة كمؤسسات وفصل سلطات ودساتير من الحضارة الإسلامية برمّتها، إضافة لتعلقه بالنموذج التاريخي الذي قدمه الإسلام عن الدولة الإسلامية، خصوصًا في الحالة الراشدية والأموية والعباسية، وهو النموذج الحصري للقياس عليه برأي حلاق، وكل مقيس جديد لا بد أن يتطابق معه، وإلا فهو يتنافى مع الرؤية الإسلامية للحكم. فحلاق يعتبر أن في الإسلام منظومة حكم أخلاقية تقوم على الشريعة كمحدد مركزي، وليس هناك دولة بمعنى المؤسسات.
ولعل سبب هذه المجازفة من حلاق هو عدم التمييز الواضح بين القيم السياسية العميقة التي جاء بها الإسلام – وهي مجملة وقليلة، كأداء الأمانة والشورى والحرية – وبين الإجراءات التنفيذية والمؤسسات التي يمكن أن يبدعها المسلمون أو يقتبسوها من الحضارات الأخرى لمأسسة هذه القيم السياسية وتطبيقها، كما استورد عمر رضي الله عنه النظام الإداري من الحضارة الفارسية.
وهنا يمكن أن نخلص إلى نتيجة تفرضها مرونة الإسلام في استيعاب المستجدات إلى جانب الإجراءات السياسية: أنه من الممكن جدًا الجمع بين شكل الدولة الحديثة في المؤسسات والإجراءات، وبين جوهر الحكم الإسلامي القائم على القيم والأخلاق السياسية المنافية لرؤية الحداثة والحضارة الغربية المادية، وبذلك نخرج من مأزق الاستحالة الذي قذف به حلاق فرضيته المدفوعة برفضه للحداثة الغربية وتطيره شرًّا منها، وأراد من الإسلام أن يكون سيفًا مشرعًا بيده ليهدم كل ما فيها من حسن وقبيح، فحمل الإسلام ما لا يحتمل من وضعه في القالب التاريخي الجامد، واتهم الحداثة بالشر المطلق، مثبتًا استحالة اللقاء بينهما.
وبرأيي ليست مشكلة المسلمين اليوم في عدم قدرتهم على إبداع النموذج الذي يستصحب أصالة القيم السياسية الإسلامية مع منجزات الحداثة في العمران والتنظيم، وإنما في هيمنة النموذج الغربي الليبرالي المحمل بعقدة المركزية الغربية تجاه المسلمين والعالم، وهو ما يدفع بالكثير لإعادة النظر في منتجات الحداثة الغربية المتوحشة، والبحث عن البديل الأخلاقي لإنقاذ العالم من درك الدمار والسقوط الإنساني الحاصل، ورفض كل ما يأتي من الغرب باعتباره الشر المطلق.



