المقالات

المرونة النفسية وقابلية التغير عند الإنسان رؤية تأصيلية من خلال كتاب (إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي

د. مجد عبد المجيد قمر

يطرح الإمام الغزالي في (إحياء علوم الدين) رؤيةً تحليلية لقابلية النفس البشرية للتغير، مُفندًا فكرةَ “ثبات الأخلاق والطباع”، ويلتقي هذا المنظور مع مفهومَي “المرونة النفسية” (Psychological Flexibility)  و”قابلية التغير” (Malleability) في علم النفس الحديث، ليؤكد أنّ الأخلاق ليست جِبِلَّةً ثابتةً، بل قابلةً للتحول عبر آليات منهجية. هذا المقال يحلل نصوص الغزالي ليستنتج أسسَ نظريته في التغيير النفسي الأخلاقي. 

إنّ المتتبع لكلام الإمام الغزالي في (الإحياء)، يستنتج جملةً من الأفكار التأصيلية التحليلية، يمكن إجمالها بالآتي:

أولًا: تفنيد فكرة “ثبات الأخلاق”

يبدأ الغزالي نظريته بالردّ على من استدلوا بثبات “الخلقة الظاهرة” (كالقصر والطول) على استحالة تغيير “الخلقة الباطنة” (الأخلاق)، فقاسوا الخُلُقَ على الخَلْقِ، وهو قياسٌ فاسد؛ إذْ ‌“لو ‌كانت ‌الأخلاق ‌لا ‌تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات” [إحياء علوم الدين،  (3/55)]

والبرهان على ذلك كما يبينه الإمام الغزالي يتجلى في عدة مظاهر:

1. البرهان العملي: وهو تغيير أخلاق الحيوانات (كترويض الصقر والكلب). يقول الغزالي: “وكيف ينكر هذا في حق الآدمي، ‌وتغيير ‌خلق ‌البهيمة ‌ممكن؛ إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق”[إحياء علوم الدين،  (3/56)]

2. البرهان الوجودي: وهو أن الموجودات تُقسَم  إلى: 

   – ما هو تامٌّ لا يقبل التغيير (كالكواكب). 

   – ما هو ناقصٌ قابلٌ للكمال (كالنواة التي تُصير نخلةً بالتربية). 

“فإن ‌النواة ‌ليست ‌بتفاح ‌ولا ‌نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها ولا تصير تفاحًا أصلًا ولا بالتربية فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة[إحياء علوم الدين، (3/56)]

ثانيًا: آليات التغيير (المجاهدة والرياضة)

تغيير الخلق والعادات السيئة إلى عادات تخدم الفرد والمجتمع هي أمر ممكن عقلًا وعادة، كل ما في الأمر أنه ينبغي معرفة آليات ذلك، والعزم على تطبيقها، وهنا يحدد الإمام الغزالي طريقين لاكتساب الأخلاق الحسنة: 

1. الكمال الفطري: (وهو نادر) كالأنبياء الذين وُلدوا بكمال النفس. 

2. الاكتساب بالمجاهدة والرياضة أو التزكية: وهو المحور الرئيس الذي ينبغي أن يتبناه من يريد تغييرًا في سلوكياته نحو الأفضل، مهما كانت هذه السلوكيات، وخطواتُه:

  • تكلف الأفعال الحسنة: “فمن أراد مثلًا أن ‌يحصل ‌لنفسه ‌خلق ‌الجود، فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد، وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفًا، مجاهدًا نفسه فيه، حتى يصير ذلك طبعًا له، ويتيسر عليه فيصير به جوادًا “ [إحياء علوم الدين، (3/56)] هذه هي الخطوة الأولى، فليس الأمر طفرة، بل يحتاج إلى خطوات أولها تكلف الخلق الحسن.
  • الاستمرار أو المواظبة الزمنية: فالاستمرار على التلبس بسلوك وإن كان خلاف الطبع، ينقل التوجه الباطن من ساحة التكلف إلى ساحة الاعتياد الواعي، ثم إلى ساحة العقل الباطن الذي يعطي أوامر سلوكية أقرب إلى السجايا الفطرية، يقول الغزالي: “من ‌أراد ‌أن ‌يحصل ‌لنفسه ‌خلق ‌التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة، وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف، إلى أن يصير ذلك خلقًا له وطبعًا، فيتيسر عليه”[إحياء علوم الدين، (3/58)]
  • تحويل الفعل إلى لذة: وهذه المرحلة ليست مرحلة مكتسبة بطريق مباشر، بل هي نتيجة تراكمية للاعتياد السلوكي لفعل ما، فالعادة تتحول عندها إلى سجية راسخة، “‌ولن ‌ترسخ ‌الأخلاق ‌الدينية في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة، وما لم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة، ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة، ويتألم بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))” [إحياء علوم الدين، (3/58)]

ثالثًا: تزكية النفس لا قمعها:

وهي فكرة في غاية الأهمية، فليس المراد قمع الشهوة -البطن مثلًا- بل المراد تزكيتها وتوجيهها في مسارها الطبيعي الصحيح الذي يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، وإلا فقمع الشهوات توجه ينافي الفطرة التي جبل عليها الإنسان، لذا يرفض الإمام الغزالي فكرة “محو الغرائز بالكليّة” (كالشهوة والغضب)، ويؤكد أنّ العلاج يكون بالاعتدال، فليس المطلوب إماطة الشهوة بالكليّة، بل ردُّها إلى الوسط، ويضرب أمثلةً عن ذلك:

-فالغضب: يحوَّل إلى “حميّة” معتدلة، كقوله تعالى: “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ”

-والشهوة: ضبطها دون إلغاء ضرورات الحياة (كالأكل للبقاء، والجماع للنسل). 

“فلو ‌انقطعت ‌شهوة ‌الطعام ‌لهلك ‌الإنسان، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك” [إحياء علوم الدين، (3/56، 57)]

رابعًا: التدرج في العلاج

الفعل السلوكي للنفس البشرية ناجم عن جملة مركبة ومعقدة من الاعتقادات والقناعات والأفكار والوجدانيات، وتغيير هذه السلوكيات لا يمكن أن يحصل دفعة واحدة، بل لا بدّ من التدرج في العلاج، كأي مرضٍ مستعصٍ داخل جسم الإنسان، فكما أن الطبيب يتدرج في إعطاء جرعات الأدوية بما يتناسب مع حجم المرض وقابلية الجسد لاستقبال الدواء، فكذلك الأمر في النفس البشرية، ولهذه القضية فلسفة فاعلة عند الإمام الغزالي، إذ يُعدّ التدرُّجُ القلبَ النابضَ لنظرية الغزالي في تعديل الأخلاق، وهو ليس مجرد أسلوبٍ علاجي، بل فلسفةٌ تربويةٌ شاملة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة النفس البشرية. وأهم مرتكزات ذلك:

  1. التدرُّج الزمني: من التكلُّف إلى الطبع، فالأخلاق لا تُكتسب دفعةً واحدة، بل عبر مراحل زمنية متصاعدة: 

يقول الغزالي: “‌فلا ‌يزال ‌يطالب ‌نفسه ‌ويواظب عليه تكلفًا مجاهدًا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعًا له” [إحياء علوم الدين، (3/58)].

فالمرحلة الأولى هي التكلف، يليها الاعتياد، يليها الاتصاف، وحينها يصبح السلوك لذة بعد أن كان مشقة.

2. التدرُّج العلاجي: من “الأخف إلى “الأثقل، إذ “من ‌لطائف ‌الرياضة ‌إذا كان المريد لا يخسو بترك الرعونة رأسًا، أو بترك صفة أخرى، ولم يسمح بضدها دفعةً، فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء، إذا كان الماء لا يزيل الدم، كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة، فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة، فلينقل إلى جاه أخف منه، وكذلك سائر الصفات”[إحياء علوم الدين، (3/62)].

3. التدرُّج في الوسائل: من الجوارح إلى القلب

يرى الغزالي أن تغيير الأخلاق يتم عبر تأثير دائري بين الظاهر والباطن، فإن لم يملك الإنسان تغيير صفاته الباطنة ابتداء، فإن الظاهر الذي يتمكن من تغييره ينعكس بصورة أو بأخرى على باطنه، ليتفاعل الخلق الباطن مرة أخرى بأثر رجعي على ظاهره، فهي إذن علاقة تبادلية:

  • من الخارج إلى الداخل: 

  عن طريق البدء بتعديل السلوك الظاهر كفرض الصوم للتهذيب من شره الطعام. يقول الغزالي: “‌وكذلك ‌إذا ‌رأى ‌شره ‌الطعام ‌غالبًا عليه، ألزمه الصوم وتقليل الطعام، ثم يكلفه أن يهيء الأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره، وهو لا يأكل منها، حتى يقوي بذلك نفسه، فيتعود الصبر وينكسر شرهه”. [إحياء علوم الدين، (3/62)]. وذلك وفق آليات متدرجة وفق ثلاث مراحل للضبط الذاتي وهي: التقليل “يُلْزِمُهُ الصَّوْمَ وَتَقْلِيلَ الطَّعَامِ”، ثم الحرمان: “يُهَيِّئُ الْأَطْعِمَةَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَأْكُلُ”، ثم التطهير “يَمْنَعُهُ اللَّحْمَ وَالْأَدَمَ رَأْسًا”. وهو مسلك مضمون النتائج، لا كمن اتبع مسلك الحرمان رأسًا، فإنه سيعود أكثر شراهة بعدها.

  • من الداخل إلى الخارج:

  وهي مرحلة متقدمة  بعد رسوخ الأخلاق في القلب، إذ تصدر الأفعال “طبعًا” دون تكلف. “‌فإذن ‌قد ‌عرفت ‌بهذا ‌قطعًا ‌أن ‌هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة، وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداءً، لتصير طبعًا انتهاءً، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح؛ أعني: النفس والبدن، فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح، حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور” [إحياء علوم الدين، (3/59)].

4. التدرج الكمي: فالقليل الدائم خيرٌ من الكثير المنقطع،“لا ‌ينبغي ‌أن ‌يستهان ‌بقليل ‌الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد منها تأثير فما من طاعة إلا ولها أثر وإن خفي فله ثواب لا محالة فإن الثواب بإزاء الأثر” [إحياء علوم الدين، (3/60)].

وهذا الكلام مبني على مبدأ التراكم، فالذنب الصغير يدعو إلى الكبير، والطاعة الصغيرة تزيد القلب بياضًا.

وهكذا قدّم الإمام الغزالي في تحليله للبنية النفسية البشرية نموذجًا نسقيًا متكاملاً لتعديل السلوك الإنساني، يقوم على آليات منهجية كالمجاهدة والاعتياد، حيث صاغ نظريةً سلوكيةً قائمةً على التدرج والضبط الذاتي، تُحوّل الفضائل من مكتسباتٍ تكلفيةٍ إلى طباعٍ فطريةٍ، عبر رياضات ممنهجة، ناقضًا بذلك الحتمية البيولوجية للأخلاق، ومُؤسسًا لنظرية تربوية سبقت علم النفس الحديث في تفكيك إشكالية ثبات الطباع.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى