المقالات

خصائص الحضارة الإسلامية 8

ربانية المنهج والتوجه (الجزء السادس)

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين.

في هذا المقال نختم حديثنا عن ربانية المنهج والتوجه بالحديث عن نظرة الإسلام للموت والحياة، وفلسفته في ذلك.

قال الله تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].

هذه الآية تتحدث عن حقيقة وهي أن الموت والحياة مخلوقان كسائر المخلوقات، وبما أنهما مخلوقان فإنه يعتريهما ما يعتري سائر المخلوقات. فالموت نفسه مصيره إلى الموت.

وقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:

«يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه. فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». ثم قرأ: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: 39]. (متفق عليه).

وقال تعالى:

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28].

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: 11].

جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تتحدث عن البعث، وأنّ هناك حياةً أخروية بعد الموت. ولهذا كان الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة.

أثر الإيمان بالآخرة في سلوك المسلم

هذه الحقيقة الإيمانية تبني فهماً مختلفاً، وتنعكس على السلوك. فالمسلم يؤمن أن الحياة الدنيوية ليست نهاية المطاف، وأنّ هناك بعثاً وحساباً ومآلاً؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

هذا الإدراك هو الذي يحدّد سلوك المسلم في الحياة، فيجعله منضبطاً بضوابط التوجيه الإلهي في جميع مراحل حياته؛ في صباه، وشبابه، وهرمه، حتى يدركه الموت وهو على هذا الإعداد والاستعداد.

إنّ المؤمن يعيش دنياه وروحه وعقله منصرفاً إلى البناء الأخروي، وسلوكه منضبطٌ بذلك. ولذلك بنى المسلمون حضارتهم على تقوى وإيمان، يستلهمون تعاليم الإسلام في جميع شؤون الحياة؛ في السياسة والاقتصاد، وفي الحرب والسلام، وفي تعاملهم مع ذواتهم ومع من حولهم، ومع الأمم الأخرى، بل ومع الكائنات والمخلوقات جميعاً.

يحدوهم في ذلك الخوف من الله ومراقبته في السر والعلن. بل هي التقوى التي حثَّ عليها الإسلام.

إنَّ الإسلامَ نظامٌ فريد ومتميز عن سائر الأديان والمعتقدات والنظم والأفكار البشرية. فحياة المسلمين ليست لذواتهم فقط، بل خدمةً لمن حولهم، بل للإنسانية جمعاء. والقرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الحضاري الإسلامي شاهد على ذلك.

الموت في الميزان الإسلامي

إذا أدركنا قيمة الحياة الدنيوية في ميزان الإسلام، فما قيمة وحقيقة الموت في الميزان الإسلامي؟

الموت هو ذلك المخلوق الذي يرتعب الكثيرون عند ذكره، ويحاولون الهروب منه. هو الرعب الذي يلاحق الكائنات والمخلوقات مهما عظمت قوتها، وهو الذي لا مفر منه قرب الزمان أو بعد.

لكن للإسلام تصوراً آخر ونظرة مغايرة، وفلسفة تعكس سلوك المسلم الإيجابي تجاه الموت:

          •         الموت عند المؤمن جسر إلى الدار الآخرة.

          •         الموت بوابة إلى الجنة التي أعدها الله لعباده المتقين.

          •         الموت ميعاد المؤمن مع ربه لينال الجزاء الأوفى بعد أن وفّى ما عليه.

قال تعالى:

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25].

وقال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57].

لذا فإن الموت من أعظم ما خلقه الله لنا، كي نستطيع الرجوع إلى جنتنا الأبدية.

إنَّ الذين أجرموا في الأرض، وأهلكوا الحرث والنسل، وظلموا العباد، وطغوا في البلاد، هؤلاء أشد الناس خوفاً من الموت. ومن عدل الله وحكمته أن يكون لهؤلاء محكمة إلهية تقتص للمظلومين والضعفاء.

الموتُ والشهادة

الموت هو أقصر الطرق عند المؤمن للوصول إلى جنة الخلد. بل هو الشهادة التي يطلبها المؤمن ويسعى إليها، وهي أغلى أمانيه.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ [آل عمران].

فهذه الحقيقة ميّزت المؤمنين عن غيرهم؛ فهم لا يهابون الموت ولا يخشونه، بل يتمنونه. أما من يكره الموت فهو من لا يؤمن بالدار الآخرة، ويرى أن دنياه هي منتهى الحياة ومبتغاها.

الكفار والموت

قال تعالى عن هؤلاء:

﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24].

ولذلك أطلقوا العنان لشهواتهم، واستجلبوا الملذات من كل حدب وصوب، بلا ضابط ولا هدى، ليعيشوا عيشة البهائم. إنها الانتكاسة الحيوانية لذلك الكائن الذي أراد الله له التكريم.

قال تعالى:

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾ [التين: 1–8].

إنَّ الذين أجرموا في الأرض، وأهلكوا الحرث والنسل، وظلموا العباد، وطغوا في البلاد، هؤلاء أشد الناس خوفاً من الموت. ومن عدل الله وحكمته أن يكون لهؤلاء محكمة إلهية تقتص للمظلومين والضعفاء.

التصور الإسلامي والاستعمار الإيجابي للأرض

المؤمن على يقين أنّ هؤلاء المجرمين سينالون جزاءهم يوم القيامة، ولذلك فهو راضٍ مطمئن بما قدّره الله له في الدنيا من خير أو شر. فلا يهاب الباطل وزمجرته، ولا يرتعب من سطوته وقبضته.

قال تعالى:

﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72].

ومن هنا ندرك أن التصور الإسلامي لحقيقة الحياة والموت جعله الأقدر على إعمار الأرض، وإقامة العدل، وإشاعة السلام والرخاء، بعدما فقدتها البشرية اليوم في ظل التيه والضياع.

إنَّ حضارة الإسلام هي رحمة الله للبشرية، وهي الرسالة الخالدة التي تستمد قيمها من القرآن الكريم الخالد.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات العربية المتحدة مشرف على عدة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وعضو مؤسس في جمعية الإصلاح الإماراتية ومديراً لها.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى