المقالات

الدّولة الدّينية والدّولة الإسلامية بين الجبر اللّاهوتي والتّحرّر الإسلامي؛ تفكيك ومقارنة

ليست المصطلحاتُ ألفاظًا بريئةً منفصلةً عن سياقاتها، بل هي حمولاتٌ تاريخية وجغرافية وفكرية، محمّلةٌ بإرثٍ كاملٍ من التّصورات والتّجارب والتّشوّهات؛ ولهذا فإنّ استيرادها إلى بيئة مغايرة دون وعيٍ ناقد هو صورةٌ من صور التّبعية المعرفية والانهزام الحضاري، ومن تلك المصطلحات التي دارت حولها معارك المفاهيم؛ مصطلح “الدّولة الدّينية” وما ارتبط به من محاولات لتمييع النّموذج الإسلامي أو تشويهه.

ومن هنا تنبع ضرورة هذا المقال؛ لتحرير المفهوم، وبيان الفرق الجوهري بين الدولة الدّينية “الثيوقراطية” التي نشأت في البيئة الغربية، والدّولة الإسلاميّة التي تشكّل نموذجًا مغايرًا تمامًا من حيث الأسس والمقاصد، والمرجعيّة، وطبيعة العلاقة بين السلطة والدّين والشّعب.

ما الدّين؟ وما الدّولة الدينيّة؟.. في تحرير المفاهيم قبل الانخراط في الأحكام

ليس من سبيل إلى بناء الوعي السياسي الراشد في الإسلام دون تحرير دقيق للمصطلحات، والتّمييز بين ما وُضع في اللغة وضعًا طبيعيًّا، وما تراكب عليه من حمولات اصطلاحية وتشويهات بيئية متأخرة، وفي مقدّمة تلك المصطلحات التي اختلط فيها الفهم وانعقد فيها اللبس؛ مصطلح “الدّين”، ومشتقّاته السّياسية مثل “الدّولة الدّينية”

“الدّين” في لسان العرب ليس مجرّد معتقد خاص أو شعيرة فردية، بل هو نظامٌ كاملٌ من الانقياد والطاعة والمحاسبة والمكافأة، قال ابن فارس: “الدّال والياء والنّون أصلٌ يدل على الطّاعة والانقياد والجزاء”[1]، ومنه قول العرب: “دانَ له” أي خضع، و”كما تدين تُدان” أي تُجازى على حسب فعلك، وهذه الدّلالة تجمع بين التّصور العقدي والبعد السلوكي والقانوني في آنٍ واحد، وتكشف عن أن “الدّين” ليس شأنًا باطنيًّا فرديًّا فحسب، بل هو منظومة تُنظم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبالآخرين.

أما في الاصطلاح، فقد ذهب جمهور علماء المسلمين على أن الدين يطلق على الشرع الإلهي المتلقَّى بالوحي، الموصِل إلى سعادة الدارين، ومن تعريفات العلماء ما قاله العلامة الشرواني: “أما الدّين: فهو وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات”[2] ثم ذكر في حواشي الشرواني محترزات التعريف فقال: “احترز بقوله: “إلهي” عن الأوضاع البشرية، نحو الرّسوم السّياسية والتّدبيرات المعاشية، وقوله: “سائق لأولي الألباب” احتراز عن الأوضاع الطبيعية التي تهتدي بها الحيوانات لخصائص منافعها ومضارها، وقوله: “باختيارهم المحمود” عن المعاني الاتفاقية والأوضاع القسريّة، وقوله: “إلى ما هو خير لهم بالذّات” عن نحو صناعتي الطّب والفلاحة؛ فإنّهما وإن تعلقتا بالوضع الإلهي أعني تأثير الأجسام العلوية والسفلية، وكانتا سائقتين لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى صنف من الخير فليستا تؤدّيانهم إلى الخير المطلق الذاتي، أعني ما يكون خيرًا بالقياس إلى كل شيء، وهو السّعادة الأبدية والقرب إلى خالق البرية”

أمّا الجرجاني فعرّف الدّين أنّه: “وضعٌ إلهيّ يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم”[3]، ويبيّن أبو الأعلى المودودي في كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن”: “أنّ كلمة الدين قائم بنيانها على معان أربعة، أو بعبارة أخرى هي تمثل في الذهن العربي تصورات أربعة أساسية؛ أولها: القهر والغلبة من ذي سلطة عليا، والثاني: الإطاعة والتعبّد والعبدية من قبل خاضع لذي السلطة، والثالث: الحدود والقوانين والطريقة التي تتبع،

والرابع: المحاسبة والقضاء والجزاء والعقاب.

وكانت العرب تستعمل هذه الكلمة قبل الإسلام بهذا المعنى تارة أخرى حسب لغاتهم المختلفة؛ إلا أنهم لما لم تكن تصوراتهم لتلك الأمور الأربعة واضحة جلية ولا كان لها من السمو والبعد نصيب، كان استعمال كلمة الدّين مشوبًا بشوائب اللّبس والغموض، ولذلك لم يتح لها أن تكون مصطلحًا من مصطلحات نظام فكر متين، حتى نزل القرآن فوجد هذه الكلمة ملائمة لأغراضه؛ فاقتناها واستعملها لمعانيه الواضحة المتعيّنة، واصطنعها مصطلحًا له مخصوصا؛ فأنت ترى أن كلمة الدّين في القرآن تقوم مقام نظام بأكلمه، يتركّب من أجزاء أربعة هي: الحاكميّة والسلطة العليا، الإطاعة والإذعان لتلك الحاكميّة والسّلطة، النّظام الفكري والعملي المتكوّن تحت سلطان تلك الحاكميّة، المكافأة التي تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والإخلاص له أو على التمرد عليه والعصيان له”[4]

فالدّين بذلك يتضمّن أصول الاعتقاد، ومناهج السلوك، ومقاصد الاجتماع الإنساني، ولئن اختلفت تعريفات غير المسلمين في تحديده، فتارةً خصوه بالأخلاق، وتارةً بالتجربة الصوفية، فإن الشريعة الإسلامية وحدها هي التي جمعت بين الروح والقانون، وبين التزكية والتشريع، وجعلت الدين رسالة شاملة للحياة لا تنحصر في زاوية.

وبناءً على هذا الفهم، فإن مصطلح “الدّولة الدينية” في الأصل العربي، لو نُظر إليه بمنظاره اللّغوي الخالص، لَدلَّ على دولةٍ يُشكّل الدين فيها مرجعيتها، في مقابل دولةٍ لا دينية تفصل الدّين عن الحياة، وهذا المعنى في ذاته ليس موضع إشكال، لكنّ المصطلح لم يعد يُتداول بهذا المعنى اللّغوي، بل أصبح في الاستخدام السياسي محمّلاً بإرثٍ تاريخي غربي قاتم، يشير إلى الدّولة الثّيوقراطية التي تقوم على التفويض الإلهي للحاكم، وتحكم باسم “الحقّ الإلهي”، وتُقصي الأمّة من المشاركة، وتمنح طبقة الكهنوت سلطة التشريع والتكفير والغفران.

ومن هنا، كان من الخطر البالغ أن يُسقَط هذا المصطلح “الدّولة الدينية” على الدولة الإسلامية دون تحرير أو تقييد، لأن ذلك يُدخل في وعي المسلمين تصورًا غريبًا عن الشريعة، ويفتح الباب أمام دعاوى التغريب لتسويغ العلمانية بدعوى الخلاص من الثيوقراطية، فيُصبح الإسلام نفسه متهمًا بما لم يأتِ به، وتُحاكم الشريعة بمنطقٍ لم يصدر عنها.

ولعلّ من أخصّ ما يجب التنبه إليه في هذا السياق، أن اختلاط المفاهيم لم يكن خللًا لغويًّا عابرًا، بل كان ــ وما يزال ــ أداة من أدوات الهيمنة الفكرية، يمارس بها المستشرقون والعلمانيون والليبراليّون نوعًا من “المكر المفاهيمي”، عبر تصدير مصطلحات ذات شحنة تاريخية مخصوصة بثقافتهم، ثم إسقاطها على المنظومة الإسلامية بقوالبها الجاهزة، ليبدو الإسلام ــ في أذهان بنيه ــ وكأنه يكرر مأساة أوروبا في العصور الظلامية.

فمصطلح “الدّولة الدّينية” في أصله الغربي لم يكن توصيفًا علميًّا محايدًا، بل كان نتاجًا لصراع داخلي طويل بين الكنيسة والدولة، وبين العقل والنّص، وبين الطّغيان باسم السّماء وصرخة الإنسان الأرضي الباحث عن حريته، وقد جرى تحميل هذا المصطلح بتجارب الكبت والقمع والتجهيل، فصار مدخلًا للعلمانية بوصفها “الخلاص التاريخي”، لا بوصفها خيارًا فكريًا مفتوحًا.

لكنّ المأساة الأعظم تقع حين نسمح بتسرب هذا المفهوم بما يحمله من إرث وعلل إلى خطابنا الإسلامي، دون أن نفرّق بين سلطة النّص المقدّس وسلطة رجال الدّين، ودون أن نُميّز بين حكم الله الحق الذي هو عدل ورحمة، وبين تأليه الحاكم الذي هو طغيان وفساد؛ إذ لا يستقيم عقلًا ولا نقلًا أن نساوي بين الإسلام الذي لم يعرف كهنوتًا قط، وبين الثيوقراطيات التي جعلت من الكهنة آلهة صغارًا يُتحكم بهم في مصائر البشر.

إنّ هذا الخلط لم يُنتج فقط تشويهًا للتّصورات، بل عطّل طاقات التّفاعل بين الدين والسياسة، وجعل من كل سعي لإقامة مرجعية إسلامية في الحكم موضع ارتياب وسوء ظن، بل ساوى بين التديّن والاستبداد، في مفارقة فادحة لا يقرّها عقل، ولا يقبلها نص، ولا يُصدقها تاريخ.

فإنّ الأمة التي أخرجت أبا بكر رضي الله عنه خليفةً من عامة الناس، ولم ترَ بأسًا في مناقشة عمر رضي الله عنه ومراجعته، لم تكن تعرف الدولة الدّينية بمعناها الغربي، بل كانت تعيش دولة راشدة يستوي فيها الحاكم والمحكوم أمام شريعة واحدة، ويُحاسب فيها وليّ الأمر باسم العدل، لا باسم الحق الإلهي المطلق.

ولذلك، فإنّ تحرير هذا المفهوم ضرورة معرفية ملحّة، لا ترفًا أكاديميًّا، لأنه نقطة ارتكازٍ في معركة الوعي، ومنه تبدأ إعادة بناء التصورات حول الحكم والسيادة، والمشروعية والبيعة، والطاعة والمساءلة، على أساس قرآنيّ متين لا تُدخله التراكمات الغريبة ولا التفسيرات المشوهة.

غير أن أخطر ما في هذا التشويش المفاهيمي ليس فقط إسقاط التاريخ الأوروبي على التجربة الإسلامية، بل المنهج الاستعلائي الذي يجعل من النموذج الغربي معيارًا للقياس، ومن التجربة الأوروبية الأصل في كل حكم، ومن معاناة الكنيسة دليلاً يُعمَّم على غيرها من الأديان.

مفهوم الدّولة الدّينية في السياق الغربي

الدولة الدينية (Theocracy) في التصوّر الغربي ليست مجرد دولة تستند إلى دين، بل هي بنية حكم تقوم على فكرة أن الحاكم هو ظلُّ الإله في الأرض، أو مفوضٌ منه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن السلطة الحاكمة هي تعبيرٌ عن الإرادة الإلهية، لا يجوز نقدها أو محاسبتها، لأنها فوق البشر.

وقد مثّلت الكنيسة في أوروبا خلال القرون الوسطى هذا النموذج الثيوقراطي، فاستأثرت بالحق الحصري في تفسير الوحي، وأممت الغفران، ومنحت صكوكه، واحتكرت المعرفة، وأقصت العقل، وسجنت العلم، واضطهدت المفكرين، وكرّست القهر باسم السماء، ولذا كانت الثورات على “الدّولة الدينية” في الغرب ثورات على الاستبداد باسم الله تعالى ابتداء لا على الدّين نفسه، وإن انتهت للأسف إلى علمنةٍ مفرطةٍ أخرجت الدين من كلّ دائرة من دوائر الحياة العامة.

وحين يُلوِّح الخطابُ المعاصر بمصطلح “الدولة الدينية”، فإنه لا يستدعي المفهوم من فراغ لغوي بريء، بل يُحمّله إرثًا غربيًّا ثقيلاً، يعبق بدخان محارق محاكم التفتيش، وصليل الصراعات بين التاج والكنيسة، وصرخات الفلاسفة والعلماء الذين أُحرقوا باسم الرب!

فالثيوقراطية (Theocracy) التي اشتُقّ اسمها من مقطعين يونانيين (ثيو: إله، قراط: حكم)، تعني: نظامًا يُعترف فيه بالله رأسًا للدولة، وتُسنّ فيه القوانين وتُفسَّر باسم إرادة الإله، بواسطة طبقة كهنوتية تُمثّل هذا الإله في الأرض، وقد عبّرت الموسوعة الكاثوليكية عن هذا النموذج بأنه امتصاصٌ للدّولة من قِبَل الكنيسة، أو على الأقل خضوعها التّام لسيادتها، وبموجب هذا التصور، تماهت السّياسة مع اللّاهوت، وصار الحاكم يُتَوَّج بتفويض كنسي، ويُطاع باعتباره ظلّ الله في الأرض.[5]

وقد تجسّد هذا النموذج في أحلك صوره في أوروبا القرون الوسطى، حيث تحوّلت الكنيسة إلى سلطة مطلقة في الدّين والدنيا، تعيّن الملوك وتعزلهم، وتمنح “صكوك الغفران” أو تُلقي بالمعارضين في أتون الجحيم! فأصبح الحاكم لا يستمد شرعيته من إرادة الشعب، ولا من عقد اجتماعي، بل من “الحقّ الإلهي” المزعوم، الذي يجعل طاعته من طاعة الرب، ورفضه كفرًا يستوجب التنكيل.

لقد حوصرت العقول، وأُحرقت الكتب، وذُبِح العلم تحت أقدام الكهنوت؛ جاليليو جُرَّ إلى المحاكمة لأنه قال بدوران الأرض، وجوردانو برونو أُحرق حيًّا لأنه وسّع أفق الكون، والعلماء عاشوا في رُعبٍ دائم، لأن الحقيقة محجوزة باسم الرب في دهاليز الكنيسة، وكان الشعار الثائر الذي عبّر عن تلك المرحلة: “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس!”

في تلك الأجواء القاتمة، نشأ مصطلح “الدّولة الدينية” ليس بوصفه تعبيرًا عن فقهٍ روحي أو نظامٍ إيماني بل بوصفه رديفًا للاستبداد باسم الإله، ومرادفًا لمصادرة العقل والضمير لصالح طبقة رجال الدين التي نصّبت نفسها حارسةً للسماء ومُحتكرةً للحق.

وهنا يكمن الخطر الكبير في استيراد المصطلح إلى المجال الإسلامي دون تحرير؛ إذ يُظنّ أن كل دولة تتخذ من الوحي مرجعية، هي دولة كهنوت وقهر، وأن كل مشروع إسلامي في السياسة هو نذير بعودة الاستبداد، وأن الإسلام نفسه لا يختلف عن لاهوت العصور المظلمة.

بينما الحقيقة أن الإسلام، منذ لحظته التأسيسية، رفض السلطة الدينية بالمعنى الكهنوتي، وجعل العلاقة بين العبد وربه مباشرة بلا وسائط، بل هدم مبدأ “السّلطة المقدّسة” من أساسه، وقد عبّر الشّيخ محمد عبده عن ذلك حين قال:

“هدم الإسلام بناء السلطة الدينية، ومحا أثرها حتى لم يبقَ لها اسمٌ ولا رسم، ولم يجعل لأحدٍ بعد الله ورسوله سلطانًا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه؛ ثم يقول: الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة، ثمّ يتابع القول: ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج “كراتيك” أي سلطان إلهي؛ فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله، وله حق الأثرة بالتشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى الإيمان، فليس للمؤمن ما دام مؤمنًا أن يخالفه، وإن اعتقد أنه عدو لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق على ما يعرفه من شرائعه؛ لأن عمل صاحب السلطان الديني وقوله في أي مظهر ظهر هما دين وشرع، هكذا كانت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى”[6]

إنّ الدولة الدينية بهذا المفهوم الغربي ــ الثّيوقراطي القمعي الكنسي ــ لا وجود لها في التراث السّياسي الإسلامي، لا في نصوصه ولا في تاريخه الراشد، والإسلام، وإن جمع بين الدين والدولة، فإنه لم يخلط بين الوحي والاستبداد، ولا بين الطاعة والعصمة، بل جعل الأمة مصدر السلطة، والشورى أساس الحكم، والعلم ضمانة الاجتهاد، والعدل مناط الشرعية.

غير أن أخطر ما في هذا التشويش المفاهيمي ليس فقط إسقاط التاريخ الأوروبي على التجربة الإسلامية، بل المنهج الاستعلائي الذي يجعل من النموذج الغربي معيارًا للقياس، ومن التجربة الأوروبية الأصل في كل حكم، ومن معاناة الكنيسة دليلاً يُعمَّم على غيرها من الأديان. وهكذا تتحول “الدّولة الدّينية” إلى شبحٍ جوّال، يُسلّط على الإسلام بلا تحقق، ويُستدعى عند كل حديث عن الشريعة لابتزاز الوعي الجمعي وتحذيره من خطرٍ لا يسكن في تراثه.

والأشدُّ إدهاشًا أن هذا التلبيس يحدث رغم أن الإسلام، منذ اللحظة التي بايعت فيها الأمةُ أبا بكر على السمع والطاعة بالمعروف، قد أسّس لنظام سياسي يخلو من أي سلطة “مقدسة” على الإيمان، بل فتح المجال أمام المحاسبة، والنقد، والبيعة، والخلع.

إنّ الخليفة الأول في الإسلام لم يُتوَّج على كرسيّ كما تُوِّج الملوك في الكنائس، بل قال قولته الخالدة في خطبته الأولى التي أعلن فيها بيانه السياسيّ ومنهجه في الحكم: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”[7]، وهي قاعدة في نفي العصمة السياسية، لا تملك أوروبا لها نظيرًا في قرونها الوسطى.

ثمّ إن الإسلام حين ربط الحكم بالشريعة، لم يجعل من الشريعة وسيلةً لاستعباد الناس، بل جعل منها ميزانًا لمحاسبة الحاكم، وحصنًا للضعيف، وسقفًا على الجميع، لا ملك لأحد أن يتفرّد بتفسيره دون علم أو شورى؛ ففي الإسلام، الوحي مُبلَّغ لا مُحتكر، والشريعة مُبيَّنة لا مُختطَفة، والعالم شارحٌ لا مشرّع، والمجتهد مقيَّد لا مطلَق، بينما الدّولة الدّينية الكنسية جعلت رجال الدين خُزّانًا للوحي، ومفاتيح للجنّة، وسدنة للنّص المقدس، لا يُناقَشون ولا يُساءَلون.

إنّ الدّولة الدينية الغربية قامت على ثنائية “الله أو الإنسان”، فجاءت العلمانية لتنتصر للإنسان على حساب الإله، أما الإسلام، فقد أقام مشروعه السياسي على تحرير الإنسان باسم الله تعالى لا إخضاعه باسمه؛ فجعل من الإيمان حريةً، ومن العبادة اختيارًا، ومن الطاعة عقلًا، ومن السلطة تكليفًا لا تشريفًا، ومن الشورى نظامًا لا زينة.

لقد كان الإسلام ــ بمقابل كل هذا ــ هو الدين الوحيد الذي رفض “السلطة باسم الله” و”الطّغيان باسم القداسة”، فأسّس لعلاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم، قوامها التعاقد والرقابة والنصيحة والنقد، ولم يعرف تاريخ الإسلام الراشد حرقًا لفيلسوف، ولا محاكم تفتيش، ولا عذابًا لعلماء الفلك، ولا قمعًا منهجيًّا للضّمير تحت اسم العقيدة الرسمية.

ولهذا فإنّ من أكبر الكبائر المعرفية أن تُساوى الدولة الإسلامية الحقة ــ التي بُنيت على الاستخلاف والشورى والعدل ــ بالدولة الثّيوقراطية الغربية التي قامت على التسلط والتحريف والإرهاب الروحي؛ فالتوحيد الإسلامي ذاته يهدم الثيوقراطية من أصلها، لأنه يجعل الربَّ ربًّا وحده، والحاكم عبدًا، والأمة شاهدةً لا منقادة بلا بصيرة.

جوهر الدولة الإسلامية وخصوصيتها البنيوية

الدولة الإسلامية ليست ثيوقراطية ولا علمانية، بل هي صيغة مخصوصة تستقي مشروعيتها من مرجعية الوحي، وتؤسّس علاقتها بالمجتمع على مبادئ الشورى والمحاسبة والعدل وسيادة القانون الإلهي.

الدولة الإسلامية ليست ثمرةَ نظرية مستوردة، ولا انعكاسًا لتجربة كهنوتية مأزومة، بل هي هدايةٌ ربانيةٌ رحيمة، تُنير الروح، وتُعلي القيم، وتُقيم العدل، وتؤسّس في آنٍ واحدٍ لمعمار روحي وتشريعي ومؤسسي يحفظ للإنسان كرامته، ويقود الجماعة نحو التزكية والعمران.

لقد وضع النبيّ صلى الله عليه وسلّم قواعدها الكبرى، وأسّسها على الجمع بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، وشرع للأمة الاجتهاد فيها بحسب تغيّر الزمان والمكان؛ فالإسلام حين يُنَظِّم الحكم، لا يُجمده على صورة واحدة، بل يحرّره بمبادئ ثابتة، ويترك لفقه الزمان أن يُبدع في الآليات والصيغ.

وقد دلّت سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم نفسه ثم الخلفاء الراشدين من بعده على أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على نصوصٍ ناظمة، ومقاصد جامعة، ومبادئ مركزية، في مقدّمتها: نصبُ الإمام بالاختيار الحرّ، ومبايعته على السمع والطّاعة في المعروف، والتزامه بالعدل وتنفيذ الشرع، ومساءلته من قبل الأمة، ومحاسبته أمام الله تعالى وخلقه، وعزله إن أخلّ بالعقد الذي ربطه بالأمة، فهو ليس إلا وكيلاً عنها، أجيرًا عندها.

بل إنّ الحاكم المسلم لا يكون صالحًا بمجرد انتمائه للإسلام، بل بقدر ما يحقق من قيمه في واقع الناس؛ فالعبرة ليست باسم الدولة، ولا بهوية الحزب، ولا بلحية القائد، وإنما بما يُنجَز من عدل، وما يُحمى من كرامة، وما يُصان من دماء، وما يُطبَّق من أحكام وفق علمٍ وشورى ومصلحة راجحة

وقد كان عصر النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين بعده هو النموذج الذي ينبغي أن يُحتذى من حيث المبادئ والأسس التي نُسج بها ذلك الكيان السياسي الرسالي، ثم حين تطوّر التاريخ الإسلامي، ودخلت الوراثة بدل الشورى، والغلبة بدل الاختيار، لم يُعدم المسلمون مع ذلك الحرص على مقاصد الخلافة وهي إقامة الشرع، ونشر الدين، وردّ العدوان، وتحقيق العدل، وتعظيم الحرمات، حتى في ظلّ ضعف الآليات السياسية.

ولقد مثّلت الخلافة ــ رغم ما طرأ عليها من ضعف وشوائب ــ وحدةً سياسية كبرى للمسلمين، وجدارَ حماية لكيانهم، فظلّت قائمة بأدوارها الكبرى حتى سقوط الدولة العثمانية، التي وإن لم تُنشأ على البيعة الكاملة، فإنها جسّدت في وعي المسلمين شكلًا رمزيًّا لمركزية الخلافة، فاستمدّت شرعيتها من الدفاع عن الأمة وحراسة ثغورها.

غير أن الحرب على الخلافة لم تكن فكرية فحسب، بل كانت حملةً منظّمة، غذّتها الهزيمة الحضارية، ورعتها القوى الاستعمارية، وروّج لها دعاة التغريب، حتى تسلّل إلى الوعي الجمعي تصورٌ مشوَّه عن الحكم الإسلامي، وعُرِّف بـ”الدولة الدينية” الثيوقراطية، بما لها من تاريخ أسود في أوروبا، وكأن الإسلام أقام حكم الكهنة، وفرض على الناس وساطة رجال الدين، وهي تهمةٌ باطلةٌ جملةً وتفصيلًا.

إن الدّولة الإسلامية، حين تُعرض كما هي، تتجلّى بوصفها نموذجًا متميّزًا لا ينتمي إلى الثيوقراطية التي تلغي الأمة باسم التفويض الإلهي، ولا إلى العلمانية التي تنكر على الدين هدايته للحياة، بل هي دولة الشورى، دولة البيعة، دولة النصيحة، دولة القانون الشرعي، دولة الإنسان المكرّم الذي يُحكم بشرع الله لا بهوى البشر.

وإنّ من أعظم ما يميّز الدولة الإسلامية عن غيرها من نماذج الحكم، أنها لا تنطلق من صراع الإنسان مع المقدّس، ولا من تمرّده على الكنيسة، ولا من كوابيس الاستبداد الديني، بل تنطلق من رؤية قرآنية لله والإنسان والكون، تجعل الحاكم محكومًا بالشريعة، وتجعل الأمة شريكة في السلطة، شاهدة على الحاكم، لا رهينة لهيبته.

فهي دولة لا تستند إلى الوحي بوصفه نصًّا جامدًا، بل بوصفه روحًا مرشدة، ومقصدًا هاديًا، وميزانًا للعدل بين الناس، وهذا ما يفسّر كيف كانت “الشورى” فريضة في أصل البنية السياسية، لا منحة من الحاكم، وكيف كانت “البيعة” عقدًا مشروطًا، لا طقسًا شكليًّا، وكيف لم تكن السلطة في الإسلام مصونة عن النقد، ولا منزّهة عن العزل، بل محكومة دومًا بقيمتيْ العدل والمحاسبة.

وفي عمق البنية الإسلامية للدولة، نجد أن الشرعية ليست مجرّد “تفويض من الله”، بل هي “تحقّق عملي لمراد الله في العدل والتقوى”، فالحاكم لا يُطاع لذاته، ولا يملك “حقًّا إلهيًّا”، بل هو أجير في وظيفة، ومكلّف بتحقيق المقاصد العليا للشريعة، ومن ثمّ، فإن مفهوم “السيادة” لا يُمنح لفرد، بل يُعطى للشريعة ذاتها، باعتبارها التعبير الأمثل عن إرادة الله تعالى في تنظيم الحياة، بينما يبقى الحاكم خاضعًا لسلطانها، لا متسلّطًا باسمها.

إنّ خصوصيّة الدّولة الإسلامية تكمن في أنها تدمج بين القداسة والمساءلة؛ فهي تستلهم من الوحي شرعيتها، لكنها تُلزِم كلّ من يتصدّر الحكم بأن يُطبّق هذا الوحي وفق فقهٍ منضبط، وضمن مؤسسات رقابية، وآلياتٍ شوريّة، ومبادئ دستورية مستمدة من الشريعة ذاتها؛ فهي بذلك تقطع الطريق على كلّ تسلّطٍ ديني أو دنيوي.

ومن هنا، فإنّ الفصل بين “الدين والدولة” في التصور الغربي لا يمكن أن يُستنسخ في السياق الإسلامي دون أن يُخلّ بجوهر الفكرة، لأن الإسلام لم يُفرّق أصلًا بين إقامة الدين وبناء المجتمع، بل جعل العدل عبادة، والحكم أمانة، والسياسة مسؤولية شرعية؛ فالفصل بين الدين والدولة في الإسلام ليس حيادًا عن العقيدة، بل انحراف عن جوهرها.

بل إنّ الحاكم المسلم لا يكون صالحًا بمجرد انتمائه للإسلام، بل بقدر ما يحقق من قيمه في واقع الناس؛ فالعبرة ليست باسم الدولة، ولا بهوية الحزب، ولا بلحية القائد، وإنما بما يُنجَز من عدل، وما يُحمى من كرامة، وما يُصان من دماء، وما يُطبَّق من أحكام وفق علمٍ وشورى ومصلحة راجحة، وهذا هو ما يجعل الدولة الإسلامية دولة “قيم” لا دولة “شعارات”، دولة “مقاصد” لا دولة “شخصنة”، ودولة “مبدأ” لا دولة “مزاج”.

إنّها ثلاثة أعمدة تنهض بها الدولة الإسلامية وتسقط بها الدولة الدينية؛ فليست الدولة الإسلامية كيانًا عابرًا وُلد من فقه الضرورة، بل هي امتداد للعقيدة، وتجسيد لعلاقة الإنسان بربّه وبالناس وبالكون، وقد قامت على ثلاثة أعمدة راسخة تمثل جوهرها العقدي والسياسي:

أولًا: الاستخلاف لا التأليه

في الدولة الإسلامية، الإنسان خليفة لا كاهن، مسؤول لا مقدّس، مُبتلى لا معصوم، فهو مستخلف في الأرض ليُقيم ميزان العدل، ويعمرها بالقسط، ويَعبد الله في سعيه وعلاقاته وسلطته، فلا أحد فوق التكليف، ولا أحد يملك الشرعية الذاتية، وهذه النظرة القرآنية إلى الإنسان ـ بوصفه كائنًا محاسبًا ـ تنقض جذور الدّولة الدّينية التي تُقيم سلطتها على أساس أن الحاكم ظلّ الله، لا عبده.

إنّ “الاستخلاف” يقطع الطريق على من يدّعي العصمة السياسية أو التفويض الإلهي، ويُؤسّس لعلاقة تعاقدية بين الحاكم والأمة، يتساوى فيها الجميع أمام الله والشرع، “هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى”[8]، فلا نسب يحكم، ولا رتبة تُعطي امتيازًا خارج التكليف.

ثانيًا: الشورى لا العصمة

المبدأ الثاني الذي تُقام عليه الدولة الإسلامية هو الشورى، وهي ليست ترفًا نخبويًّا، ولا ديكورًا سياسيًّا، بل فرضٌ قرآني ومقوّم بنيوي للحكم، “وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ”[9]؛ فالشورى هي نقيض الحكم الفردي المغلق، وهي إعلان دائم أن الرأي حقٌّ مشترك، وأن الأمة ليست قطيعًا يُساق، بل شريكًا يُستشار.

بينما في الدولة الثيوقراطية، الرأي وحيٌ يُتلقّى من طبقة الكهنوت، والنقاش كفر، والسؤال بدعة، والمخالفة هرطقة! أما في الدولة الإسلامية، فالحاكم يُقوَّم، ولا يُقدَّس، ويُسائل، ولا يُستحيا من نقده. والخليفة الأول يقولها دون تردّد: “إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”[10].

وهذه الشورى لا تقف عند النصح، بل تُنتج الشرعية، وتُؤسّس للعقد، وتضبط الحكم بميزان الأمة، فهي العمود الذي به تُفكّك الدولة الثيوقراطية من أساسها.

ثالثًا: المحاسبة لا العصمة المقدّسة

الركن الثالث هو المحاسبة، وهو جوهر عقد البيعة، حيث تُقرّ الأمة أن الحاكم مأجورٌ عندها، تُطيعه ما أقام الحق، وتخلعه إن جار وظلم. فليس في الإسلام سلطة فوق النقد، ولا أحد فوق المساءلة، ولا تشريعٌ يُسنّ خارج دائرة الشريعة.

أما الدولة الدينية، فتُقيم سلطةً تستمد شرعيتها من الوهم، وترتكز على إغلاق باب المساءلة، لأنها تفترض العصمة باسم الرب، وتُحوّل الحاكم إلى مقدّس يُطاع لأنّه “نائب الله” لا لأنّه عبدٌ لله.

وبهذا، فإن الدولة الإسلامية ليست استعادةً لثيوقراطية الكنيسة، بل هي نقيضها التاريخي والوظيفي والروحي.

إنها مشروع حضاري يرعى القيم لا يحتكرها، ويُؤطّر السلطة لا يُطلقها، ويُعظّم الحريات لا يُفرّغها، لأنها لا تحكم باسم الله في غيابه، بل تُخضع نفسها لله في حضوره؛ حضور شرعه، وقيمه، وميزان عدله.

هي دولة لا تدّعي احتكار الحق، بل تُقيم شروطه وتحتكم إليه. لا تفرض التدين القهري، بل تُمهّد دروبه بالإيمان والعدل، هي دولة لا تحكم باسم الإله، بل تخضع باسم الإله.

ومن هنا، فإنّ تسمية الدولة الإسلامية بـ”الدولة الدينية” استنادًا إلى المعجم الغربي تُعدّ خلطًا بين أنساق معرفية مختلفة، وتغريبًا للمفاهيم الإسلامية تحت وطأة إرثٍ تاريخي لا ينتمي إلى بيئتها؛ فالدولة الدينية ــ بمفهومها الثيوقراطي ــ تنهض على التفويض الإلهي المطلق، والسلطة المعصومة، واحتكار الخطاب الديني؛ بينما الدولة الإسلامية تنهض على الشرع المُنزّل، والعقد الاجتماعي، والشورى، والمحاسبة.

فلا قداسة لحاكم، ولا كهنوت في التشريع، ولا طاعة في معصية، بل الأصل أنّ السلطة مؤتمنةٌ على الشرع، لا ناطقةٌ باسمه، ومُحاسبةٌ به، لا محصَّنةٌ به.

وكل دولةٍ لا تُقيم هذا التوازن بين الوحي والحرية، بين الشورى والسيادة، بين المقصد والنظام، ليست دولةً إسلامية، ولو رفعت ألف شعار ديني.

وكل دولةٍ تُقصي الشرع باسم الحداثة، أو تُكرّس الاستبداد باسم التدين، لا تُنسب للإسلام في شيء، وإن زخرفت خطابها بنصوص الوحي.

فالدولة التي تُرضي الله تعالى، ليست تلك التي تُنسب إليه اسمًا، بل التي تخضع لشرعه وتُحقّق مراده في العمران والإنسان، وهذه ــ وحدها ــ هي الدولة الإسلامية التي ميّزها الوحي، ونقضت أصولُها كل أشكال الكهنوت السّياسي والديني.


[1] معجم مقاييس اللغة، كتاب الدال؛ باب الدال والياء وما يثلثهما، مادة دين: 2/320

[2] حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج، عبد الحميد الشرواني: ١/ ٢٠٢١

[3] التعريفات، الجرجاني: 107

[4] المصطلحات الأربعة في القرآن، أبو الأعلى المودودي: 73

[5] الديمقراطية والثيوقراطية، مهدي عادل: 4

[6] مجلّة المنار: 24/345

[7] البداية والنهاية، ابن كثير: 5/218، تاريخ الطبري: 3/210

[8] النجم: 32

[9] الشورى: 38

[10] البداية والنهاية، ابن كثير: 5/218، تاريخ الطبري: 3/210

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى