
التجربة السياسية في تاريخ المسلمين
أ. عباس شريفة
تمهيد
بقي السؤال السياسي عند المسلمين يدور حول طبيعة النظام السياسي الذي أنتجته الحضارة الإسلامية منذ فجر الإسلام إلى نهاية الدولة العثمانية: هل كان الحكم ثيوقراطيًّا يقوم على «الحق الإلهي»، أم كان نظامًا مدنيًّا تُسند فيه السلطة إلى الأمة والشورى، بحيث لا تكون السلطة معصومةً عن الخطأ، بل خاضعةً للمسؤولية والمحاسبة؟
لقد أدى الانحراف السياسي في بعض العصور إلى بروز «الوثنية السياسية» وإضفاء الألقاب المقدسة على الحاكم؛ لكن هذا الانحراف لا يعبّر عن الأصل الذي أسسه النص القرآني، الذي ينفي الوكالة والوصاية حتى عن رسول الله ﷺ على الناس؛ فقد كان الإسلام منذ فجر دعوته ثورةً على الوصاية على الأبدان بإسقاط الحكم الثيوقراطي: «وما أنت عليهم بجبار» (سورة ق). ونفى عن رسول الله ﷺ الوصاية الروحية على الأرواح، فنفى الوساطة بين العباد وبين النبي ﷺ، فقال: «فذكّر إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر» (سورة الغاشية).
لذلك يقطع الشيخ محمد عبده بأن نظام الحكم في الإسلام حكمٌ مدنيٌّ. وقد عارض كثيرٌ من مجدّدي مراجع الشيعة نظرية «ولاية الفقيه» التي جاء بها الخميني بعد الثورة الإيرانية عام 1979؛ إذ لم يرد نصٌّ في القرآن ولا في السنة ينصّ على أن السلطة محصورة في شخصٍ أو أسرةٍ أو قبيلة. لقد مات رسول الله ﷺ، ولم يثبت عنه أنه أوصى بالخلافة لفلانٍ أو فلان. وكل النصوص التي تستند إليها الشيعة في إثبات نظرية الوصية والإمامة هي نصوصٌ مؤوَّلة غير صريحة الدلالة، وظنية من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة على المعنى الذي يذهب إليه الشيعة في إثبات الوصية ونظرية الإمامة.
في هذا المقال سنعرض التجربة السياسية التاريخية عند المسلمين.
النظرية السياسية عند أهل السنة
مرّ الفقه السياسي عند أهل السنة بمرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى «الشرعية السياسية»، والمرحلة الثانية «السياسة الشرعية».
أولًا: مرحلة الشرعية السياسية المثالية
عندما توفي رسول الله ﷺ لم يجد الصحابة نصًّا يرجعون إليه للبتّ في قضية إمامة المسلمين. واختلف المهاجرون والأنصار؛ إذ طالب الأنصار بتقاسم السلطة، فقالوا: «منا أمير ومنكم أمير». فعارض أبو بكر هذا الطرح بالعودة إلى النظام الاجتماعي في جزيرة العرب، وقال لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش. فاعتمد على نظام العصبات وأهل الحل والعقد في جزيرة العرب، وعلى مكانة قريش بينهم؛ باعتبارهم في جوار الحرم وسدنته، ولأن العرب كانت تخاف من الاعتداء عليهم حتى في الجاهلية.
لقد ناقش الصحابة قضية الخلافة نقاشًا مصلحيًّا بحتًا، ولم يناقشوها نقاشًا عقديًّا أو فقهيًّا؛ ليثبتوا أيُّ الجهات أحقّ بالإمامة. حتى قال بعضهم في أبي بكر: «لقد ارتضاه رسول الله لنا في ديننا» (يقصدون بذلك تقديمه للإمامة في الصلاة)، «أفلا نرضاه لدنيانا؟».
فاعتبروا مسألة الإمامة مسألةً دنيويةً لا مدخل للنص في حسمها، إلا في أصل الشورى: «وأمرهم شورى بينهم» (سورة الشورى). وبذلك تم اختيار أبي بكر بناءً على عقد البيعة بين الرعية والإمام على شرط العمل بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
وبذلك تحقق في صدر الإسلام معنى الحكم المدني، وهو ما يتجلى في سلطة النبي ﷺ على المدينة، والفصل بين تصرفه في شؤون المسلمين بوصفه نبيًّا يوحى إليه، وبين تصرفه بوصفه قائدًا سياسيًّا يجتهد فيصيب ويخطئ. ولذلك، لما دخل رسول الله ﷺ المدينة، لم يحكم مكوّناتها الدينية والاجتماعية بناءً على بيعة العقبة وحدها، ولا بناءً على كونه نبيًّا تجب طاعته في كل شأنٍ مدني، بل كتب «الصحيفة» التي ترسم حدود العلاقات والواجبات بين المواطنين في المدينة، وتختصر معادلة الحقوق والواجبات بقولهم: «لكم ما لنا وعليكم ما علينا».
لقد تأسست الشرعية السياسية في الصدر الأول للإسلام على مبدأ الشورى، وعلى نظرية أهل الحل والعقد بوصفهم ممثلي الأمة، وعلى مركزية قريش في إسناد السلطة السياسية باعتبارها صاحبة الشوكة والاحترام والمكانة عند العرب. كما قامت على قيمة النزاهة والمسؤولية، وحفظ المال العام، وأداء الأمانة من الحاكم؛ حتى كان يمكن لامرأةٍ عجوز أن توقف عمر رضي الله عنه لتقول له: «اتقِ الله يا عمر».
لكن هذه القيم الكبرى بقيت حيةً في نفوس الناس لقرب عهدهم من النبوة وعدم احتكاكهم بالحضارات الأخرى وعاداتها السياسية في الملك والسلطان، فلم تتحول إلى مؤسسات راسخة؛ فلم تتمأسس نظرية أهل الحل والعقد في سلطةٍ تشريعية أو مجلسٍ تمثيلي للعصبات المُشكِّلة للأمة.
وبدأ الضعف البنيوي يصل إلى الخلافة الراشدة بسبب التغيرات الاجتماعية والسياسية التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي. ولعل عمر رضي الله عنه فطن إلى هذه المسألة، فقال كما جاء في صحيح البخاري: «لقد كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ولكن وقَى الله المسلمين شرَّها؛ فمن بايع رجلًا من غير مشورةٍ من المسلمين فلا يُتابَع هو ولا الذي تابعه، تغرّةً أن يُقتلا».
أي إن بيعة أبي بكر كانت مفاجئة؛ فلا ينبغي لآحاد الناس أن يفعلوا كما فعل عمر حين بايع أبا بكر قبل مشورة المسلمين. ومع ذلك يقول ابن تيمية في «الفتاوى» إن أبا بكر لم يكن إمامًا للمسلمين ببيعة السقيفة وحدها، وإنما بالبيعة العامة له في المسجد.
لذلك كان اتجاه عمر واضحًا نحو مأسسة الشورى؛ فلما حضرته الوفاة جعل الترشيح في ستةٍ من صحابة رسول الله ﷺ، وحدد نظام الشورى والبيعة للمسلمين لاختيار واحدٍ منهم.
ثانيًا: مرحلة السياسة الشرعية الواقعية
يعتقد بعضهم أن انتقال المسلمين من النظام السياسي الراشدي إلى الملك والتوارث إنما هو انحرافٌ فكري، والحقيقة أن هذا التحول كان لأسبابٍ اجتماعيةٍ ضاغطة أدت إلى ذلك. وهو ما يؤكده عبد الملك بن مروان ـ كما جاء في كتاب «سراج الملوك» ـ عندما قال: «ما أنصفتمونا يا معشر الرعية؛ تريدون منا أن نسير فيكم سيرة أبي بكر وعمر، ولا تسيرون فينا سيرة رعية أبي بكر وعمر». وهو يقصد أن تبدّل النظام السياسي إنما هو تبدّلٌ تابعٌ لما يحدث من تغير في النظام الاجتماعي، وانفتاح الناس على الدنيا، والتوسع في المال.
لقد كانت نقطة التحول في نهاية خلافة عثمان رضي الله عنه؛ إذ بدأ الخلل يتسرب إلى بنية الدولة بدخول عناصر وافدة لم تعرف الإسلام الأول. فقد أدى اتساع الفتوحات وتضخم الجهاز الإداري ودخول قوميات وعصبيات جديدة في الإسلام ـ خصوصًا من القبائل العربية التي كانت توالي فارس والروم ـ إلى اختراق النظام الاجتماعي للمسلمين. ويبدو أن قبائل المناذرة وفلول المرتدين في الجزيرة العربية وفلول الدولة الفارسية التي سقطت على يد المسلمين لم يرق لهم الاستسلام لهزيمتهم أمام الإسلام، فبدأوا بالكيد للمسلمين من داخلهم. لذلك أرادوا ضرب عصبة قريش من داخلها بإشعال صراعٍ أمويٍّ هاشميٍّ، وكان من مظاهره قتل عثمان رضي الله عنه. وفعلاً كان لهم ما أرادوا، بعد أن حاصروا بيته وحاولوا إكراهه على خلع نفسه من الخلافة بحججٍ واهية، واتهامه بتولية الأقارب من بني أمية، مع أن كثيرًا من الولاة الأمويين إنما ولاهم عمر رضي الله عنه.
لقد أدى مقتل عثمان إلى انقسام المسلمين بين حزب طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، وبين علي بن أبي طالب الذي بويع بالخلافة بعد عثمان، وبين أهل الشام بقيادة معاوية. ودخلت هذه الأطراف في حربين أدّتا إلى ظهور اختراقٍ كبير في جيش علي رضي الله عنه: من الخوارج الذين كفّروه وقتلوه، ومن قتلة عثمان الذين تخفّوا في جيشه بالكوفة، ومن السبئيين الذين أشعلوا الفتنة. وانتهى الأمر بعام الجماعة والصلح بين الحسن بن علي ومعاوية، لتنتقل الخلافة إلى البيت الأموي. وبدأ صراعٌ جديد بين عصبتين قويتين: المضرية والقحطانية؛ فأشغلهم معاوية بالفتوحات، وبدأ النظام السياسي يتطور تبعًا للتغيير الاجتماعي الذي حدث بعد ذلك، لتنزوي القيم السياسية الكبرى في الإسلام ـ من الشورى وتولية الأكفاء والأمناء ـ إلى تقديم من هم موضع الثقة بسبب الفتن والصراع المرير على السلطة. فقد تعرض الحكم الأموي لثوراتٍ عدة باءت بالفشل: من ثورة الحسين، إلى ثورة ابن الزبير، إلى ثورة أهل المدينة، ثم ثورة الفقهاء بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث، وثورة التوابين.
إن فشل هذه الثورات في القرن الأول الهجري عمّق الشعور لدى الفقهاء باليأس من التغيير السياسي بالقوة وعبثية الإصلاح المسلح. ومال كثيرٌ من الفقهاء ـ وعلى رأسهم الحسن البصري ـ إلى إجراء موازنةٍ فضّلوا فيها وحدة الأمة والأمن على استعادة الشرعية السياسية والشورى، والرضى بشرعيةٍ منقوصة دفعًا للمفاسد الكبرى.
وتم التنظير لهذه المرحلة فقهياً تحت قواعد: «الأخذ بأخف الضررين»، و«ارتكاب أخفهما»، و«الموازنة بين المصالح والمفاسد». وهكذا انتقل الفقه السني إلى القبول بشرعية التوريث والتغلب، وكراهية الخروج على الحاكم الظالم، وجعل الشورى مُعلِمةً غير مُلزِمة؛ لأنهم جرّبوا الثورات التي انتهت كلها إلى كوارث كبرى. وهذا أمرٌ واقعي يمكن تفهمه؛ لأن مقاصد الشريعة في النهاية هي حفظ الأنفس والأموال والدين والأعراض، وهي مقدمة على مجرد التغيير السياسي للسلطة، خصوصًا أن أغلب الخلفاء الأمويين كانوا يقومون بأمر الشريعة والدين.
الخاتمة
رغم كل التحولات السياسية التي مرت على المسلمين في تاريخهم السياسي، بقيت القيم السياسية حاضرة في سياسة الخلفاء والملوك. لكن لا يمكن النظر إلى تجربة الخلفاء الراشدين ولا إلى تجربة الخلفاء والملوك من بعدهم إلا على أنها تجربةٌ تاريخيةٌ انطلقت من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي واجهتهم، ولم تكن نتيجة اختياراتٍ فقهيةٍ وعقديةٍ مجردة؛ إذ لم يكن بالإمكان أبدع مما كان في سياقهم التاريخي الخاص. وبالتالي لا يمكن تعميم تجربة الراشدين على عصرنا إلا باستلهام القيم العليا التي تمثلوا بها، ولا يمكن استنساخ التجربة الأموية بحذافيرها، وإنما يُستفاد من واقعيتها.
فإن التاريخ يثبت دائمًا أن الواقعيين غالبًا ما ينتصرون على المثاليين في مضمار السياسة، لكن تبقى التجربة النبوية السياسية هي الأكمل؛ باعتبار أنها جمعت بين المثالية والواقعية.



