
الصِّيامُ في رمضان
من تهذيب الفرد إلى بناء الأُمَّةِ
د. إيناس محروس بوبس
ها قد أَقْبَلَ شهرُ رمضان المبارك علينا بالخير والبركات، فأَسْعَدَ القُلوبَ وأَبْهَجَ النُّفوسَ، ولَمَّ شَمْلَها وجَمَعَ شَتاتَها. فهل شعرتَ بالبَهْجَة والسرور حين جاء رمضان، أم غَرِقْتَ في شعور الخوف والقلق من تغيير النظام والروتين اليومي، وقلة النوم، والحرمان من الطعام والشراب لساعات طوية كل يوم؟!
يمثل الصيام في شهر رمضان تجربةً إنسانيةً فريدةً تتجاوز حدود الامتناع عن الطّعام والشّراب، لِتُشَكِّلَ مشروعاً تربوياً متكاملاً لإعادة صياغة الإنسان روحاً وعقلاً وسلوكاً. وتتجلّى فلسفة الصيام بوصفه عبادة تصنع الإنسان القادر على ضبط نفسه، وإدارة شهوته، وتحقيق التوازن بين الجسد والروح.
بدايةً لا بد من الوقوف للحظات عند تحرير المصطلح.
فهل من فرقٍ بين الصَّوم والصِّيَام؟
الفرق بين الصَّومِ والصِّيامِ من المسائل اللغوية الدقيقة التي تناولها أهل اللغة والتفسير، وهو فرق في الاستعمال أكثر منه في الأصل الاشتقاقي. فالأصل والجَذْرُ اللُّغَويُّ واحدٌ، ويدلُّ على الإمساك والكفّ، غير أنَّ الصَّومَ كما جاء في لسان العرب هو الإمساك عن الشيء مطلقاً،فالعرب –على سبيل المثال- تقول: صامت الريح: أي سكنت. وصام الفرس: إذا أمسك عن العلف. وصام الرجل: أي أمسك عن الكلام أو الطعام. أمّا الاستعمال القرآني للصَّومِ والصِّيام فجاء مُختَلِفاً ومُمَيِّزاً بين اللفظين، فالصَّومُ هو الإمساكُ مُطْلَقَاً كما جاء على لسان مريم عليها السلام حين قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِياً﴾ مريم: 26. والمقصود هنا هو الإمساك عن الكلام، لا عن الطعام. بينما ورد لفظ الصِّيام في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ البقرة: 183، بمعنى الصِّيام الذي نؤدِّيه بوصفه عبادة معروفة بشروطها وأحكامها في شهر رمضان، أي الامتناع عن الطعام الشراب من أذان الفجر حتّى أذان المغرب. فالفرقُ الدّلاليّ بين اللفظين يتلخّص في كونِ الصّومِ أَعَمّ، والصِّيام أَخَصّ، لكن استعمالهما في سياق الفقه يأتي غالباً بمعنى واحد.
فلسفة الصِّيام في رمضان
تُعَدُّ فلسفة الصِّيامِ في شهر رمضان من أعمق الموضوعات التي تناولها الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً، لأنها تجمع بين البعد العقدي والروحي والأخلاقي والاجتماعي.
يعيدُ الصِّيامُ ضبطَ بوصلة المسلم في هذه الحياة، فهو شهر مراجعة الذات، وإعادة تنظيم الوقت، وشهر إحياء القرآن وتجديد العهد مع الله.
تستند فلسفة الصِّيام إلى أساس قرآني واضح وصريحٍ، فقد قال تعالى في سورة البقرة/183: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والغاية من الصيام وَفْقاً للنَّصِّ القرآني هي تربية النفس وإعادة تشكيلها وهيكلتها بقالب يقوم على التقوى، فقد قرر القرآن الكريم الغاية الكبرى من هذه العبادة حين قال في ختام الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ما يدل على أن الصيام وسيلة لِغَرْسِ التقوى في بناء الفرد المسلم، لا مجرد طقس تعبدي. فالصيام ليس مَحْضَ امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو منهج إسلامي ومشروع تربوي يهدف إلى تكوين الإنسان المسلم التَّقِيّ.
ما الذي يفعله الصِّيامُ الحَقُّ بالإنسان المسلم؟
يُحَرِّرُه من العبودية للمادة، ويُدرِّبُه تدريباً عَملياً على تأجيل الرغبة والسيطرة على الشهوة وتأخير اللذة، ويُعيدُ ترتيب سلّم الأَوْلَوِيَّاتِ لديه.
- الصِّيامُ وتَحريرُ الإرادَةِ
الصِّيام أَشْبَهُ بِمدرسةٍ غايتُها بناءُ الإرادة لدى الإنسان، ومن منظور فلسفي الحرية الحقيقية ليست في إشباع الرغبات، بل في القدرة على كبحها. والصيام يربّي هذه القدرة، فيجعل الإنسان سيداً لرغباته لا عبداً لها. فأبو حامد الغزالي يرى في كتابه (إحياء علوم الدين) أن أعظم آثار الصِّيام كسر سلطان الشهوة وإضعافُ سيطرة الجسد على الروح، فيرتقي الإنسان من مستوى الغريزة إلى مستوى الإرادة الواعية، لأن الشهوة إذا استحكمت قادت الإنسان إلى التعلق بالمادة، أمَّا الصيام فَيُعِيدُ ترتيب العلاقة بين الجسد والروح، فيصبح الجسد تابعاً لا متبوعاً.
2. الصِّيامُ وبِناءُ التَّقوى
التقوى في جوهرها حالة وعي دائم بحضور الله في حياة الإنسان ومفاصِلها كلِّها، والصيام يُحقِّقُ هذا الوعي بالامتناع عن المباحات سرّاً وعلانية، فالإنسان قد يكون قادراً على الأكل خفية، لكنه يمتنع لأنه يعلم أن الله يراه. بهذا المعنى يَتَحَوَّلُ الصِّيام إلى تدريب عملي على مراقبة الذَّات وتربيتها، فينتقل الإنسان من رقابة المجتمع إلى رقابة الضمير، ومن الخوف من الناس إلى الخشية من الله.
ماذا عن البُعدِ الرُّوحيِّ للصِّيام؟
البعد الروحي للصِّيام يَشمَلُ تزكية النفس وتعريفها بحجمها الحقيقي في هذا الكون الشَّاسع، فالصائم يزهد تلقائياً بكثيرٍ من متاع الدُّنيا إذا ما تجلَّى فيه معنى الصّيام وفَهِمَ غايتَه.
يَصِفُ ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) أثر الصيام في قلب المسلم بأنَّه يَتَجَلَّى بصفاء القلب ورقة الشعور، وحضور الذكر، كما أنه يُورِثُ في النفس ليناً ويخفف من قسوتها، ويقوّي الاستعداد للذكر والتلاوة والخشوع. فالجوع في الحقيقة ليس غاية الصِّيام، بل وسيلة تَشفُّ بها الروح وترقى، فامتلاء المعدة يثقل الروح، وامتلاء البطن لا يُورِث سوى الغفلة والغرق في المادية والخضوع لسطوة الجسد. أما الجوع المنضبط فيُوقِظُ الإحساس ويُجدِّدُ الصِّلةَ بالله. ولهذا كان رمضان شهر القرآن والقيام والاعتكاف، إذ تتكامل أبعاد العبادة لتشكّل بيئة روحية متكاملة تُنظِّف القلب مما علق به من أَدْرَانِ الدنيا وتُعِيدُ تَشكِيلَه.
الصِّيامُ وبِناءُ الحِسِّ الجَمعِيِّ وتَشكيلُ الأخلاقِ الاجتماعيِّة
يظهرُ البعد الأخلاقي والاجتماعي للصِّيام في ربط الفرد بالجماعة من خلال الشعور بمعاناة الفقراء ومَنْ لا يملكون قُوتَ يَومِهم، وكَسرِ جُدران الأنانية والفردانية، وتعزيز التكافل الاجتماعي. فأثر الصيام لا يقف عند حدود الفرد، بل يمتد إلى المجتمع. والجوع الذي يذوقه الصائم يوقظ فيه الإحساس بالفقراء والمحتاجين، فينشأ في داخله حِسُّ التَّضامُنِ والتَّكافل. ومن هنا اقترنت عبادة الصيام بعبادات مالية واجتماعية كزكاة الفطر والصدقة وإفطار الصائمين. وهذا الجانب من الصيام جعل بعض المفكرين المعاصرين يصفون شهر رمضان بأنه عبادة التضامن، فالصيام يُعيد بناء الحِسّ الجماعي، ويذكّر الأمة بوحدة مصيرها.
ومن تجلّيّاتِ التَّكافل في حياة المسلم أن ترى معظم المسلمين يحرصون على إخراج زكاة أموالهم في شهر رمضان المبارك، طمعاً بمضاعفة الأجر، وتطبيقاً للتضامن الاجتماعي الذي حضَّ عليه الإسلام.
قد يقول قائل: لماذا تُسَخِّفون فلسفة الصِّيام وتُحَدِّثونَنَا عن أنَّ الصَّيامَ يجعل الإنسان يشعر بالفقراء والمحتاجين؟ ألا يشعر بهم المرءُ إلا إذا عاش تجربة معاناتهم؟ ألا ينبغي على المسلم أن يستشعر ألم المحتاجين على الدوام؟ ألا يجب عليه أن يحتويَهم ويساعدهم على مدار العام؟
إن تجربة الصّيام مختلفة، إذ تُوقِظُ الإنسان من غفلته، وتُعَرّفُهُ بالنِّعَم التي غرق بها فَاعْتَادَها حتى أَلِفَهَا وظَنَّ أنها من المُسَلَّماتِ في الحياة
الحقيقة أنّ فلسفة الصِّيام ليست بهذه السَّطحية، وإحساسنا بالآخرين من فقراء ومساكين ينبغي أن يكون حاضراً في حياتنا دائماً، لذلك أَوْجَدَ الإسلام لنا آلياتٍ وحضَّ عليها لتعزيز هذا الشعور الجَمعيِّ كالزكاة والصدقة. لكن تجربة الصّيام مختلفة، إذ تُوقِظُ الإنسان من غفلته، وتُعَرّفُهُ بالنِّعَم التي غرق بها فَاعْتَادَها حتى أَلِفَهَا وظَنَّ أنها من المُسَلَّماتِ في الحياة، فكأس الماء النظيف، وكأس الماء البارد في الصيف، قد يبدو أمراً عادياً لك، لكنه لدى غيرك من الأحلام، وسُفرَةُ رمضان البسيطة لديكَ، يَرَاهَا غيرُك ممتلئةً بما لَذَّ وطابَ وكأنَّها من مَوائِدِ السُّلطان!
ففي أثناء صومك لا بدّ أن تشتهي الطَّعام والشَّراب، ولا بد أن تَسْتَثِيرَ مَعِدَتَك روائحُ الأكل والكعك والحلويات، وأنت في نهاية المطاف تعرف أنك قادرٌ بعد المغرب على الحصول عليها، لكنْ ماذا لو شعرت بعدم القدرة مادياً؟ ترغب ولا تستطيع، طفلك يريد ويشتهي وأنت لا تستطيع تلبية رغباته وإسعاده، بماذا ستشعر حينها؟ الصِّيامُ وحده يُعرِّفُك هذا المعنى إن وَعَيت!
هل يُعارِضُ الصِّيامُ حرّيّة الفرد ويُقيِّدُها؟
على العكس تماماً، فالصيام يضبط مفهوم الحرية، ويُؤَطِّرُها في سياق الجماعة.
تُعَرَّفُ الحريَّةُ في الفلسفة الحديثة بأنها ليست أن يفعل الإنسانُ ما أريد، بل أن يستطيع أن يمتنع عمّا يريد.
والصيام في فلسفته يُقَدِّمُ نموذجاً عملياً لهذه الحرية؛ فأنت تمتنع عن المباح طَوعَاً، فكيف بالمُحَرّم؟ ولهذا جاء في الحديث: “الصَّومُ جُنّة”؛ أي وقاية للنفس من الانفلات بأشكاله كافّة.
الصِّيامُ يُعِيدُ ضبطَ بوصلة الفرد المسلم في هذه الحياة، فهو شهر مراجعة الذات، وإعادة تنظيم الوقت، وشهر إحياء القرآن وتجديد العهد مع الله، ولهذا كان النبي ﷺ – كما جاء في الصحيحين – يضاعف اجتهاده في رمضان.
خِتاماً لا بدَّ أن تنذكَّر دائماً أنَّ فلسفة الصيام تقوم على تحويل الامتناع المؤقت إلى بناء دائم، فمن اجتهد ونجح في مدرسة رمضان يخرج منها بقدرة أعلى على ضبط النفس، ووعي أعمق بحضور الله في نفسه وحياته، وشعور أقوى بالمسؤولية تجاه مجتمعه. وبِذا يبدو شهر رمضان في عينيه مشروع إصلاح سَنَوِيٍّ، يُعِيدُ للإنسان توازنه، وللأمة روحها، وللحياة معناها.



