
تحمّل الأمل
اعتاد الناس أن يقولوا: “تحمّل الألم”، لكن واقعنا اليوم يفرض علينا معنى آخر: “تحمّل الأمل”. ذلك أن بعض الناس لم يعودوا يطيقون حديثاً عن التفاؤل في زمن يفيض بالدماء والآلام، حتى صاروا يرون كل بارقة رجاء نوعاً من الوهم أو الهروب من الواقع. غير أن الأمل ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية وروحية ونفسية، وهو في حياة المؤمن عبادة قلبية لا ينفك عنها.
لقد ربط الله سبحانه بين الإيمان وبين الأمل حين قال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، ليؤكد أن اليأس من رحمة الله خيانة لعقيدة التوحيد. بل جاء التوجيه النبوي ليزرع الرجاء في أحرج اللحظات، كما في قوله ﷺ: “إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا” (رواه أحمد). الأمل إذن ليس انتظاراً سلبياً، بل فعل حياة، غرسٌ حتى لو انهار العالم من حولنا. وفي الحديث الصحيح: “يُستجابُ لأحدِكم ما لم يَعجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجَب لي” (رواه البخاري ومسلم)، وهو تربية على أن طول الانتظار مع الصبر ليس علامة على غياب الاستجابة، بل على قربها. و هذه الأحاديث و مثيلاتها تزرع فينا أن العمل المقرون بالأمل واجب حتى في أحلك الظروف. وقد أكد العلماء أن الأمل جزء من حسن الظن بالله، وهو أصل من أصول العقيدة
ومن أبلغ الشواهد التاريخية على ذلك ما وقع في غزوة الخندق. حين كان المسلمون محاصرين في بردٍ وجوعٍ وخوف، بشرهم النبي ﷺ بفتح كنوز كسرى وقيصر ورومية. يومها قال المنافقون ساخرين: كيف يعدنا محمد بفتح عواصم الدنيا ونحن لا نستطيع الخروج لقضاء حاجتنا؟ لكن تلك البشرى تحولت إلى حقيقة بعد سنوات قليلة، ليتأكد أن الأمل المقرون بالعمل والثقة بالله هو الذي يصنع التاريخ.
إن تحمّل الأمل أصعب أحياناً من تحمّل الألم؛ فالألم قد يُحتمل لأنه واقع محسوس، بينما الأمل يحتاج إلى يقين وصبر على طول الطريق، ويستلزم مواجهة سخرية اليائسين وتشكيك المثبطين.
وإذا انتقلنا من النصوص إلى العلم الحديث، نجد أن الدراسات النفسية والطبية تثبت ما نبهت إليه الشريعة من قيمة الأمل. فقد نشرت Journal of Personality and Social Psychology عام 1985 دراسة لــScheier & Carver بينت أن المتفائلين أقدر على التكيف مع الشدائد ويتمتعون بمرونة نفسية أعلى. كما نشرت American Journal of Epidemiology عام 2019 دراسة واسعة خلصت إلى أن التفاؤل يرتبط بانخفاض مخاطر الوفاة وأمراض القلب، ويزيد متوسط العمر المتوقع. أما باحثو جامعة هارفارد فقد أكدوا أن التفاؤل يعزز الإنتاجية والإبداع حتى في البيئات المليئة بالتحديات. هذه النتائج العلمية تتناغم تماماً مع ما بثّه القرآن والسنة في قلوب المؤمنين: أن الأمل ليس مجرد شعور عابر، بل طاقة تبني النفس وتدفع الإنسان إلى العمل.
إن تحمّل الأمل أصعب أحياناً من تحمّل الألم؛ فالألم قد يُحتمل لأنه واقع محسوس، بينما الأمل يحتاج إلى يقين وصبر على طول الطريق، ويستلزم مواجهة سخرية اليائسين وتشكيك المثبطين. لكنه هو الوقود الذي يجعل المؤمن يتحرك بثبات وسط الظلام.
وفي زماننا، أمام قضايا كبرى كقضية غزة، قد يميل بعضنا إلى الاستسلام لليأس تحت ضغط المجازر والخذلان، لكن الواجب أن نكون حملة الأمل. بث التفاؤل هنا ليس تزويقاً للواقع، بل إيماناً بأن وعد الله حق، وأن الفرج أقرب مما نتخيل. التفاؤل في هذه القضايا ليس كلمات عاطفية، بل مسؤولية، وعي، دعم، دعاء، عمل، وصمود. إن الأمل هنا هو صمام الأمان لئلا يتحول الألم إلى شلل، ولئلا تتحول المأساة إلى استسلام.
فلنتمسّك إذاً بالأمل، ونتحمّله مهما ثقلت تبعاته، لأنه ليس مجرد فكرة مريحة، بل عبادة، وعلم، وواجب، وطريق إلى مستقبل تصنعه إرادة مؤمنة وصابرة.



