
العدالة الربانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
قدّمنا في المقال السابق كيف أنّ الإسلام أعطى أهميةً كبرى للعدل، وبيَّنَّا في المقال السابق المواقع المختلفة التي أمر فيها الإسلام بالعدل، وأشرنا في ختام المقال إلى أنّ حديثنا في المقالات القادمة سيكون عن العدالة الربانية، والعدالة الجنائية، والعدالة الاجتماعية. وفي مقالنا هذا سنتحدث عن العدالة الربانية، وبالله التوفيق.
إنّ العدالة الربانية من أسمى المفاهيم والتصورات التي حرص الإسلام على بيانها، فهي تمثّل ميزان الحكمة الإلهية الذي ينتظم به الكون، وتستقيم به حياة الإنسان. فهي عدالةٌ مطلقةٌ لا تتأثر بالهوى، وهي حكم الله في خلقه بالحق.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49)، وأنّ الله منزَّه عن الظلم، وأنه العدل المطلق: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44).
وإنّ ما يجري في الكون هو وفق علمه وحكمته وعدله، وأنّ الإنسان مُجازى وفق عمله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164).
ومن أسماء الله الحسنى “العدل”، يقول تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18).
أين عدل الله؟
وإنّ مما شغل الناس في أمر العدل الإلهي رؤيتهم تفاوت الناس بين فقير وغني، وتسلّط الأغنياء وأصحاب السلطان والجاه، وشيوع الظلم على مرّ القرون. كل ذلك أوجد عند البعض هذا التساؤل: أين عدل الله؟
إنّ للإسلام جوابًا كافيًا ووافيًا في شأن عدل الله، فقد جاء الإسلام بمنهجه التصوري والعملي ليقرّر العدالة الإلهية المطلقة، وأنّ الله هو العدل المطلق. فهذا الكون يسير وفق سنن ثابتة: حركة النجوم والكواكب، وتعاقب الليل والنهار، ودورة الفصول الأربعة، وغيرها من السنن الكونية التي لا تحابي أحدًا، فهي سنن أزلية قائمة على عدله وحكمته وتقديره ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (الأعراف: 54)،﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ (الأحزاب: 62)،﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الفتح: 23).
فتأمل معي قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7)
وانظر كيف ربط الله السماء بالميزان؛ إن هذا الاقتران إشارة لعدله سبحانه في كونه وعدله في أرضه، وأنّ الله تعالى أقام العدل في الكون قاطبة، وفي الأرض التي تعيشها أيها الآدمي.
هل يدوم الظلم؟
أما الحديث عن السنن الاجتماعية في المجتمعات قديمًا وحديثًا، وسطوة الظلمة على مرّ العصور، فهو حديث متكرر تحكمه سنة الله تعالى بأنّ الظلم لن يدوم، وأنّ الظالم لن يفلت، وسوف ينال عقابه عاجلًا أو آجلًا، وأنّ الظلم عاقبته وخيمة.
وقد أحسن الكاتب محمود شيت خطاب حين أصدر كتيبًا صغيرًا أسماه (عدالة السماء)، أحصى فيه مجموعة من الحوادث تتحدث عن عاقبة الظلم.
وما أشار إليه العالم الجليل الدكتور محمد راتب النابلسي في إحدى محاضراته إلى بعض قصص عاقبة الظلم.
ولو كان هناك إحصاءٌ واستقراءٌ دقيقٌ لمثل هذه الحوادث لعلم الناس يقينًا بعاقبة الظلم، وأنّ الظالم لن يفلت من عقاب الله في الدنيا أو الآخرة. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42).
فاعلم أيها القارئ أنّ الله لا يقبل الظلم وحرّمه على نفسه. وفي الحديث القدسي العظيم قال الله تعالى: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا) (رواه مسلم).
وقد دونت لنا كتب التاريخ على مرّ العصور طغيان أصحاب السلطان والمال، وكيف كانوا يسيمون الناس سوء العذاب من تسخير وامتهان للكرامة وتعذيب وقتل. وهذه الصور تتكرر عبر الأزمنة. وقد ضرب لنا القرآن نماذج من هذا الطغيان، فنجد في سورة القصص ثلاثة نماذج:
نماذج الطغيان في سوؤة القصص
الأول: فرعون:﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[ القصص: 38]
( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) سورة القصص(4)
الثاني: وزراؤه وجنوده وعلى رأسهم هامان: ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾[ القصص: 39] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: 8).
الثالث: قارون: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ )(القصص: 78)، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (القصص: 79).
كيف كانت عاقية الطغيان؟
وفي نفس السورة تخبرنا الآيات عن نهاية هؤلاء الظلمة:
- فرعون وكيف أخذه الله وجنوده ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 40).
- وانظر إلى قارون ماذا فعل اللّه به ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ) سورة القصص (81)
وأختم فأقول: إنّ العدالة الربانية ليست تصورًا نظريًا فقط، بل حقيقةٌ جليّةٌ في الكون وفي شرع الله. وكلما ازداد المؤمن فهمًا لعدل ربه ازدادت طمأنينته واستقرت نفسه.
وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الرضا، وأن يلهمنا الرشد والصواب، وهو وليّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.



