المقالات

خصوصيّةُ الأيام

قراءةٌ في حديث (ألا إنّ لربّكم في أيامِ دهرِكم نفحات)

الدكتورة مجد عبد المجيد قمر

بسم الله الرحمن الرحيم

يتباين سلوك الفرد مع الزمن حسب نظرته إليه، من مجرّد وحداتٍ زمنيّة متعاقبةٍ إلى فضاءاتٍ دلاليّةٍ تشكّل وعي الفرد وتُوجه مساره.

فالفارق الجوهري بين النظرة المادية التي ترى الزمن وعاءً محايدًا للأحداث، والنظرة الإيمانية التي تستشعره محطةً للتزوّد من القيم، هو ما يُحدّد طبيعة السلوك الإنساني وغاياته.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تلك النصوص الشرعية التي تُؤكّد على وجود أوقاتً مخصوصةٍ تحمل في طياتها عطايا إلهية، تُعدّ بمثابة محطّاتٍ للتزود الروحي والمعنوي.

 ويأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّ لربّكم في أيامِ دهركم نَفَحَاتٍ، ألا فتَعَرَّضوا لها»([1]) ليشكّل مدخلاً مركزياً لقراءةٍ معمّقةٍ لعلاقة المؤمن بالزمن، وكيفية استثماره هذه اللحظات الفريدة.

وإننا إذا تأملنا مفردات الحديث وجدنا أنّ هذه النفحات عطايا ربانية للعبد للتزوّد منها إلى باقي الأيام، ويبين ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث) معناها فيقول: “ونَفْحُ الرِّيحِ: هُبُوبُها. ونَفَحَ الطِّيبُ، إِذَا فَاحَ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنْ لربِّكم فِي أيَّام دَهْركم نَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرّضوا لَهَا» .

ويشرحه المناوي في (التيسير) فيقول: “(إنّ لربّكم في أَيَّام دهركم ‌نفحات) أَي: تجليّات مقربات يُصِيب بهَا من يَشَاء من عباده (فتعرّضوا لَهَا) بتطهير القلب وتزكيته من الأكدار والأخلاق الذميمة، والطلب مِنْهُ تعالى في كلّ وقتٍ قيامًا وقعودًا وعلى الجنب، ووقت التصرف في أشغال الدنيا، فإنّ العبد لا يدري في أيّ وقتٍ يكونُ فتحُ خزائن المنن….”

لكن هل لهذه النفحات وقتٌ معلومٌ ومخصوص؟

الزمن المُبهم: الحكمة من إخفاء مواقيت النفحات

تشير الأحاديث الشريفةُ إلى خصوصيّة بعض الأيام والأوقات بعينها: مثل:

1- ساعة يوم الجمعة

كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم ‌الجمعة، فقال: (فيه ‌ساعة، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا، إلا أعطاه إيّاه). وأشار بيده يقللها.

    2- ومثل ليلة القدر، التي قال فيها الحق تبارك وتعالى: ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ(3) تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ(4) سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ(5)﴾ [القدر: 3- 5]

    3- ومثل الثلث الأخير من الليل، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (‌يتنزّل ‌ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).

     فهذه أيامٌ وأوقاتٌ مخصوصة، لا بدّ من اغتنامها بالطاعات والقربات والأدعية، لكنّ الحكمة اقتضت أن تكون ساعة الإجابة فيها مبهمةً، فإنّ هذه النفحات، وإنْ كانت متعلقةً بأيام الدهر، إلا أنّ مواقيتها الدقيقة غير مُعلَنة، بل هي “مبهمة في الأزمنة والساعات“.

    ويُحلِّل صاحب (فيض القدير) هذه القضية تحليلاً نفسياً وتربوياً رفيعاً، فيرى أنّ في إبهامها وتعمية وقتها حكمةً إلهيةً بالغةً؛ فيقول: «ووقتُ النفحةِ غير معلومٍ، بل مبهمٌ في الأزمنة والساعات، وإنّما غُيّبَ علمه؛ لتداوم على الطلب بالسؤال المتداول، كما في ليلة القدر وساعة الجمعة، فقُصِد أن يكونوا متعرضين له في كل وقت قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وفي وقت التصرف في أشغال الدنيا، فإنه إذا داوم أوشك أن يوافق الوقت الذي يفتح فيه فيظفر بالفناء الأكبر ويسعد بسعادة الأبد»

    يرى صاحب (فيض القدير) أنّ في إبهام وتعمية أوقات الاستجابة المخصوصة حكمةً إلهيةً بالغةً لتداوم على الطلب بالسؤال المتداول، كما في ليلة القدر وساعة الجمعة.

    وهذا يُنتج علاقةً ديناميكيةً مع الزمن؛ فكلُّ لحظةٍ تحمل في طياتها إمكانية أن تكون لحظةَ فتحٍ ونفحة. وبالتالي، لا وجود للزمن التافه أو المحايد في حياة المستعدّ المتعرّض؛ فجميع الأوقات تصير وسيلةً وطريقاً إلى تلك اللحظة المجهولة، مما يُضفي على حياة المؤمن ككلّ طابعَ الجديّة والاستنفار الروحي الدائم.

    وهذا المنهج ينسجم تماماً مع التوجيه النبوي في الحديث الآخر الذي أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

    « اطلُبوا الخيرَ دَهْرَكُم كلَّهُ، وتعرَّضوا لنَفَحاتِ اللَّهِ، فإنَّ للَّهِ نفحاتٍ من رحمتِهِ يُصيبُ بِها مَن يشاءُ من عبادِهِ، وسَلوه أن يستُرَ عوراتِكُم وأن يؤمِّنَ روعاتِكُم».

    و يترتّب على هذه الرؤية الاستثنائية للزمن نتيجةٌ أخلاقيّةٌ مصيريةٌ، وهي أنّ تفويتَ هذه النفحات ليس خسارةً وقتيةً عابرةً فحسب، بل هو خسارةٌ وجوديةٌ تُعدّ من أعظم الخسائر.

    وفي هذا الإطار، تأتي حكمة ابن عطاء الله السكندري لتعبّر عن هذه الحقيقة: «ما فات من عمرك لا عوض له». فالعمر هو رأس المال الحقيقي للإنسان، وما يذهب منه لا يعود. ثم يفرّق ابن عطاء الله (رحمه الله) تفريقاً بالغ الأهميّة بين نوعين من الحقوق: «حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها…».

    ويفسّر ابن عجيبة في (إيقاظ الهمم) هذا التفريق تفسيراً يضيء جوانبَه الفلسفية؛ فـ “الحقوق التي في الأوقات” هي العبادات المحدّدة بوقت، كالصلوات المفروضة، والتي يمكن قضاؤها إذا فات وقتها بعذر. أما “حقوق الأوقات بأنفسها” فهي حقُّ كلِّ لحظةٍ وزمنٍ في أن يُستغلَّ في مراقبة الله، والاشتغال بما يُقرِّب إليه حسب الطاقة والإمكان.

    وهذا الحقّ فريدٌ ولا يُعوّض؛ لأن كلّ وقتٍ له سياقه الروحي وخصوصيته، وما فات منه لا يمكن استدراكه في وقتٍ آخر، إذ “الوقت الثاني له حق مخصوص، لا يسع غيره”. فخسارةُ اللحظة المناسبة للإنابة، أو للذكر، أو للتضرع، هي خسارةٌ لتلك الحالة القلبية الفريدة التي كانت متاحةً فيها ولا تتكرر بنفس الدرجة والنقاء.

    الاستجابة العملية: منهج التعرض للنفحات

    لا تكتمل الصورة النظرية دون بيان المنهج العملي لـ “التعرض” لهذه النفحات كما أمر الحديث. والشروح تضع أُسساً لهذا المنهج يمكن إجمالها في مستويين:

    1.  المستوى الباطني (تزكية القلب): ويتمثّل في “تطهير القلب وتزكيته من الأكدار والأخلاق الذميمة” كما ذكر المناوي. فالنفحات أنوارٌ إلهية، ولا تنزل إلا على قلبٍ مُهيّأٍ صافٍ، خالٍ من الحقد والحسد والغرور، مُتخلٍّ عن العلائق التي تحجب عن الله.
    2.  المستوى الظاهري (دوام الطلب والعمل): وهو أن يكون العبد دائماً في حالة طلبٍ وسؤالٍ، وفي حالة عملٍ صالحٍ. فالتعرُّض ليس انتظاراً سلبياً، بل هو استعدادٌ فعليٌّ بالجدِّ في الطاعات، والإكثار من النوافل، والمداومة على الذكر، والانشغال بما يُرضي الله تعالى في جميع الأحوال.

    ساعاتُ العمر محصورةٌ بالعدّ، فما ظنّكم بعمر تفنيه الأنفاس بمرورها والأيام والليالي بكرورها، كيف يلهو صاحبه بلذات نفسه عن ذكر مماته وحلول رمسه؟

    وهذا المعنى يُجسده قولُ ابن الرّسام الحنبلي في (عقد الدرر واللآلي في فضائل الشهور والأيام والليالي): «عباد الله اعلموا أنّ الأعمارَ مقدرةٌ بالشهور والأعوام، والبقاء في الدنيا يفنيه مرور الليالي والأيام، فساعاتُ العمر محصورةٌ بالعدّ، وأوقاتُ الحياة معلومة بالحد، فما ظنّكم بعمر تفنيه الأنفاس بمرورها والأيام والليالي بكرورها، كيف يلهو صاحبه بلذات نفسه عن ذكر مماته وحلول رمسه» (2، 824)

    خاتمة

    يُقدّم الحديث السابق مع شروحه رؤيةً كونيةً عميقةً تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن. فهو يُحوِّل الأيام من أرقامٍ على التقويم إلى ساحةٍ للرحمة الإلهية ، ويجعل من الدهر كلِّه مدرسةً للترقّب والاستعداد.

    وإنّ إبهامَ مواقيت هذه النفحات يُعدّ من أعظم المنح التربوية؛ إذْ يصوغُ شخصية المؤمن على الدوام والاستمرار، ويسلبه عذر الكسل بحجة أنّ وقت الجدّ لم يحن.

    والخسارة الحقيقية، كما بيّنت الدراسة، ليست في ضياع الأوقات فحسب، بل في تفويت تلك اللحظات الفارقة التي قد تكون مفاتيحَ للفلاح الدائم. وعليه، فإن الدعوة إلى “التعرض” تصبح برنامجاً حياتياً شاملاً، يجمع بين الجهاد الباطني في تزكية النفس، والجدّ الظاهري في ملء الوقت بالعمل الصالح، سعياً وراء نفحةٍ من نفحات الرحمن، “فلا يشقى بعدها أبداً”.

    الدكتورة مجد عبد المجيد قمر


    ([1]) أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط والكبير عن محمد بن مسلمة

    ghirascenter1

    مقالات ذات صلة

    زر الذهاب إلى الأعلى