النَّظَرُ الثَّاني… أثرُ التفكير النقدي في حيوية الحضارة الإسلامية ونهضتها
د. إيناس محروس بوبس
للحضارات عقلٌ كما للأفراد عقول، وحياتها بمقدار ما يبقى في ذلك العقل من قدرة على المراجعة والتمييز وإعادة وزن الأشياء بعد أن يطول عليها الأمد، فما يلبث الجواب الذي وُلد في لحظة اجتهاد حيّ أن يتحول مع القرون إلى عادةٍ ذهنية، ثم تكسوه مهابة القِدَم، ثم يأتي جيل يجد النتيجة أمامه ويغيب عنه الطريق الذي عبَرَتْه، فيرث القول وقد فاته السؤال، ويحفظ الثمرة وقد انقطع عن الجذر الذي أنبتها؛ والحضارة في ساعة عافيتها تحفظ ما انتهى إليه السابقون، ثم تحفظ إلى جواره حق اللاحقين في أن يعيدوا النظر، فالمعرفة التي صنعتها العقول الكبيرة كانت ثمرة نَظَرٍ وتمحيص، وأوفى الناس لتلك العقول أولئك الذين ورثوا عنها شجاعتها في النظر قبل القول.
ولهذا كانت العملية النقدية في بناء النهضة أوسع من مهارة في الجدل وأعمق من تدريب ذهني على كشف المغالطات؛ فهي خُلُقٌ حضاري يجعل الأمة قادرةً على رؤية نفسها كما ترى غيرها، وقادرة على محاكمة تجربتها كما تحاكم تجارب الآخرين، وعلى تمييز المقدس من الوَضْعِ البشري، وقادرة على التفريق بين العلم والعالم، وتمييز المذهب من رجاله، والتجربة من أصحابها؛ فإذا استقامت هذه الحدود بقي الوحي في مقام الهداية العليا، وبقي العقل البشري في مقام الاجتهاد والمراجعة، وبقي العلماء أعلامًا يُهتدى بعلمهم، ويُستأنف النظر من حيث بلغوا.
ولعلَّ أجمع اسم لهذه الآلية من النظر والتفكير هو النّظر الثّاني؛ فالعقل يتلقى في نظره الأول ثم يعود في نظره الثاني ليمتحن ما تلقاه، ويقرأ النص ثم يقرأ سياقه ودليله ومآله، ويرى الحدث ثم يبحث عن القانون الذي أنشأه وحين يعرف الجواب يعود إلى السؤال الذي وُلد منه ذلك الجواب حتى تصبح المعرفة قادرةً على تصحيح ذاتها، وتظلّ الحضارة مفتوحةً على المزيد من الفهم.
والحضارات تدخل عمر الشيخوخة يوم تتحول أجوبتها القديمة من مادة للنظر إلى سقف للنظر، فيصبح السؤال سوء أدب وتغدو المراجعة تشكيكًا، ويمسي نقد العالم انتقاصًا منه، ونقد المؤسسة عدوانًا عليها، وتزداد المكتبة حجمًا بينما يضيق العقل الذي يدخل إليها.
كان ابن الهيثم من أصفى من عبّر عن هذا الخلق العلمي، إذ تكلم في مقدمة كتاب (الشكوك على بطليموس) على آفات العلماء وما يعرض للبشر من النقص، ثم قال: “فالواجب على الناظر في كتب العلوم إذا كان غرضه معرفة الحقائق أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه”، ومضى في السياق نفسه يوصي الباحث باتهام نفسه أيضًا وهو يعترض ويفحص، فكأنه أقام العقل بين خصمين؛ هما الكتاب الذي يطالبه بالبرهان والنفس التي يطالبها بالإنصاف.
يقول الغزالي: الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال
وما أعمق أن تبدأ صناعة العلم من هذا الموضع؛ فالعالم الكبير يأخذ قدره حين يُقرأ قراءةً كبيرة، والقراءة الكبيرة تمضي إلى حجته وتفحص بنيانها، وتتابع الطريق بعده فتضيف إلى صوابه وتكشف موضع خطئه، لأنّ العلم نهرٌ يمرّ بالرجال ويبقى ممتدًا بعدهم، والحضارة التي أنجبت ابن الهيثم كانت ترى احترام العالم في مناقشته، وترى الوفاء للعلم في استئناف مسيرته؛ والنقد الذي يضع الموروث تحت السؤال يكتمل حين يضع الناقد نفسه تحت السؤال ذاته، فالغرور بالجديد يستطيع أن يحجب العقل كما يحجبه الغرور بالقديم.
وقد عبّر الغزالي عن حركةٍ قريبةٍ من هذه حين جعل الشك باعثًا على النظر، فقال في خاتمة (ميزان العمل): “الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال”. والشك في هذه العبارة حركة عقل تبحث عن اليقين وقلق معرفي يدفع إلى الفحص ويخرج المرء من طمأنينة التقليد إلى طمأنينة البرهان؛ فالنهضة تحتاج عقلًا يملك الجرأة على أن يقول للمألوف: “أعد تقديم حجّتك”، ويملك في الوقت نفسه صبرًا للوصول إلى الحق بعد التمحيص.
والعقل الذي ورث جوابًا يحتاج أن يرث معه حق إعادة السؤال؛ فالأمم التي تتناقل النتائج وحدها تورث أبناءها ألفاظ العلماء، أما الأمم التي تتناقل مَلَكَةَ النظر فتورثهم العقل الذي صنع تلك الألفاظ.
وأما ابن حزم فقد دخل إلى العملية النقدية من بابٍ دقيق؛ هو باب الإنصاف، فقال في (الأخلاق والسير): “من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه”. وهذه كلمة تتجاوز أدب المناظرة إلى بنية المعرفة نفسها؛ فالإنسان يرى الحجة من موقعه، ويصنع الانتماءُ حول العين طبقة خفية من الميل، وقد يحسب المرء نفسه موضوعياً يحاكم الأقوال بميزانٍ واحد، بينما تمنح نفسه قول الصديق من الأعذار ما تحجب مثله عن الخصم أو الطرف الآخر.
والناقد الحضاري يقدر على الدخول إلى منطق مخالِفه، ويفهم حجته من داخلها، ويمنحها أقوى صورة يمكن أن تبلغها، ثم يزنها. فالنقد الذي يعجز عن رؤية القضية بعين صاحبها يوشك أن يتحول إلى هجاء متعلم، والعملية النقدية التي تفقد الإنصاف تستبدل عصبية بعصبية، وتجعل لذة الانتصار للرأي فوق لذة الوصول إلى الحق.
ولابن حزم كلام آخر يمسّ صميم النهضة المعرفية فقد قال في (مراتب العلوم) ضمن رسائل ابن حزم: “من اقتصر على علمٍ واحدٍ لم يطالع غيره أوشك أن يكون ضحكة”، ثم وصف العلوم بأنها “درج بعضها إلى بعض”. وقد أدرك أنّ المعرفة شبكة متساندة وأنّ العلم الواحد يزداد انكشافًا كلما عرف صاحبه ما يتصل به من العلوم لأنّ الإنسان والمجتمع والتاريخ أوسع من أن يفسرها مفتاح واحد.
فالنهضة تحتاج عقلًا متعدد النوافذ؛ والحضارة أكبر من أن يحمل مفاتيحها علمٌ منفرد، وقد يصيب الفقيه قطعة من المشهد بعين الفقه ويصيب السياسي قطعة بعين القوة، ويصيب الاقتصادي قطعة بعين المصلحة، ويصيب عالم النفس قطعة بعين الدوافع، ثم تأتي الكارثة حين يجعل أحدهم قطعته صورة العالم كلها، فالعملية النقدية تردّ كلّ علم إلى قدره ثم تجمع العلوم حول الظاهرة حتى يستقيم لها وجهها المركب.
وقد كان الجاحظ شديد الوعي بمعنى التراكم المعرفي فرأى الكتب خزائن تجارب تختصر للمتأخر أعمار المتقدمين، وقال في (رسائل الجاحظ): “ينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا سبيل من قبلنا فينا”، وهي عبارة تحمل تصورًا بالغ العمق للتراث؛ فالسابق يسلم اللاحق ما انتهى إليه كي يبدأ اللاحق من ذلك الموضع ويزيد عليه من تجربة عصره، ثم يسلمه إلى جيل آخر وقد صار أوسع وأغنى.
والتراث بهذا المعنى نقطة ارتفاع يجلس الجيل فوق ما بناه آباؤه فيرى مدى أبعد؛ وأمانة التراث أن يصل إلى الأبناء حيًا قابلًا للزيادة، وأن نسلمه إلى الجيل القادم وقد أضفنا إليه من زماننا كما أضاف السابقون إلى ما ورثوه، وكل نهضة تحتاج ذاكرةً للحفظ وعقلًا للنقد؛ فالذاكرة وحدها تصنع متحفًا، والنقد وحده يصنع قطيعة واجتماعهما يصنع حضارة، والحضارة الحية تقرأ كتبها بالقلم وتكتب على هوامشها أسئلة جديدة لأنّ الهامش الذي يكتبه الابن امتداد للمتن الذي كتبه الأب.
وقد كان الكندي ينظر إلى المعرفة بعين تتجاوز حدود الأمة واللغة، فقال في (الفلسفة الأولى): “ينبغي لنا أن لا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى”، ثم جعل من وظيفة المتأخر “تتميم ما لم يقولوا فيه قولًا تامًا”، وفي هذه الكلمة ثلاث مراتب من العقل الحضاري؛ معرفة ما عند الآخرين، وأخذ الحق الذي بلغوه، ثم تجاوز مقام الأخذ إلى مقام الإضافة.
العقل المستهلك يسأل عن الموقف من حضارة الآخر، والعقل الباني يسأل عمّا يستطيع أن يتعلمه منها ثم عمّا يستطيع أن يضيفه إلى المعرفة الإنسانية بعدها، والمسافة بين السؤالين هي المسافة بين أمة تستقبل التاريخ وأمة تدخل شريكة في صناعته.
ويجيء ابن رشد فيقرر هذا المعنى بعبارةٍ تكاد تكون دستورًا للتفاعل الحضاري فقال في (فصل المقال): “فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه”، فهو عقل يملك من الثقة ما يسمح له بالتعلم، ومن المرجعية ما يسمح له بالفرز، ومن الإنصاف ما يسمح له بشكر من أصاب، ومن الاستقلال ما يسمح له بتجاوز من أخطأ؛ فيدخل مكتبة الآخر طالبًا للحقيقة ثم يزن ما يجد ويأخذ ويهضم ويعيد التركيب ويضيف.
أما البيروني فقد جعل الإنصاف نفسه منهجًا في دراسة الحضارات، فقال في (تحقيق ما للهند): “إنما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه”. وهذه العبارة الصغيرة تحمل خُلُقًا علميًا عظيمًا؛ أن تمنح الفكرة حقها في أن تُفهم كما يفهمها أصحابها، وأن يدرس الباحث الناس من داخل لغتهم ومصادرهم ومفاهيمهم ثم يبدأ التقويم بعد اكتمال الصورة.
فابن حزم يطلب من الناقد أن يتوهم نفسه مكان خصمه، والبيروني يطلب منه أن يورد كلام الخصم على وجهه، وبين الرجلين تتكون قاعدة رفيعة في النقد؛ وهي فهم القول في أقوى صورة يستطيعها ثم وزن تلك الصورة نفسها، وكل أمة تريد بناء عقل نقدي في عصر صاخب بالروايات المتصارعة تحتاج إلى هذا الخلق، لأنّ كثيرًا من الخصومات يبدأ من نقد فكرة صنعتها مخيلة الخصم أكثر مما يبدأ من نقد الفكرة التي يقول بها صاحبها.
وأما المحدثون فقد نقلوا الحسّ النقدي من مقام الخلق الفردي إلى مقام الصناعة العلمية الدقيقة، وكان من كلام علي بن المديني: “الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه”، وهي عبارةٌ تلخص منهجًا كاملًا في جمع المادة ومقارنة الروايات والنظر في اختلاف الطرق ومعرفة مواضع الوهم، فالحقيقة قد تظهر عند تقاطع الشهادات، والخطأ قد يختبئ داخل رواية ظاهرها السلامة حتى توضع بجوار بقية الروايات.
وهذا ميراثٌ نقدي بالغ القيمة للعقل المعاصر؛ فَكم من حكم سياسي أو فكري أو اجتماعي يُبنى على خبر واحد أو مشهد مبتور أو شاهد منفرد ثم يعلو اليقين فوق مقدار الدليل، بينما منطق المحدثين يطالب بجمع الطرق وموازنة الناقلين وتتبع مواضع الاختلاف ثم إنضاج الحكم على مهل، فالعين التي تقرأ شاهدًا واحدًا ترى أقل من العين التي تجمع المشهد كله.
وعند ابن خلدون تنتقل العملية النقدية إلى مستوى أوسع، إذ يصبح موضوعها بنية التاريخ والحضارة، فقال في مقدمة تاريخه إنّ علم التاريخ يحتاج إلى: “مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلّات والمغالط”، ثم جعل الخبر معروضًا على طبائع العمران وأصول السياسة وقواعد الاجتماع.
وبذا نرى أنّ السؤال عنده تجاوز حدود (من روى؟) إلى سؤال أشدّ نفاذًا: كيف تسمح بنية المجتمع بوقوع هذا؟ وما الذي تقوله قوانين العمران عن إمكان هذه الرواية؟ فيدخل الاقتصاد والعصبية والملك والجغرافيا والعوائد والاجتماع في فحص الخبر، ويصبح التاريخ مختبرًا للسنن بدلًا من أن يبقى مخزنًا للحوادث.
والنهضة الإسلامية تحتاج إلى هذا العقل الخلدوني إذا جاز التعبير؛ لأنّ الأحداث الكبرى تحمل وراءها أبنية أعمق من الأشخاص، وسقوط الدول ثمرة تراكمات في القوة والعصبية والاقتصاد والقيم، وفشل المشروعات ثمرة شبكة من الأسباب والعقل الذي يفسر الظاهرة بسبب واحد، إذ يرى جزءًا من الحقيقة فيظن أنه الحقيقة كلها، والنقد الحضاري يبحث عن البنية خلف الحادثة، وعن القانون خلف الخبر، وعن المسار الذي أخرج النتيجة من مقدماتها.
النقد الحضاري يقرأ الفكرة مرتين؛ مرةً في الكتاب الذي بشّر بها، ومرةً في التاريخ الذي اختبرها، فالمآلات مرايا تكشف في الأفكار أشياء تعجز المقدمات عن كشفها.
وقد أضاف الشاطبي إلى النقد بعدًا بالغ الأهمية حين جعل المآل جزءًا من النظر، فقال في (الموافقات): “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا”، وجعل المجتهد ناظرًا فيما يؤول إليه الفعل، وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد، والفكرة الحضارية تحتاج هذا الميزان أيضًا؛ إذ تقرأ في كتابها الأول، ثم تقرأ مرة ثانية في الإنسان الذي صنعته، والمؤسسة التي أقامتها، والمجتمع الذي أنتجته، والتاريخ الذي جربها.
النقد الحضاري يقرأ الفكرة مرتين؛ مرةً في الكتاب الذي بشّر بها، ومرةً في التاريخ الذي اختبرها، وقد تكون العبارة في غاية البهاء ثم تأتي التجربة فتظهر خللًا مستورًا في تصور الإنسان أو السلطة أو المجتمع، وقد تكون النية صالحة ثم تخرج الآليات بنتائج تباعد بينها وبين مقصدها؛ فالمآلات مرايا تكشف في الأفكار أشياء تعجز المقدمات عن كشفها.
والنقد في زمن النهضة يد البنّاء التي تمرُّ على جدران البيت، فتتحسّس شقوقه وهي صغيرة قبل أن يبلغ الشق مرتبة الانهيار؛ والمؤسسة التي تعتاد المراجعة تحفظ قدرتها على التصحيح، والتجربة التي تملك شجاعة محاسبة ذاتها تحول إخفاقها إلى معرفة، أما الأخطاء التي تحاط بالهيبة فتكبر في الظل حتى تدخل بنية المشروع نفسه.
وقد كان الشوكاني شديد الحساسية تجاه سلطان الأسماء على العقل، فقال في (أدب الطلب): “فإن وطّنت نفسك أيها الطالب على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا لعالم من العلماء… فقد فزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده”، نرى أنه جعل ذلك من أهم مراتب العلم وأكثرها دقة، لأنها تضمن التحرر العلمي؛ فالعالم يُجلّ، والمذهب يُدرس، والمدرسة تُفهم، والحق يبقى أكبر من الجميع لأن الرجال بلغوا مراتبهم بالنظر والاجتهاد، وأصدق الوفاء لهم أن يبقى باب الاجتهاد الذي دخلوا منه مفتوحًا لمن جاء بعدهم.
واحترام العلماء الذي يمنع مراجعتهم يتحول بعد أجيال من وفاء لهم إلى تعطيل للعلم الذي عاشوا من أجله؛ فحين تصير مكانة القائل جزءًا من دليل قوله يبدأ العقل بفقدان ميزانه، وحين يصبح السؤال عن الدليل مساسًا بصاحب الدليل تدخل المعرفة طور الشيخوخة.
ومالك بن نبي ــ وهو ينظر إلى العالم الإسلامي ويقلب أزمته الحديثة ــ أعاد العملية النقدية إلى المستوى الحضاري كله، فقال في (شروط النهضة): “إنّ مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية”، هذه النقلة تخرج العقل من مطاردة الأعراض إلى تشريح البنية التي تنتجها؛ فالمشكلة السياسية قد يكون وراءها إنسان فقد فاعليته، والمشكلة الاقتصادية قد تستند إلى شبكة أفكار وقيم، والاستعمار نفسه واقعة كبرى تستدعي سؤالًا عن الشروط الداخلية التي جعلت الاختراق ممكنًا.
النقد النهضوي يبحث عن المرض الذي أنتج الحمى؛ فيرتفع من الحادثة إلى القانون ومن الهزيمة إلى شروطها، ومن العجز إلى تركيب الإنسان الذي يحمله، ومن فشل المشروع إلى الأفكار والآليات والمؤسسات التي صنعت ذلك الفشل.
وإذا قُرئت هذه الأصوات في سياقٍ واحدٍ ظهرت أمامنا حضارةٌ صنعت عبر علومها المختلفة طرائق متعددة للنظر الثاني؛ ابن الهيثم يفحص العلم الموروث، والغزالي يوقظ العقل من طمأنينة التقليد، وابن حزم يراجع موقع الناقد وحدود التخصص، والجاحظ يجعل المعرفة مشروعًا متراكمًا بين الأجيال، والكندي وابن رشد يفتحان باب الأخذ من الأمم تحت سلطان الحق، والبيروني يطالب بإنصاف الحضارة المخالفة في وصفها، والمحدثون يبنون صناعة كاملة للتحقق والمقارنة، وابن خلدون يعرض الرواية على قوانين العمران، والشاطبي يتتبع الفكرة إلى مآلاتها، والشوكاني يحرر العقل من عصبية الاسم، ومالك بن نبي يضع الحضارة كلها تحت مجهر السؤال.
والنهضة الإسلامية القادمة أحوج ما تكون إلى هذه الروح وهذه النظرة العميقة؛ نقد للموروث لاستخراج الحي منه، وإعادة تمييز النص من الفهم، والتاريخ من الدين، إضافة إلى نقد الوافد ومعرفته بدقة في لغته ومصادره، وفصل منجزه العلمي عن فلسفته الكامنة، ونقد الواقع نقدًا يشق سطح الحوادث حتى يبلغ بناها العميقة، ونقد التجربة الإسلامية المعاصرة لقراءة النجاحات والإخفاقات بعين العلم، ونقد الذات حتى يصير الناقد نفسه جزءًا من عملية المراجعة، فالعقل الذي يوزع الأسئلة على الجميع ويمنح ذاته حصانة منها يصنع استبدادًا فكريًا باسم النقد.
إنّ الحضارة التي تخشى مراجعة نفسها تضع أخطاءها في خزائن التراث، ثم تورث أبناءها مفاتيحها، أما الحضارة التي تملك شجاعة النظر الثاني فإنها تحول أخطاءها إلى معرفة وتجاربها إلى حكمة وتراثها إلى طاقة ولقاءها بالعالم إلى فرصة للإضافة. ويجب ألا نغفل عن أنّ العقل الذي ورث جوابًا يحتاج أن يرث معه حق إعادة السؤال، لأنّ السؤال في الحضارة الحية مفتاح تجددها، والمراجعة إحدى صور الوفاء للحق والحقيقة.


