المقالات

الأرزاق الجميلة بين طمأنينة القَدَر وأدب السّعي

د. إيناس محروس بوبس

هل تعدّ نفسَك من أصحاب الأرزاق الجميلة في هذه الحياة؟

هل فكرتَ من قبل بأنواع الرزق، وحكمة الله سبحانه وتعالى في توزيعها بين خلقه؟

لا بدّ أنّك سمعت من أحد ممن حولك، أو  حدّثت نفسك يوماً ما عمّا أكرمك الله به تعالى من أرزاقٍ طيّبة.

ولا بدّ أنك سمعت من هنا أو هناك سُخطاً أو اعتراضاً على أقدار الله تعالى في توزيع الأرزاق بين الناس!

يفتح الإنسان عينيه كل صباح على أرزاق كثيرة؛ منها ما يراه في يده، ومنها ما يسكن قلبه لكنه يغفل عنه، ومنها ما يحيط به في صورة أهلٍ وسترٍ وصحةٍ وأمانٍ وعلمٍ ومحبةٍ وفُرصٍ، ثم يضيق نظره أحياناً فيحصر الرزق في رقمٍ يدخل حسابه أو مالٍ يزيد وينقص أو متاعٍ يملكه غيره، فيبدأ هنا اضطراب القلب إذ يرى الإنسان ما فاته أو ما وصل إلى سواه، ويغيب عنه أنّ الرزقَ في ميزان الوحي أوسعُ من المال وأنّ قسمة الله أعمق من ظاهر الحظوظ وأنّ السعيد حقًا من عرف أرزاقه الخفيّة قبل أن يخاصم الأقدار على رزقٍ ظاهر.

بداية دعونا نُحرِّر مفهوم الرزق في الإسلام

مفهوم الرزق في الإسلام

الرزق في لسان العرب يدور على معنى العطاء الجاري والنصيب الذي ينتفع به المرزوق، ثم جاء الاستعمال القرآني فوسّع دائرته حتى صار يشمل ما تقوم به الأبدان وما تحيا به القلوب وما تستقيم به العقول وما يحفظ الله به الإنسان في ظاهره وباطنه؛ فالمال رزق والعافية رزق والعلم رزق والطمأنينة رزق والصحبة الصالحة رزق، وفتح باب الطاعة رزق وحبس الإنسان عن طريق يفسده رزق خفي من أرزاق اللطف.

يقول الشعراوي في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة/88 ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: “‎إنّ الرزق هو ما انتفع به، فالذي تأكله رزق، والذي تشربه رزق، والذي تلبسه رزق، والذي تتعلمه رزق‎”.

للرّزق أشكال متعددة؛ كأن يكون عطاءً مادياً جارياً، أو مِنحة محدودة الزمان والمكان، أو صفة نفسية وهِبةً معنوية يتميز بها المرء من غيره، إذ لا يقتصر الرزق على الماديات، لكنّ الناس اعتادوا أن يربطوا كلمة الرزق بالوارد المادي فحسب، متناسين أرزاق الإنسان المعنوية، كأن يحظى بقلبٍ نظيفٍ، وعقلٍ سليمٍ، وبَدَنٍ قويٍّ مُعافى من الأسقام، وعلمٍ نافع، وأن يُكرَم بأمٍّ حنون، وأبٍ رؤوف، وأخٍ كريم النفس، وأختٍ عطوفة، وزوجٍ صالحٍ، وولد بارٍّ، وصديقٍ صَدوقٍ، وغير ذلك من أشكال الرزق التي لا تُحصى.

للرّزق أشكال متعددة… إذ لا يقتصر على الماديات، بل إنّ من أرزاق الإنسان المعنوية أن يحظى بقلبٍ نظيفٍ، وعقلٍ سليمٍ، وبَدَنٍ معافى، وأهلٍ وأصحابٍ صالحين

من دقائق التصور القرآني أنّ الرزق في ذاته امتحان، فقد يأتي في صورة توسعة تفتح باب الشكر والإنفاق، وقد يأتي في صورة تضييق يفتح باب الصبر والعفة والاستغناء بالله، ولهذا يُخطئ من يجعل كثرة المال شهادةً على رفعة صاحبه، كما يُخطئ من يجعل قلة المال دليل سقوط قدره؛ فالكرامة في ميزان الوحي تُطلب في الطاعة، والرزق ميدان امتحان، وقد يرفع الله عبدًا بقليلٍ يحسن شكره، ويمتحن آخر بكثيرٍ يعجز عن أداء حقه. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ سورة الفجر: 15-20.

أما قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فقد جاء في كتاب (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني أنّ المقصود به المطر الذي يحيا به الإنسان وينتفع، وتحيا به الكائنات الحية كلها، “ويمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل، وكل ذلك مما يخرج من ‏الأرضين، وقد قيّضه الله بما ينزله من السماء من الماء‎».

والرزّاق من أسماء الله الحسنى التي اختصّ بها، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ ‏الْمَتِينُ﴾، فهو الرّازق والرزّاق، المُعطِي والواهب والمُغْدِقُ علينا بِنِعمه وفضله وكرمه، وهو رازق الخلائق كلّها، المتكفّل بها، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.

والأرزاق بتعبير بسيط وفقاً لما نصَّ عليه مجموع الفتاوى لابن تيمية إما أن تكون ظاهرة كالأقوات، أو باطنة كالعلوم والمعارف. وإما أن تكون سعياً واكتساباً، أو هبةً من موروثٍ بغير جهد واكتساب. والسعي كذلك نوعان؛ “سعيٌّ فيما نُصِبَ للرزق كالعمل في مجال الصناعة أو الزراعة أو التجارة، وسعيٌ يُحصِّله المرءُ بالدعاء والتوكل والإحسان ‏إلى الخلق؛ فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه‎”.

ويذهب ابن تيمية إلى تفصيل آخر من تفاصيل مفهوم الرزق، فيقول: “‎والرزق يراد به شيئان: أحدهما ما ينتفع به العبد، والثاني ما يملكه العبد، فهذا الثاني هو المذكور في قوله: ‏‏﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾”.

هل تصلُ إلينا أرزاقُنا بِدُونِ سَعيٍ مِنَّا؟

يقول سيد قطب في ظلال القرآن في معرض تفسير سورة الذاريات: “الرزق في ذاته مكفولٌ، تكفّل به الله تعالى لعباده. لكنّ الله عزَّ وجلَّ أمرنا بالعمل والسعي في قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقد أكدت آيات الذكر الحكيم أنّ الرزق، وإن كان مُقدَّراً، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسعي، فالسيدة مريم عليها السلام –على سبيل المثال- حين كانت في أصعب مواقف حياتها في لحظات المخاض أُمرت أن تهزّ جذع النخلة ليأتيها رزقُها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.

‎وعن أقدار الله وحكمته في قسمة الأرزاق بين الخَلْقِ وحتمية وصولها إلى من كُتبت له قال ‎ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: “إنّ ‏نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله… ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله ‏تعالى، فإن الله لا ينال ما عنده بمعصيته‎”.

التوكل الحق يحرّك الجوارح، والقلب المؤمن يجمع بين الثقة بوعد الله وبذل الوسع في أبواب الأسباب؛ فلا يقعد المرء عن الطلب منتظرًا أن تمطر السماء ذهبًا، بل يبدأ بعزةٍ وسعيٍ، ويعلم أن البركة من الله

وتتكرر هذه الحقيقة في قصة هاجر عليها السلام حين تركها إبراهيم عليه السلام بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، فكان قلبها معلقًا بوعد الله، وكانت قدماها تسعيان بين الصفا والمروة، فصار السعي عبادة وصار الماء رزقًا وصارت زمزم شاهدًا خالدًا على أن التوكل الحق يحرّك الجوارح، وأن القلب المؤمن يجمع بين الثقة بوعد الله وبذل الوسع في أبواب الأسباب. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هاجر وزمزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا»، أخرجه البخاري في صحيحه.

‎‎ومما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا ‏تمطر ذهبًا ولا فضة”.

ومن أجمل صور السعي الشريف ما كان من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع رضي الله عنه، فعرض عليه سعد شطر ماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق، فذهب إلى السوق وسعى وفتح الله عليه من فضله فصار مثالًا للتاجر المؤمن الذي يبدأ بعزة، ويأخذ بالأسباب ويعلم أن البركة من الله.

هل للرزق أسرارٌ ومفاتيح؟

ومفاتيح الرزق في الوحي أبواب عبودية قبل أن تكون وسائل تحصيل؛ فالتقوى تفتح مخرجًا، والاستغفار يستنزل البركة، وصلة الرحم تبسط في الرزق، والإنفاق يستجلب الخلف، والتوكل الصحيح يحرّك الجوارح في الأرض مع تعلق القلب بالسماء، والعمل الحلال يحفظ بركة الكسب من لوثة المعصية.

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ سورة الطلاق: 2.

وقال تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ سورة الطلاق: 3.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، أخرجه البخاري ومسلم.

ومن جميل ما قاله الشاعر أبو العتاهية عن الرزق:

يا رُبَّ رِزقٍ قَد أَتى مِن سَبَبْ‎

لو سلَّمَ العبدُ إليهِ الطَّلَبْ‎

ورُبَّ مَن قد جاءَهُ رِزقُهُ‎

مِن حيثُ لا يرجو ولا يحتسِبْ

لقد فتح الله تعالى باب الاستغفار ليكون عودةً إليه قبل أن يكون طلبًا للزيادة، فمن عاد إلى الله بالاستغفار أصلح الله ما بينه وبين قلبه، وما بينه وبين أبواب رزقه، ولهذا جاء الاستغفار في دعوة نوح عليه السلام مقرونًا بالمطر والمال والبنين والجنات والأنهار. قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ سورة نوح: 10-12.

ويقول القرضاوي في حديثه عن مفاتيح الرزق: “إن ‎تقوى الله تبارك وتعالى… أول أسباب سعة الرزق وبركته، ‎ولا يكفي ما سبق دون الأخذ بأسباب الكسب‎”.

ما السرّ في توزّع الأرزاق بين العباد؟

وتنسب إلى الإمام الشافعي أبياتٌ؛ جاء فيها:

فكم قويٍّ قويٍّ في تقلّبه‎

مهذّبِ الرأي، عنه الرزقُ ينحرفُ‎

وكم ضعيفٍ ضعيفٍ في تقلّبه‎

كأنَّه من خليجِ البحر يغترفُ‎

هذا دليلٌ على أن الإلهَ له‎

في الخلق سرٌّ خفيٌّ ليس ينكشفُ

وهذه الأبيات تضع القلب أمام سرّ القسمة؛ فكم من صاحب حيلة ضاق عليه الباب وكم من ضعيف فتحت له الأبواب من حيث يعجز عن تفسيرها، وكم من غني يظن أنه أخذ المال بذكائه فإذا المال باب امتحانه، وكم من فقير يستر الله عنه بالدنيا القليلة بابًا من الطغيان كان يهلكه لو دخله، والقسمة هنا تربية، تجعل الإنسان يعرف حدّه، وتغسل من قلبه وهم السيطرة الكاملة على المصير، وتعيده إلى أدب العبد الذي يسعى، ثم يعلم أن مفاتيح النتائج عند الله.

الرزق مكتوبٌ ومقسومٌ بين الناس بتقدير من الله قبل أن نُخلَق، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وعرشه على الماء”؛ والأرزاق من المقادير.

 وعَن عبدالله بنِ مَسْعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ”.

فهل نفهم من ذلك أن الأرزاق تعرف طريقها إلى أصحابها بدون أي جهد أو سعي منهم؟

قضية الرزق في الإسلام تدخل في نطاق الإيمان بالغيب والتسليم، فرزق الإنسان الحالي إن بدا واضحاً معلوماً فإن رزقه في قابل الأيام مجهولٌ بالنسبة له، قد يزيد وقد ينقص، والإيمان بأنّ الرزقَ قدرٌ محتومٌ من تقدير الإله يجعل الإنسان يطمئن إلى أنه لا رادَّ لفضل الله عنه إلا هو، ولا ممسك لرزقه إلا بإذن الله، ولن يبلغ أجله قبل أن يستلم ويستكمل أرزاقه الدنيوية كلها، وفي ذلك رحمة واسعة من الله، وتخليص للإنسان من مِنَّة الخلق عليه، فالمؤمن يعلم أن أمره كله بيد الله، ورزقه مكتوب له مقسوم بتقدير من ربه، وما عليه سوى إخلاص النية والسعي للولوج من أبواب الرزق الحلال. عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: “إن الرِّزقَ ليطلُب العبدَ أكثرَ مما يطلبه أجله”.

كيف تتجلى حكمة الله تعالى في تقسيم الأرزاق بين عباده؟

سبحانه وتعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾  الأنبياء/23.

المؤمن يعتقد اعتقاداً جازماً بحكمة الله سبحانه وتعالى  وعدله المطلق في تقسيم الأرزاق، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 30.

قال الله تعالى:﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ الشورى: 27.

يذهب بعض المفسرين إلى القول إن الله سبحانه وتعالى خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر، وقد تسمعها من بعض الناس من أصحاب النِّعَم والأرزاق الوفيرة: لو كان يستحق لرزقه الله! وكأن فرعون أو قارون كانا ممن يستحق!

ويغفلون عن وقع هذا التعبير في نفوس البشر، فترى الفقير على رقة حاله – وكلنا فقراء إلى الله- يستشعر في نفسه حزناً مضاعفاً ببساطة التفكير؛ فتراه يسأل نفسه: أتراني حقاً لا أستحق؟ وهل يستحق كل هؤلاء الأغنياء الذين طغوا بأرزاقهم؟

حاشى لله أن يُحزِن عباده بمثل هذا التقسيم، فالغِنى نعمة على مَن يُحسِن ويحفظ الحقوق ويؤدي شرع الله ويدفع زكاته وصدقاته، والغِنى نقمة على من لا يشكر ولا يؤدي الفروض والحقوق، والفقر حِفظٌ من الطغيان ولكنه تمحيص وابتلاء، لا سيما إن اجتمع مع امتحان آخر لا يهوّنه غير المال والرزق الوفير كالمرض مثلاً.

قد نحيا ونموت بدون أن ندرك حكمة الله في توزيع أرزاقه بيننا، وليس الأمر من شأننا في الواقع، فهو الخالق المتصرف في شؤون عباده كما يشاء، وما علينا إلا أن نرضى بأرزاقنا ونحمد ونشكر الله على ما منّ به علينا ونستعمله فيما ينفع، وندعوه بالبركة والزيادة. ونُزكّي أنفسنا بحب الخير للآخرين، امتثالاً لأمره تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.

وقد حثّنا رسول الله عليه الصلاة والسلام على الرضا بأقدارنا وأرزاقنا، فقد جاء في الصحيح الجامع قوله مخاطباً أبا هريرة رضي الله عنه: “يا أبا هريرةَ، كُنْ وَرِعًا تَكُنْ من أَعْبَدِ الناسِ، وارْضَ بما قسم اللهُ لكَ تَكُن من أَغْنَى الناسِ، وأَحِبَّ للمسلمينَ والمؤمنينَ ما تُحِبُّ لنفسِكَ وأهلِ بيتِكَ، واكْرَهْ لهم ما تَكْرَهُ لنفسِكَ وأهلِ بيتِكَ تَكُنْ مؤمنًا”.

ومن مفاتيح الأرزاق حسن التوكل على الله تعالى مع السعي الجاد والدؤوب، قال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ الملك: 15.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَوْ أَنَّكُمْ تَتوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا”.

وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول عقب كل صلاة: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد”.

لكنّ السؤال الذي يُجلجِل الاعتقاد بالعدالة الإلهية لدى بعض النّاس هو:

هل وُزّعت دُنْيانا بِعَدل؟ هل وُزّعت الأرزاق على البشر بِعَدل؟ هل نخرج من هذه الدنيا بحظوظٍ متماثلة؟

قد تبدو أسئلة مثل هذه سطحية لبعض الناس، لكنّها مدار الإيمان ومحطّ رسوخه لدى آخرين، والحقيقة أنّ الأمر ليس ببساطة التّسليم بالشعور بالراحة والطمأنينة الحاصلة بعد تأدية شعيرة من الشعائر الدينيّة. وينحو النّاس في فهم العدالة الربّانية في توزيع الأرزاق منحيان لا ثالث لهما؛ فإمّا أن يطمئنَ القلب إلى فكرة العدالة التي تجعل أرزاق الناس متساوية بالنظر إلى أنّ الرزقَ بين البشر منقسم إلى ما أُوتِيَهُ المَرءُ من مالٍ وأهل وعقل وجمال وكفاءات لا سعة لعرضها كلها، وبالنظر إلى أن المِحَن والبَلَايَا تكون بما يتناسب مع رزق الإنسان من عقل وصبر وقوّة إيمان واعتقاد استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ 286]، وبالنظر إلى أنّ حياةَ كلٍّ إنسان فيها ماضٍ وحاضر ومستقبل، قد يعيش بلاءه في صِغره، وقد يُعايِنه في مرحلة أخرى من مراحل مشواره الدّنيوي، لذا قد يبدو رزق فلان من الناسِ فائقًا في حين، لكنْ مَنْ يعلم ما قاساه في ماضيه، أو ما سيقاسيه في مستقبله، أو ما يعيشه في حاضره المستور! 

أمّا المنحى الآخر الذي ينظر من خلاله بعض النّاس إلى عدالة الله تعالى في توزيع الأرزاق فهو اعتقادهم بأنّ البشر ليسوا متساويين فيما أُوتُوه من نِعَم، وأنّها مَدَار التّكليف والامتحان، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ الفرقان/20.

العدل الإلهي أوسع من التماثل الحسابي بين الحظوظ؛ فالبشر في الدنيا داخلون في امتحانات مختلفة، وليست الغاية أن يحمل كل إنسان القدر نفسه من المال والصحة والجمال والفرص، وإنما الغاية أن يقوم كل عبد بما كُلّف به في موضعه، وأن يسأل يوم القيامة عما أُعطي وعما مُنع، وعن شكره عند السعة وصبره عند الضيق، وعن حق غيره فيما زاد عليه، وعن سلامة قلبه فيما حُرم منه، فيصير تفاوت الأرزاق ميدانًا للعبودية وليس حجةً على القدر؛ فالغني ممتحن بما في يده والفقير ممتحن بما فاته والقوي ممتحن بقدرته والضعيف ممتحن بحاجته، وكلٌّ يسير إلى الله من الباب الذي فتح له.

وأيًّا ما كان ما يحلو للنّاس أن يركنوا إليه، وأيًّا ما كان يجعلهم أكثر ثباتًا ورسوخًا، فالمهمّ ألّا تتسرّب شوارد الشّبهة إلى القلوب فتعيث فيها فسادًا. فـالله أَعْدَلُ من قضى، واللَّه أعدلُ القاسمين.

ومن عرف أنّ الرزق من الله سعى بعزة وطلب بحلال، وأخذ من الدنيا بقدر ما يعينه على آخرته، ورضي بما قسمه الله من غير خمول، وسأل ربه الزيادة من غير حسد، ونظر إلى أرزاق الناس نظر معتبرٍ لا نظر متحسر؛ فإن رأى غنيًا تذكر السؤال وإن رأى فقيرًا تذكر حق المواساة وإن رأى مبتلى تذكر عافية الله عليه، وإن رأى موفقًا إلى الطاعة علم أن أجلّ الأرزاق قلبٌ يعرف باب مولاه، وهكذا تصير قضية الرزق بابًا من أبواب التوحيد، ومدرسة في تهذيب النظر إلى الدنيا، ومحرابًا يتعلم فيه الإنسان أن يمد يده في الأسباب، وقلبه معلق بخالق الأسباب.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى