المقالات

التعايش السلمي وتحقيق المنافع العامة

من خصائص الحضارة الإسلامية الخاصية الرابعة: عالمية الرسالة الإسلامية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تمهيد

تتجلى عالمية الرسالة الإسلامية في قدرتها على تنظيم حياة الإنسان فردًا ومجتمعًا، ليس فقط في دائرة المسلمين، بل في إطار إنساني شامل يستوعب اختلاف الأديان والثقافات والأعراق. فقد جاءت هذه الرسالة لتؤسس نظامًا يقوم على العدل، والرحمة، وحفظ الحقوق، ويحقق التوازن بين التعايش السلمي بين البشر، والسعي المشترك لتحقيق المنافع العامة التي تخدم الإنسانية كلها.

أولًا: التعايش السلمي في إطار عالمية الرسالة

يُعدّ التعايش السلمي من أبرز مظاهر عالمية الإسلام، إذ أقرّ مبدأ التنوّع الإنساني، وسعى لتنظيم العلاقات بين الناس على أساس الاحترام المتبادل وحفظ الكرامة الإنسانية، ما يضمن الاستقرار والأمن في المجتمعات المتعددة.

1- حقوق المواطنة في المجتمع الإسلامي

أقرّ الإسلام لغير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي حقوقًا واضحة، تقوم على:

  •  حفظ  النفس (الحماية من الاعتداء)
  • حفظ المال (ضمان الملكية)
  • حفظ العرض والنسل ( ضمان الامن وعدم تفشى الامراض الاجتماعية  )
  • حفظ الكرامة (صيانة الإنسان من الإهانة)

وهذه الحقوق لا تُمنح على أساس الدين فقط، بل على أساس الإنسانية والمواطنة، مما يعكس شمولية الرسالة الإسلامية.

2- حق الأمان والجوار

أكد الإسلام حقَّ الإنسان في الأمان والحماية حتى لو كان مخالفًا في الدين، قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ومنها حق اللجوء.

كما أمر بالإحسان إلى الجار مطلقًا،  قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وهو ما يعزز العلاقات الإنسانية القائمة على الرحمة والتعاون.

3- نموذج التعايش في المجتمع النبوي

تُعدّ وثيقة المدينة نموذجًا عمليًا رائدًا لتنظيم مجتمع متعدد الديانات، حيث أرست مبادئ:

  • التعاون في حماية المجتمع
  • حفظ الأمن للجميع
  • احترام حرية الدين
  • تنظيم العلاقات بين مكونات المجتمع

وهو ما يعكس سبق الحضارة الإسلامية في بناء مجتمع إنساني متنوع ومتوازن.

4- نماذج من التاريخ الإسلامي

تجلّت هذه المبادئ في مواقف عملية، مثل موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند فتح القدس، حين رفض الصلاة داخل كنيسة القيامة احترامًا لحق المسيحيين، وضمانًا لعدم تحويلها إلى مسجد. كما ضُمنت لهم حرية العبادة وحماية ممتلكاتهم، وهو تطبيق عملي للتعايش السلمي.

الرسالة الإسلامية عالمية، إذ تنظم حياة الإنسان بالعدل والرحمة، وتحقق التوازن بين التعايش السلمي والسعي لخدمة الإنسانية جمعاء.

ثانيًا: تحقيق المنافع العامة في إطار عالمية الرسالة

لم تقتصر عالمية الإسلام على تنظيم العلاقات، بل امتدت لتشمل بناء الحياة الإنسانية وتحقيق المصالح العامة التي تخدم الجميع، في مختلف المجالات مثل:

  • الأرض ومواردها الطبيعية

أقر الإسلام مبدأ الاشتراك في الموارد الأساسية، قال النبي ﷺ:

«الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار» ويدل ذلك على أن الموارد الطبيعية مسؤولية جماعية، يجب استثمارها بعدل وحكمة.

كما حث الإسلام على عمارة الأرض، قال ﷺ: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها»

وهو توجيه يعكس قيمة العمل والإعمار حتى في أصعب الظروف.

  • البنى التحتية وتنمية المجتمع

يشجع الإسلام على بناء المجتمع وتطوير مرافقه، ويجعل ذلك من الأعمال الصالحة التي تحقق المصلحة العامة، فالإعمار ليس عملًا دنيويًا فقط، بل عبادة تحقق الخير للناس. ففى الحديث الذ يرويه ان بن مال رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ((سبعٌ يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته : من علَّم عِلْماً ، أو أجرى نهراً ، أو حَفَر بئراً ، أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً ، أو ورَّث مصحفاً ، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته )) .

  • التجارة والمصالح المتبادلة

أقرّ الإسلام التجارة، لكنه ضبطها بالأخلاق،  ( قيل يا رسولَ اللهِ أيُّ الكسبِ أطيَبُ قال عملُ الرَّجلِ بيدِه وكلُّ بيعٍ مبرورٍ.) والبيع المبرور هو البيع الصادق والمبارك الذي يخلو من الغش، الخيانة، الكذب، والاحتيال.

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾

فنهى عن الغش والظلم، وأقام نظامًا اقتصاديًا يقوم على العدالة والشفافية.

  • العلوم والمعارف

حث الإسلام على طلب العلم ونشره، فقال ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»

فالعلم في الإسلام وسيلة لبناء الحضارة وخدمة الإنسان، وليس مجرد ترف معرفي.

  • مواجهة المخاطر المشتركة

أرسى الإسلام مبدأ التعاون في مواجهة الأخطار، من خلال الدعوة إلى التكافل والتعاون على البر، وحفظ النفس والمال، وهو ما يشمل مواجهة الأوبئة والكوارث وكل ما يهدد المجتمع.

قوله تعالى : (وتعاونوا على البر والتقوى) قال الأخفش: هو أمرٌ لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى (منقول تفسير القرطبي)

ثالثًا: وحدة المعنى بين التعايش والمنافع العامة

يتكامل التعايش السلمي مع تحقيق المنافع العامة في بناء مجتمع إنساني متوازن؛ فالتعايش يوفر البيئة الآمنة المستقرة، بينما تسهم المنافع العامة في تنمية المجتمع وازدهاره.

وهذا التكامل يعكس رؤية الإسلام الشاملة التي تجمع بين حفظ الحقوق وبناء الحضارة.

يتضح أن التعايش السلمي وتحقيق المنافع العامة يمثلان ركيزتين أساسيتين في عالمية الرسالة الإسلامية، حيث يجتمع فيهما البعد الإنساني مع البعد الحضاري. فالإسلام لا يكتفي بحفظ حقوق الإنسان، بل يسعى إلى بناء مجتمع متكامل يقوم على التعاون، والعدل، والتنمية المستدامة.

وبذلك تقدم الرسالة الإسلامية نموذجًا عالميًا قادرًا على استيعاب التنوع البشري، وتحقيق الخير المشترك، وبناء حضارة إنسانية راشدة تخدم الإنسان أينما كان.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات العربية المتحدة مشرف على عدة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وعضو مؤسس في جمعية الإصلاح الإماراتية ومديراً لها.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى