
الرياء وإدمان العرض
(عندما تصبح سعادتك مرهونة بإعجاب الآخرين)
د. مجد عبد المجيد قمر
يقول النبي ﷺ: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» أخرجه أحمد في مسنده، (برقم23630)
هذا الحديث النبوي الموجز يفتح أمامنا بابًا كبيرًا للتأمل ومراجعة السلوكيات الخطيرة التي باتت تنهش في خلايا المجتمع المسلم، فالرياء الذي حدثنا عنه الحديث النبوي الشريف ليس مجرد سلوك سلبي عابر، بل هو مرض قلبي خطير، يتسلل إلى النفس كالسراب، حتى تستقر في قعر التبعية للغير، ويجعل هذا “الغير” معيارًا لتحركاتنا اليومية.
ومن مظاهر الرياء أن تطغى الصورة على الجوهر؛ لأنّ الصورة هي ما يراه الآخرون، وهي محلّ تقييمهم، وعليها تُبنى أحكامهم..
وفي زمن طغت فيه الصور وبات المرء مسجونًا في قفص “الآخر”، ظهرت أشكال أخرى للرياء، منها:
رياء إدمان العرض، لتصبح سعادة المرء لحظة بلحظة مرهونةً بضغط على زر افتراضي “أعجبني” (Like)، ولم يعد لإخلاص العمل مكان في هذه الدوامة اللامتناهية.
يضعنا هذا المقال أمام حقيقة هذا الإدمان، وأسبابه وطرق علاجه…
وسأوجز ذلك ثم أفصِّله.
حقيقة إدمان العرض
إدمان العرض على وسائل التواصل الاجتماعي هو مظهرٌ من مظاهر الرياء، يخفي في باطنه الكثير من الأمراض القلبية والنفسية، ويظللها أمرٌ واحدٌ وهو الرياء.
أسبابه: إما أن تكون مادية لجني المال، أو أن تكون نفسية لجلب الشهرة والسمعة، أو أن يقع وراءها داءُ العجب لإظهار أكمل ما في المرء للآخرين، أو أن تخفي في خباياها داء الكبر بعرض صور التباهي والافتخار بالمقتنيات المادية، والسمعة الاجتماعية، أو أن تكمن وراءها عقد نقص في حياة الفرد يحاكي بها من يراه أكمل منه…
أولاً: الرياء بألف شكل في العصر الرقمي
لا تقتصر مظاهر الرياء كما قرأناها في كتب التزكية والسلوك من كونها صلاة مطولة في السوق ليُقال ما أورع فلاناً، أو تحسين العبادة أمام الناس ونقصان أدائها في الخلوة، فقد ارتدى الرياء أثوابًا أخرى تناسب عصر المنصات والمتابعين، ومن مظاهره التي باتت تحكم أبناءنا وشبابنا بل وشيبَنا ما يلي:
- الجوع إلى التصفيق على كل لقمة:
لم تعد موائد الطعام تُمَد للتقوي والتلذذ بنعم الله، بل بات تقييم الآخر هو معيار الشبع، فترى أناسًا لا يأكلون حتى يصوروا طعامهم، في إضاءةٍ مثالية، وزاويةٍ احترافية، مع تعليقٍ متواضع، وخلف تلك الأضواء اللافتة يكون الأكل باردًا، والحديث مع الأسرة منقطعًا، واللحظة الحقيقية مسروقة من أجل لحظة وهمية ستنتهي بانتهاء اليوم.
- حفلات الزفاف: عرض مسرحي
باتت حفلة الزفاف حدثًا إعلاميًا، يكون ناجحًا إن حقق مشاهدات أكثر، وتعليقات أكثر، وربما اضطر الشاب لاستدانة المبالغ الطائلة كي يرضي غروره في هذه الليلة بمظاهر البذخ وما شابهها، وتصدير ذلك ليتحدث عنه الناس.
- الأعمال الخيرية
والأشد إيلاماً: من يتصدق بيد و”يصوِّر” بالأخرى، ولا أتكلم هنا عمن يروج لفعل الخير ومساعدة الآخرين عبر وسائل التواصل وغيرها، فذلك مطلوب وإن تنوعت وسائله، بل أتحدث عن فئات لا ترضى أن تصنع المعروف إلا إذا تم تصويره وتسليط الضوء عليه، وللأسف ففي بعض الحالات فإن ما يعرض أقل بكثير مما يعطى!!
كل هذه المظاهر تشترك في شيء واحد: أن قيمة الفعل لم تعد في جوهره، بل في مقدار التفاعل الذي يثيره لدى الآخرين.
ثانياً: خلف الشاشات
المشكلة الكبرى أنّ ما نراه على وسائل التواصل هو نسخة معدلة مفلترة من الواقع، وخلف تلك الصور البراقة، هناك عالم مختلف تمامًا، خدعوا به شبابنا…
فخلف صورة العشاء الأنيق: طبق واحد يصوّر من عشر زوايا، وبقية الأسرة تأكل طعامًا عاديًا في صمت.
وخلف صورة الإجازة الخيالية: ديون متراكمة، وإجهاد نفسي من محاولة الظهور بمظهر مترفي الحال.
وخلف صورة الابتسامة العريضة: فراغ عاطفي، وبكاء في الغرفة المظلمة.
لم يعد الأمر مجرد كذب اجتماعي، بل أصبح فصامًا وجوديًا: أن تعيش شخصيتين، واحدة حقيقية حزينة عادية، وأخرى مزيفة سعيدة مذهلة، وعندما تصطدم الحقيقة بالوهم، يحدث الانهيار.
والأخطر أنّ الشباب – وهم الفئة الأكثر تأثراً – يظنون أنّ ما يعرض على الشاشات هو الحياة الحقيقية، ويبحثون عنها بلهث ولهفة في مرآة الآخرين، فلا هم يحصلون السراب الموهوم، ولا يعيشون اللحظة التي خلقوا فيها، والأسبابَ التي جرت على أيديهم بخلق الله لها في زمن ما…
فيكبُرون على قناعة مفادها: أنّ النجاح هو أن تكون “ترند”، والسعادة هي أن يغار منك أصدقاؤك، والقيمة هي أن يتابعك آلافٌ لا يعرفونك، وبهذا تُخدع أجيال كاملة، وتُدفن تحت أكوام من الإعجابات الفارغة.
ولا أقصد بكل ما سبق أن يُفصل المرء عن عصر التسارع الرقمي الذي نعيشه، بل ما أعنيه أن يحسن استخدامه، ولا يلهث وراء تفاهة اللقب والمحتوى…
إننا إذا تتبعنا سيرة كبار الناجحين في عصرنا من الغرب والشرق، مع شهرتهم وتردد صدى أسمائهم في العالم أجمع، فإننا لا نجد أنهم يربُّون أبناءهم على هذه الترهات الفارغة، بل يحرصون على ملء فراغهم بما ينفع من علم ورياضة ومواهب واختراعات، وللأسف فإن هؤلاء ليسوا من أبناء جلدتنا، لكنهم أدركوا معنى الخطر الذي يتربص بالعالم من وراء سراب الوهم هذا، الذي اشترك بعضهم بتصديره ربما لشبابنا، وحمى أطفاله منه… !
ثالثاً: خطورة إدمان العرض؟
قد يتساءل أحدنا: أليس من الطبيعي أن يحب المرءُ مدحه؟
والإجابة: إنّ الفرق بين حب المدح الطبيعي وإدمان العرض، هو الفرق بين شربة ماء، وغرق في المحيطات.
حب المدح الطبيعي يكون عرضيًا ولا يشغل الوجدان، وتستمر الحياة دونه. أما إدمان العرض فهو: وسواس مزمن مدمر…
- وسواس يقول لك: لا تفعل شيئًا دون أن تتساءل: “كيف سيبدو أمام الآخرين؟”
- مزمن: لأنّك تفتح هاتفك كل دقيقة لترى عدد الإعجابات.
- مدمِّر: لأنّ سعادتك تصبح في يد الآخرين، اليوم يُعجبون بك فتبتهج، وغدًا يتجاهلونك فتنهار.
إنّ الانشغال المفرط بـ”السمعة الرقمية” يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب، وإلى الشعور بعدم الكفاءة، لأنّ المقارنة مع الصور المفلترة للمؤثرين تجعلك دائمًا في موقع النقص.
إنه إدمان بلا مادة، لكن تأثيره على الدماغ يشبه تأثير الكوكايين: كل إعجاب يُفرز الدوبامين، فتحتاج إلى المزيد، ثم المزيد، حتى تصبح مدمنًا لا تشبع.
رابعاً: تحرير السعادة
والسؤال المهم: كيف نسترجع سعادتنا التي رهنّاها بأيدي الآخرين؟
- وقفة صادقة مع الذات
إنها دعوة لشباب أمتنا…. لماذا خُلقنا؟ وإلى متى سنبقى؟ وما الأثر الذي تركناه وراءنا؟
إنّ كل امرئ إذا طرح هذه الأسئلة على نفسه وسمع همس ضميره وعقله الباطن، سيستفيق من هذا الهراء الذي يقوده إلى حتفه..
إذا تأمل فرأى أنّ الكون من حوله كله يعمل بجدً واجتهاد دون توانٍ، وكل على طريقته التي خلقه الله عليها، فسيجد أنّ الإنسان هو أكثر هذه المخلوقات عبثًا ونسيانًا لوظيفته التي خُلق من أجلها، وإذا أدركته السعادة وأصغى لنداء قلبه فإن الوقت سيكون كافيًا للعودة من جديد، بمنظومة جديدة تحكم سلوكياته، وتزرع الخير فيه وفيمن حوله..
- ممارسة الحياة دون توثيق: جرّب أن تأكل وجبة دون أن تصورها، أو تقضي يومًا في الطبيعة دون منشور، أو تفرح بمناسبة دون بث مباشر، إن كنت ممن أدمن ذلك فستشعر بثقل غريب أولاً، ثم بخفة لا توصف، ستعيش اللحظة بجمالها، ونعمها التي وهبك إياها المولى، ورزَقَك أسبابها لتشكره عليها، لا لتشرك معه غيره فيها.
- إعادة تعريف النجاح: النجاح ليس في أعين الناس وكلماتهم بل في قلوبهم التي أحبتك بحق، وتركتَ فيها أثرًا لا ينسى ولو بعد حين، ولتتذكر باستمرار: الإنسان الناجح لا يمسك بوقًا ينادي في الناس: أن انظروا إلى نجاحي وترقبوا إنجازاتي… الإنسان الناجح من تتحدث عنه أفعاله فقط….
وأخيرًا…. فلطالما كان بيت الشعر الآتي يستوقفني:
وتحسبُ أنّك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
ليختصر مفهوم القوة التي أودعها الله في عبده، والتي يمكنها أن تصنع الكثير، وأرقب حال بعض شبابنا فأرى همتهم قد صغرت حتى دقت، وكادت أن تختفي، فتخنقني العبرة مع حسرة على هذا الحال، ودعوات في ظهر الغيب أن يصلح الله حال شبابنا، الذي يمتلك من القدرات والطاقات الهائلة ما لا يقدر بثمن… والله المستعان..



