
الدولة الحديثة: بين فقه الواقع والتنظير الأكاديمي
الجميع يتحدّث الآن في العالم العربي، وفي الأوساط المهتمة بالدراسات الشرعية تحديدًا، عن عيوب الدولة الحديثة، وعن تلك الكارثة التي حلّت على المسلمين مع اجتياح الحداثة واستبدال الدولة الحديثة بالنموذج التقليدي للحكم. ثمّة مبالغة كبيرة – كما أرى – في الذمّ الإجمالي لهذا الاصطلاح الغائم: “الدولة الحديثة”، وفي نسبته كلّيًّا إلى الغرب كمّا نوّهت سابقًا، وفي العدائية الموجّهة إليه وفصله تمامًا عن الحضارة الإنسانية. والواقع أنّ مشكلة المسلمين اليوم ليست مع “الدولة الحديثة”، فلا بدّ لهم من دولة ولا بدّ من حداثتها، أي مواكبتها لشروط العصر الذي نعيش فيه.
فالمقصود بالحداثة هنا هو الراهن الذي يحمل تطوّرًا تقنيّا وتنظيميّا وإداريّا وعسكريّا، ولا بدّ من مواكبة هذه “الحداثة” بهذا المفهوم؛ لأننا غير قادرين على مواجهة تحدّيات العصر الراهن الذي نعيشه إذا واجهنا هذا التطوّر الذي راكم الخبرات البشرية السابقة بأنماط قديمة تتجاهل الخبرة البشرية الحديثة، وإلا فسنكون عرضة دائمًا للصدمات الحضارية والارتهان لتفوّق الآخر. وجميع الأمم التي خرجت من الاستضعاف أو تخرج الآن تواكب هذه الحداثة سواء في المعرفة والدراسات أو في الصحة والأمن الغذائي والدوائي أو في الضبط والتنظيم وأساليب الإدارة أو في نقل التقنيات وغير ذلك من مظاهر الحداثة، وليس المقصود ما اصطُلح عليه تحت مسمّى “الحداثة” من مفاهيم فلسفية غربية تتعارض مع مفاهيمنا وقيمنا.
إنّ مشكلة المسلمين اليوم مع مفاهيم تؤخّرهم عن قيام حضارتهم: بعضها ذاتي تراثي قديم، وبعضها غربي وافد، سواء ذلك الذي يتعلّق بمفهوم الدولة وعلاقتها بالمجتمع، أو الذي يتعلّق بعالم الرؤى والأفكار والهوية والغاية من الوجود الإنساني، فقد ضربت الحضارة الغربية الجاهلية أسس مفاهيم المسلمين المبنية على الكتاب والسنّة.
أما الدولة فيجب أن تكون قويّة وحديثة على أرفع مستوى إداري وتقني، والبيروقراطية في عصرنا شرّ لا بدّ منه مع هذا التضخّم السكّاني والتشابك المعرفي والوظيفي، لكنّها قابلة للتخفيف إلى أدنى الدرجات (كما يحدث في بعض الدول) وقابلة للتضخيم إلى أعلى الدرجات المرهقة (كما يحدث في دول أخرى).
أمّا الضبط والهيمنة، فيمكن طرح رؤى للتخفيف من وطأتها في مختلف المجالات، وفتح الباب للمؤسسات الأهلية كي تدير مختلف الأنشطة التي احتكرتها الجمهوريات الشمولية التي هي مجرّد شكل من أشكال الدولة الحديثة، لكن دون إلغاء دور الدولة الضروري والحيوي في الأمن والسياسة الداخلية والخارجية والاقتصاد والاجتماع والمرافق الدينية والصحية والمجتمعية وغير ذلك؛ كي لا يصبح الناس فوضى لا سراة لهم.
وأمّا الهوية والانتماء، فالنزعة القومية وتغذيتها ليست أمرًا لازمًا لبناء دولة حديثة، ويمكن الاستعاضة بمفاهيم استقطاب متجاوزة لأيديولوجيا “القُطر السياسي-الوطن” وبثّ قيم جديدة من خلال نخب المجتمع والنخب الحاكمة. إنّ الركون إلى النزعة الوطنية وتعزيزها هو مجرّد كسل في العقل العربي المسلم، بل جريمة أخلاقية تدل على انحطاط فكري لا أكثر. وفي العالم اليوم نموذج يثبت إمكان تجاوز بناء الهوية على “القُطر السياسي-الوطن” وهو نموذج إسرائيل القائم على هوية دينية خاصّة متجاوزة للوطن وأقرب إلى نموذج “الأمة” التي يجمعها دين واحد ولغة واحدة وتاريخ واحد، وقد تحدّثنا عنه في مقالين سابقين.
وأمّا السيادة، فينبغي تركيزها في مفهوم متجاوز للدولة وهو الشريعة، بحيث تصبح الشريعة النموذج الأعلى الذي لا ينبغي تجاوز هيمنته من الحاكم والمحكوم، مع بقاء الدولة باعتبارها “مؤسسة” وفيها “موظّفين” منفّذين يخدمون الأمة ويعملون من أجل رسالة الإسلام، دون تحويل هذه “الدولة” إلى “رمز” و”هوية”. ومع ذلك لا بد أن تكون الدولة قوية، مسيطرة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المجتمعات التي تحكمها، لا تدع الأمر فوضى لينهب من يشاء ما أراد، قادرة على مواجهة المخاطر والأطماع الخارجية بأجهزة استخبارات وقوة عسكرية مكافئة لقوى الإقليم وتسعى إلى التوازن معها، متخذة لأحدث الوسائل والتقنيات لمواجهة أي تحدّ داخلي انفصالي أو تهديد خارجي، حافظة لوحدة البلاد لمنعها من التفتت والعودة إلى الأنماط القبلية، تماما كما حدث في دولة النبوّة التي وحّدت جهود قبائل العرب دون إلغاء وجودها وتعدُّديتها، وهذا التوحيد والمركزية في القرار كان له وظيفته الأساسية في بناء الحضارة الإسلامية.
إنّ التفكير غير الواقعي بالانقلاب التام على شيء اسمه “الدولة الحديثة” ونسبة كل الآفات إليها هو تفكير أكاديمي بارد منفصل عن احتياجات الأمة، يحمل ملامح “رومانسية” و”فوضوية” إلى حدّ كبير، صدّره إلينا بعض الأكاديميين من الغرب، أولئك الذين لم يذوقوا حركة التاريخ ولا فقه الواقع
وأمّا التشريع، فلا بدّ من إعادته إلى أيدي أهل النظر والاجتهاد من المؤهَّلين من علماء الأمة، وأن تكون لهم مؤسّستهم المستقلّة عن سلطات الدولة، وأن يكون مبنيًّا على أصول الفقه الإسلامي مع الاستفادة من مختلف المدارس الفقهية دون تجاوز قطعيات الشريعة المتفق عليها. لكن لا يمكن إبقاؤه فرديّا مرتبطًا بأفراد، ونحن إذا كنّا قد ارتقينا في عصرنا هذا إلى مستوى المجامع الفقهية لِتَعَقُّد مسارات الحياة وتفاصيلها، ونتيجة لجهود توفيقية برزت في عصرنا كمنحى تجديد فقهي يركّز على الفقه المقارن (الذي له جذور تراثية) وتجاوزًا للتعصّب المذهبي؛ فهذا كله لا علاقة له بالحداثة، وهو اتجاه ضروري نحو مأسسة الفقه وضبطه وتفعيل خيار الاجتهاد الجماعي وشورى المؤمنين، فهو تفعيل لقيم إسلامية إلى جانب الاستجابة لمتطلّبات العصر. ويمكن في ظلّ هذا الخيار الإبقاء على التعددية الفقهية في المسائل الاجتهادية، والتفريق بين ما ينضبط به أمر الناس كقضاء حاكم يستند إلى مؤسسة فقهية مستقلّة فيها اجتهاد جماعي من مختلف المذاهب، وبين خيارات الأفراد والمجتمع الدينية المختلفة في الفتاوى التي ليست من الشأن العام الجماعي وتحتمل الاختلاف.
وأمّا العسكرة واحتكار العنف، فينبغي التوازن بين بناء قوة عسكرية منظّمة قادرة على مواجهة تحدّيات العصر والتوازن مع القوى الإقليمية والدولية، وبين “عسكرة المجتمع” بجعله قويّا قادرا على الدفاع عن نفسه من أي عدوان خارجي في حالة سقوط الدولة، أو من تغوّل الدولة وبطشها وبَغيها إذا سقطت في المظالم الشديدة والاستبداد والارتهان للخارج، والنماذج القائمة في العالم اليوم لذلك عديدة (اليمن، أفغانستان، الولايات المتحدة). دون التحوّل إلى نمط “الميليشيات” داخل الدولة، بل يكون ضمن عُرف أهلي مجتمعي، ويستند إلى المرجعية الفقهية الراسخة التي تضبط أبواب الدماء والقتال وعلاقة الحاكم بالمحكوم.
وأمّا اختيار السلطة وبناء السياسات الداخلية والخارجية، فلا بدّ من تفعيل دور المجتمعات من خلال إحياء مفهوم أهل الحلّ والعقد بل والمؤسسات الشعبية التي تؤثّر في السياسة من غير الانصهار في السلطة، أي بكلمات أخرى: لا بد من إحياء مفهوم “الجماعة” المفارقة “للسلطة”، فهي ليست جزءًا منها ولا ينبغي اختزال الجماعة بالسلطة.
كل ما ذُكر أعلاه، على ما فيه من إحياء دور الأمّة المغيّب، لا يلغي الدولة وحداثتها وقوتها وتنظيمها وضبطَها المؤسسي، فهذه ضرورات نابعة من تقدّم البشرية، والبشرية لا تعود إلى الوراء، وما نحنّ إليه من نماذج تاريخيّة سيظلّ حنينًا يمكننا أن نقبس منه ما ينفعنا لكننا لن نعود إلى نماذج الإدارة والحكم القديمة الأبعد عن المأسسة، فالاتجاه نحو المأسسة غير مرتبط بالمفاهيم الغربية مع نشأة الدولة القومية بعد سقوط هيمنة الكنيسة، بل هو مرتبط بالتقدّم التقني والمعرفي والازدياد السكاني والخبرة البشرية، فهذه “إمكانات” و”ضرورات” هي التي فتحت المجال إلى نماذج الضبط المؤسسي وفي صلبها الدولة المركزية القوية.
والمقارنة بين العصر الراشد مثلا وبين الدولة المملوكية تُظهر هذا التطوّر البشري الطبيعي حتى في مرحلة ما قبل الحداثة، حيث تبلورت مؤسسات القضاء والوقف والحسبة بل والفقه ومدارسه بطريقة لم تكن في العصر الأول من الدولة الإسلامية، مما يؤكّد أنّ الاتجاه نحو المأسسة غير مرتبط باجتياح الحداثة فحسب. وهذا لا يعني أنّ المأسسة تستلزم وضع كل المؤسسات بيد السلطة، ولكنه من جهة أخرى لا يعني استقلالها تماما حين تتجاوز التعددية المؤسسية حدودها وتفتح الباب للنزعات الانفصالية لبعض المجتمعات ذات اللون الواحد (طائفة، قبيلة، عرق) بحيث تستأثر بمقدّرات مناطقية، بل لا بد أن تظل الدولة هي المرجعية المؤسسية العليا على مستوى الإدارة والضبط، فهي المرجعية الإدارية العليا، ولكنها لا تحتكر المرجعيات الفكرية والفقهية والمجتمعية.
إنّ إحياء دور الأمة ضروري، سواء عبر ما ذُكر هنا من وسائل ومجالات، أو عبر فتح المساحة للجمعيات الأهلية والأُطر المجتمعية المختلفة لتمارس بناء المجتمع والحضارة دون سلطة فكرية وقيمية تفرضها الدولة. ومن المهم أن ندرك أنّ اختزال دور الأمة وتقييده لم يبدأ مع الحداثة، بل هو مرتبط بخلل تاريخي اختزل الجماعة بالسلطة، وحدّ من دور الأمة السياسي، ثم تفاقم مع اجتياح النموذج الغربي الشمولي الاستبدادي للدولة في بلادنا، ممّا جعل دور الأمة يضمُر أكثر. وبداية الإصلاح تكون بالعودة إلى النموذج الراشد والمساحة التي يعطيها للفرد والمجتمع خارج السلطة، دون التقيّد بأنماط الإدارة والضبط وغياب المأسسة المرتبطة بظروف ذلك العصر ومتطلّباته. و”فقهُ الواقع” هنا هو الذي يجعلنا نفرّق بين الثابت من الأحكام والقيم وبين المتغيّر الذي تتطلّبه تحدّيات الواقع الراهن.
إنّ التفكير غير الواقعي بالانقلاب التام على شيء اسمه “الدولة الحديثة” ونسبة كل الآفات إليها هو تفكير أكاديمي بارد منفصل عن احتياجات الأمة، يحمل ملامح “رومانسية” و”فوضوية” إلى حدّ كبير، صدّره إلينا بعض الأكاديميين من الغرب، أولئك الذين لم يذوقوا حركة التاريخ ولا فقه الواقع، ويتعاملون مع الصيرورات الواقعية كمفاهيم مجرَّدة منفصلة في فقاعاتها، دون الانتباه إلى التطوّر الطبيعي للمجتمعات وأشكال السلطة، وتفاعُل الأمم مع بعضها بعضًا، وتبادُل خبراتها منذ قرون طويلة حتى يومنا هذا: من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق.



