أفكار الكبارالمقالات

عوامل تكوين الحضارة في فكر مالك بن نبي

كان المسلمون في عصرهم الذهبي (القرنين 8–13م) لا يرون العلم إلا عبادة، والعمل إلا رسالة، والمال إلا وسيلة لإعمار الأرض، وقد كان كلُّ مسلم منهم يتبوأ مكانته ومسؤوليته عن إعمار الأرض، فارتبطت الحرية بالمسؤولية، والكرامة بالعمل، والحقوق بالواجبات، ولا شك أن من أهم عوامل نجاحهم هو المكنون الثقافي الموجه الذي لم يكن قط مجرد تخزين معلومات، بل رؤية شاملة للحياة، جمعت بين الدين والعلم والفن، فنتج عنها انسجام بين الفكر والسلوك، هذا الوعي جعل المسلم محورًا في صناعة الحضارة التي اشتهرت بامتلاكها الروح.

وتجلت هذه الروح في السعي الحثيث نحو الإبداع والابتكار، فتحولت المساجد إلى جامعات تخرج طلبة العلم، والمكتبات إلى منارات فكرية، والرحلات إلى جسور لنقل المعرفة.

وحين نتأمل مسار الأمم، ندرك أنّ الحضارة ليست بناءً يُشيَّد بالحجارة وحدها، ولا زمنًا يُستهلك في الانتظار، بل هي معادلة حيّة قوامها الإنسان أولًا، بما يحمله من إرادةٍ وأفكارٍ وروحٍ قادرة على إشعال النهضة. فلا تُبنى الحضارة حسب مالك بن نبي إلا بتضافر وتفاعل عوامل ثلاثة مع بعضها البعض هي: (الإنسان، التراب، والزمن). ولكي يكون التفاعل في الاتجاه الإيجابي يحدد بن نبي مؤثرًا حيويًا يكلل هذا التفاعل بالنجاح وهو (روح الحضارة) المتمثل بالثقافة الموجهة التي تنتج الأفكار ولا تنغمس في عالم الأشياء، فالنهضة الحضارية شعلة متقدة زيتها أفكار لا تنقطع.

ومن معادلة بن نبي المشهورة (إنسان + تراب + وقت = ناتج حضاري) نتناول في مقالنا هذا العامل الأول والأهم في هذه المعادلة وهو الإنسان، لكن السؤال الجوهري هو: أيّ إنسان نريد؟ وما هي صفاته حتى يكون عاملًا حيًا في هذه المعادلة؟

أولًا- الإنسان النصف/ رجل القلة

حين تتعثر المشاريع النهضوية في مجتمعٍ ما، تتوجه سهام الاتهام في غالب الأحيان نحو العوامل الخارجية كالاستعمار، والأنظمة، والفساد، أو التدخلات. وهي اتهامات مريحة تحمل عن كاهل المسؤولين أعباء الفشل، وهي بحكم دوام وجودها تمثل المشجب الذي نعلق عليه كل خيباتنا. غير أنّ مالك بن نبي يكشف زيف ادعاءاتنا، حين يحدد لنا أخطر عامل يسبب تعثر مشاريعنا الحضارية، إنه الإنسان نفسه، لا بوصفه فاعلًا، بل بوصفه غائبًا، وإن وجد فإنه غير مكتمل الوجود.

إنه “إنسان النصف” الذي يعيق النهضة بثقافة الكسَل والأنانية، ولا يربط الحرية بالمسؤولية، ولا يحوّل المعرفة إلى قيمة، والعمل إلى رسالة.

رجل القلة هو الموظف في مشروع تنموي لا يعمل، والطالب في صف التغيير لا يقرأ، والمواطن في دولة ديمقراطية لا يصوّت.

ويعتبر بن نبي أنّ إفساد النهضات يكون بإنتاج «إنسان النصف«

فمن هو إنسان النصف؟ ولماذا يعدّ من أخطر معوّقات التقدم؟

إنسان النصف هو الذي يحرص على حقوقه، ويتجاهل واجباته. يطالب بالحرية دون أن يربطها بالمسؤولية، ينادي بالكرامة دون أن يبني سلوكًا يحترم كرامة الآخرين. إنه رجل متمحور حول رغائبه، أناني لا يرى ما عليه.

  • إنه الطالب الذي ينتظر جرس الانصراف، يحضر بنصفه، يدرس للامتحان، كي ينجح بأي شكل، أو يحصّل درجة عالية يتميز بها عن أقرانه، يسعى للتخرج من الجامعة كي يتباهى بشهادته، ويجد فرصة عمل يكسب منها قوته. لا تعنيه المعرفة في شيء، ولا بناء قدراته وامتلاك مهارات حديثة تجعله فاعلًا يخلق القيمة المضافة.
  • إنه طالب العلم الذي يخزن في ذاكرته الكثير من المتون فيصير (شريحة ذاكرة) ليس إلا، لا يعي ولا يدرك دوره في بناء المجتمع.
  • إنه المعلم الذي ينتظر راتبه الشهري، يقف أمام طلبته لتمضي دقائق الحصة الدرسية، فاقدًا الإخلاص والإحسان، والهم والرسالة.
  • إنه الخطيب والإمام الوظيفي، يتنصل من نفسه حالما ينزل من المنبر أو يغادر المحراب.
  • إنه المثقف الذي يرى الثقافة على أنها طريقة ليصبح بارزًا، أو يراها عِلمًا يجلب رزقًا.
  • إنه الموظف التقليدي الذي ينتظر نهاية الدوام الممل، انتظاره آخر الشهر.
  • إنه الإنسان الذي يحسن نقد كل شيء، دون أن يساهم في إصلاح أي شيء، يعيش على هامش الحركة، ويتقن فنون الشكوى.

هو الموظف في مشروع تنموي لا يعمل، والطالب في صف التغيير لا يقرأ، والمواطن في دولة ديمقراطية لا يصوّت أو يبيع صوته.

هذا الإنسان غالبًا ما يكون نتاج بيئة محبِطة، تربّت على شعور عميق بالعجز والنقص، فلا أحد يكافئ الاجتهاد، ولا أحد يُنمّي حسّ المبادرة، بل الجميع محبطون، ويعادون فكرة التألق والبروز باعتبار أي بارز منهم هو شاذ.

الإنسان هنا ضحية انكسارات متراكمة جعلته يشكّ في جدوى الفعل حينما تأخرت النتائج، وكل محاولة إصلاح في محيطه عادت عليه بالتجاهل والسخرية. فتعلّم ألا يجازف، ألا يحاول، كي لا يفشل، كي لا يكون محط سخرية أحد.

رجل القلة غالبًا ما يكون نتاج بيئة محبِطة، تربّت على شعور عميق بالعجز والنقص، الجميع محبِطون، ويعادون فكرة التألق والبروز باعتبار أي بارز منهم هو شاذ.

المجتمع يُعيد إنتاج “أنصاف البشر”

ولا تكمن المشكلة في فردٍ واحد، بل في بنية تُكرّس نمط أنصاف الإنسان، فأنظمة التعليم التي تُشجع على الحفظ لا التفكير، والعمل الإداري الذي يكافئ الخمول لا المبادرة، والبيئة الثقافية التي تهمّش المبدعين وتُعلي من صخب الشعارات… كلها عوامل تُنتج نسخة مشوهة من الإنسان، إنسان النصف.

الفرد هنا ابن منظومةٍ لا تسأله عن إنجازاته وآثاره، بل عن انتمائه. ولا تحاسبه على تفريطه، بل تمنحه شرعية دائمة كونه “مظلومًا دائمًا”.

الإنسان النصف لا يصنع حضارة، بل يعيقها. هو ببساطة عائق لا يُرى، لكنه يُشلّ كل حركة نحو المستقبل. إنه قابلٌ للاستعمار وعاجزٌ عن الإبداع.

وأثر هذا الإنسان على النهضة بالغ الخطورة فهو صانع الفشل الصامت، إنه لا يُهاجم النهضة صراحة، بل يُعيقها من الداخل، لا يحارب المشاريع، بل يتسلل إليها بثقافته الكسولة، فيُفرغها من المعنى.

هذا الإنسان لا يصنع حضارة، بل يعيقها. هو ببساطة عائق لا يُرى، لكنه يُشلّ كل حركة نحو المستقبل. إنه قابلٌ للاستعمار وعاجزٌ عن الإبداع.

فأي إنسان إذن يمكن أن يصنع الحضارة؟

ثانيًا- الإنسان الفاعل

يرى مالك بن نبي أنّ الإنسان هو العنصر الجوهري في معادلة الحضارة، فهو الذي يوظّف الأرض والزمن ويحوّل الإمكانات إلى فعل حضاري. غير أنّ هذه المعادلة لا تتحقق إلا إذا كان فاعلًا؛ مدركًا دوره الاستخلافي، واعيًا بمسؤوليته التاريخية، قادرًا على تحويل الأفكار إلى مشاريع عملية، ومحصّنًا ضد التبعية الفكرية والاستهلاك السلبي.

فالإنسان الفاعل عنده هو حامل رسالة، يجمع بين العلم والضمير، ويستثمر ثقافته وقيمه في بناء نهضة أصيلة. ومن هنا يؤكد بن نبي أنّ أي مشروع نهضوي يبدأ أولًا من صناعة هذا الإنسان الفاعل، لأنه وحده القادر على نقل المجتمع من حالة الجمود إلى دينامية التاريخ.

ويؤثر الإنسان الفاعل في مجتمعه من خلال ثلاثة مؤثرات أساسية هي:

  1. فكره الذي يمثل الثقافة.
  2.  عمله الذي يجسد الجهد والإنتاج.
  3.  وماله الذي يشكل رأس المال.

غير أنّ هذه المؤثرات تحتاج إلى توجيهٍ واعٍ حتى تؤدي دورها الحضاري، فالتوجيه يعني في جوهره قوةً في الأساس، توافق في السير، ووحدة في الهدف، وهو السبيل لتجنب الإسراف في الجهد والوقت. ومع توفر العقول المفكرة، والسواعد العاملة، ورأس المال، يبقى التحدي الأكبر هو إدارة هذا الجهاز الهائل وتوجيهه نحو الهدف المنشود، مع الحرص على منع التزاحم بين الطاقات، وضمان انسجامها في خدمة المشروع الحضاري.

الإنسان الفاعل هو حامل رسالة، ومن هنا يؤكد بن نبي أنّ أي مشروع نهضوي يبدأ أولًا من صناعة هذا الإنسان الفاعل، لأنه وحده القادر على نقل المجتمع من حالة الجمود إلى دينامية التاريخ.

توجيه الثقافة

ما الفرق بين الثقافة والعلم؟

في الغرب، عُرّفت الثقافة على أنها فلسفة الإنسان. وفي البلاد الاشتراكية عُرِّفت على أنها فلسفة المجتمع.

يعتبر بن نبي أن الثقافة نظرية في السلوك أكثر ما تكون نظرية في المعرفة. والتماثل والاختلاف في السلوك ناتج عن الثقافة، لا عن العلم. لأن السلوك الاجتماعي للفرد خاضع لأشياء أعم من المعرفة وأوثق صلة بالشخصية.

كيف عرّف مالك بن نبي الثقافة

عرف بن نبي الثقافة في كتابه (شروط النهضة) على أنها مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته. الثقافة هي البيئة التي يشكل فيها الفرد طباعه وشخصيته، وهذه البيئة هي التي تعكس حضارة معينة.

 وهذا التعريف يضم فلسفة الإنسان وفلسفة المجتمع معًا، بمعنى أن بزوغ شعاع الحضارة يبدأ من الشرارة الروحية التي تدمج معطيات الإنسان مع معطيات المجتمع.

الثقافة عند مالك بن نبي ليست علمًا حكرًا لطبقة من الشعب دون أخرى. بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة. لجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي. وإذا كانت الثقافة هي الجسر الذي يعبره المجتمع إلى الرقي والتمدن، فإنها أيضا ذلك الحاجز الذي يحفظ أفراده من السقوط إلى الهاوية.

الثقافة هي ذلك الدم في جسم المجتمع، يغذي حضارته، ويحمل أفكار النخبة، كما يحمل أفكار العامة، وهي أفكار منسجمة في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة، والاتجاهات الموحدة، والأذواق المتناسبة.

لذلك فإنه من الضرورة بمكان أن تعود الثقافة إلى مستواها الحقيقي، بعد أن شوهها (رجل القلة)، الذي يمكن أن يأخذ في الوسط الثقافي ألقابًا جديدة مثل (المتعالم أو المتعاقل أو حامل اللافتات العلمية).

ويشبّه بن نبي الثقافة بالدم إذ إنها تمثل السائل المجتمعي الذي يحمل أفكار النخبة كما يحمل أفكار العامة في اتساق تام وباتجاه واحد يحمي المجتمع ويقوده إلى النهضة، كما يحمل يتألف الدم من كريات بيض وحمر في وسط متجانس يغذي الجسد على الدوام.

وفي هذا النسيج المتجانس المؤلف من أفكار وقيم وسلوكيات منبعها النخبة والعامة معًا يتولد البرنامج التربوي للثقافة كدستور ثقافي حي للمجتمع، ويتألف هذا البرنامج التربوي من عناصر أربعة:

  1. التوجيه الأخلاقي لتكوين الصلات الاجتماعية المتينة التي تؤسس لتماسكٍ لا غنى عنه في السعي نحو بناء الحضارة، فهكذا كان شأن المجتمع المسلم حين قاد العالم.
  2.  التوجيه الجمالي لتكوين الذوق العام، فالصورة الجميلة والبيئة المتسقة تولد الأفكار الجميلة البناءة، وفي هذه البيئة ينزع الفرد إلى الإحسان والعطاء والإبداع
  3. المنطق العملي لتحديد أشكال النشاط العام. ارتباط العمل بوسائله ومعانيه، وتحديد مؤشرات الأداء والأثر لتكون المعايير واضحة والنتائج قابلة للقياس.
  4.  التوجيه الصناعي بحسب حاجة المجتمع وسوق العمل لتوفير كفاءات مهنية منتجة، والصناعة هنا تشمل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقيات العلوم المختلفة.

بهذه العناصر الأربعة يتقلص وجود “إنسان النصف”  أمام الإنسان الفاعل، بل يجد إنسان النصف أيضًا دوره في نظام موجّه يضبط دور أفراده ويوحّد الإيقاع ليخبو صوت النشاز حتى يتلاشى.

الخروج من دائرة “إنسان النصف” إلى فضاء الإنسان الفاعل يبدأ من زرع المعنى في الفعل البسيط، وتربية الطفل على أن جهده ليس عبثًا، وأنّ التعليم ليس للحفظ، بل للفهم والإتقان، والعمل ليس للأجر الشهري فحسب، بل لصناعة القيمة وترك الأثر.

فحين يعود الإنسان إلى ذاته، ويستعيد علاقته المتوازنة مع الحياة، ينكسر نصفه، ويكتمل مشروعه. ولا يكون من المطفّفين (ممن يحرصون على حقوقهم ويتقاعسون عن القيام بواجباتهم)

والخروج من دائرة “إنسان النصف” إلى فضاء الإنسان الفاعل يبدأ من زرع المعنى في الفعل البسيط، وتربية الطفل على أن جهده ليس عبثًا، وأنّ التعليم ليس للحفظ واجتياز الاختبارات الفصلية، بل للفهم والإتقان، والعمل ليس للأجر الشهري فحسب، بل لصناعة القيمة وترك الأثر.

فالنهضة لا تحتاج أبطالًا خارقين، بل بشرًا طبيعيين يقومون بواجباتهم كما يطالبون بحقوقهم، بشرًا يجسدون معنى الآية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [ آل عمران: 110]

يحملون الهم الرسالي ويؤمنون بتجدد الحضارة، على عكس الشعور الليبرالي غير المبالي بتدهورها.

أ. عماد كوسا

كاتب روائي وقصصي وناشط في مجال العمل الشبابي والمجتمعي.

أ. عماد كوسا

كاتب روائي وقصصي وناشط في مجال العمل الشبابي والمجتمعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى