المقالات البحثيةالمقالات

لماذا إسرائيل هو يعقوب عليه السلام؟ دراسة في الاستقراء القرآني

    يتناول هذا المقال إثبات مسألة في غاية البداهة، في عصرٍ بات فيه إثبات الواضحات أمرًا ضروريّا لبيان المنهج العلمي في فهم كتاب الله تعالى، وهي أنّ “إسرائيل” المذكور في القرآن الكريم هو نبي الله يعقوب عليه السلام.

    ومن الظواهر المنتشرة في عصرنا الحالي تصدُّر بعض فاقدي الأدوات لتفسير معاني القرآن ومفرداته بطريقة تخالف ما أطبقتْ عليه الأمة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم. والإشكالية في هذه الظاهرة أنّها تفترض ضمنًا بأنّ كلمات القرآن العربي الميسّر كانت عصيّة على أهل اللسان العربي من الصحابة الذين نزل القرآن بينهم، وعلى جميع أهل العلم في هذه الأمة منذ القرن الأول وعلى مدى أكثر من أربعة عشر قرنًا، حتى جاء بعض من لا يتقن العربية ليقول للناس المعنى الصحيح للكلمة!

    وليس الحديث عن اصطلاحات هامشية ولكنّه عن اصطلاحات مركزية لا يمكن القول بأنّ المسلمين جهلوها طوال هذه القرون إلّا بادعاء عدم نجاح رسالة النبي صلى الله عليه وسلّم – حاشاه – وتحريفها منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم!

    كلمات مثل: الإسلام والإيمان والعبادة والصلاة وبني إسرائيل وما أشبه ذلك، فهذه اصطلاحات مركزية في كتاب الله تعالى، تكرّرت مرّات كثيرة جدّا فيه، وارتبطت بمساحة كبيرة من الآيات والسور، والجهلُ بها يعني الجهلَ بحقيقة هذا الدين وبأخبار القرآن المركزية. لكنْ رغم الاختلافات الكثيرة التي حدثتْ في الأمة لم يختلف علماء الأمة حول المعاني الأساسية لهذه الاصطلاحات، ولم نجد أحدًا مثلًا يقول: إنّ الإيمان ليس من باب التصديق الجازم المطمئنّ بالغيب بل هو سلوك تجاه البشر! وإنّ الصلاة ليست شعيرة تعبّدية! أو إنّ بني إسرائيل ليسوا قومًا بل هو وصف ينطبق علينا نحن المسلمين، وإسرائيل ليس نبيّ الله يعقوب عليه السلام!

    ورغم الدلالة الخطيرة لمجرّد اقتراح معنى مختلف لهذه الاصطلاحات المركزية وغيرها كما تقدّم، فإنّي أحبّ دائمًا أن أبيّن بأنّ هؤلاء يخالفون نتائج استقراء القرآن الكريم، قبل الدخول في السنّة النبوية وما أجمعت عليه الأمة وعلى رأسها الصحابة والتابعون وأهل التفسير والفقه والعربية؛ وذلك لأنّ الذريعة الأكبر لهؤلاء هي أنّ المفاهيم التقليدية الشائعة لدى المسلمين حول هذه الاصطلاحات القرآنية ناتجة عن “مصادر خارجية” تأثّرت بشكل أو بآخر بأديان سابقة أو حضارات أخرى، بينما يجب علينا – وفقًا لهم – أن نستقي مفاهيمنا القرآنية من القرآن نفسه فحسب. وفي هذا السياق يزعمون بأنّ معلومة “إسرائيل هو يعقوب عليه السلام” لا يدلّ عليها القرآن، بل هي مأخوذة من أهل الكتاب.

    ورغم قبح هذا الادعاء وإزرائه بأمة كاملة، وإغفاله “تعليم” الرسول صلى الله عليه وسلّم للقرآن المذكور بالنصّ في عدة آيات، كقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 151)؛ فإنّني سأبيّن في هذا المقال عكس ما يقول هؤلاء، من خلال معالجة اصطلاح “إسرائيل” واستخبار القرآن عن المقصود به، إذ سيظهر عند تطبيق الاستقراء العلمي لآيات القرآن أنّ تفسير إسرائيل بيعقوب هو التفسير الذي ينسجم مع السياقات القرآنية التي تذكر إسرائيل ويعقوب وبني إسرائيل، بل إنّها بمجموعها تنطق به بوضوح شديد لا ينكره سوى مكابر. بينما تبدو التفسيرات الأخرى (كتفسيره بنبي الله لوط عليه السلام) منقطعة وبعيدة عن السياقات القرآنية، ولا يقول بها سوى من في نفسه غرضٌ يريد لأجله معاندة نتائج استقراء القرآن!

****

    مقدّمة في منهج الاستقراء

    قبل الشروع في بيان الأدلّة القرآنية على أنّ إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، أحبّ أن أنوّه إلى منهج هذا المقال، وهو منهج “الاستقراء”. فلا توجد في كتاب الله تعالى آيةٌ واحدةٌ تقول لنا ببساطة: إسرائيل هو يعقوب. لكنْ من اعتاد قراءة القرآن يدرك أنّ القصص القرآني يخلو من كثير من التفاصيل التي تكون في كثير من الأحيان من “المفهوم ضمنًا”، فتعريف إسرائيل بأنّه اسم ليعقوب عليه السلام هو أمرٌ شائعٌ لدى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بجميع طوائفهم، والأهم أنّه أمرٌ لم يعترض عليه القرآن ولم يُصحّحه كما صحّح مقولات أخرى خاطئة لديهم حول المسيح وعُزير وسليمان عليهم السلام وغير ذلك مما افتُريَ على هؤلاء الأنبياء، بل ذَكر إسرائيل وبني إسرائيل وخاطبهم دون تحديد هوية أخرى لإسرائيل، وكان خطابه منسجمًا تمامًا مع كونه يعقوب عليه السلام. وهو بعدُ مصطلحٌ مركزيٌ انتسب إليه بنو إسرائيل، فلا يُعقل أن يسكت عنه القرآن وقد شاع “المفهوم الخاطئ” عنه لدى أهل الكتاب قاطبةً، ثم شاع في الأمة فنطقت به نصوص السنّة وآثار الصحابة ومن بعدهم!

    لكن مع ذلك كلّه، فإنّ في القرآن ميزةً مهمّة؛ وهي أنّ مجموع نصوصٍ معيّنة يولّد معنى قطعيًّا بالاستقراء، وهذا المعنى قد لا نجده في نصٍّ واحدٍ منها على حِدة، بل بالربط بينها. هذا الاستقراء هو الذي يفتقر إليه بل يفرّ منه أولئك الذين يحرّفون المصطلحات القرآنية المركزية، فهو العدوّ الأول لهم؛ لأنّه يفضح تأويلاتهم البعيدة المتكلّفة، النافرة عن نظام القرآن واللسان العربي كما سنرى، ولذلك سنجدهم “انتقائيين” يختارون ما يريدون من الآيات والدلالات العربية ليصرفوها عن الواضحات، ويُغفلون سائر الآيات المتعلّقة بالموضوع محلّ البحث.

    يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ) رحمه الله في كتاب “الموافقات” في إفادة مجموع الظنّيات القطعَ:

    “وإنما الأدلةُ المعتبرةُ هنا، المستقراةُ من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطعَ؛ فإنّ للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه، فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموعٌ يفيد العلم؛ فهو الدليل المطلوب، وهو شبيه بالتواتر المعنوي، بل هو كالعلم بشجاعة عليٍّ رضي الله عنه وجودِ حاتمٍ، المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما.

    ومن هذا الطريق ثبتَ وجوبُ القواعد الخمس؛ كالصلاة والزكاة وغيرهما قطعًا، وإلّا فلو استدلّ مستدلٌّ على وجوب الصلاة بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} أو ما أشبه ذلك؛ لكان في الاستدلال بمجرّده نظرٌ من أوجه، لكنْ حفّت بذلك من الأدلة الخارجية والأحكام المترتّبة؛ ما صار به فرضُ الصلاة ضروريًّا في الدين، لا يَشُكّ فيه إلّا شاكٌّ في أصل الدين”[1].

    ويقول رحمه الله في موضع آخر من الكتاب عن أحد أسباب قلة المتشابه في الشرعيات:

    “والثالث: الاستقراء؛ فإنّ المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جرتْ له على قانون النظر واتسقت أحكامها وانتظمت أطرافها على وجه واحد”[2]. ويقول بعد ذكر تأويلات المعتزلة والخوارج والجبرية لبعض الآيات دون النظر في آيات أخرى توضّحها: “وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظرٍ فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل؛ لوصلوا إلى المقصود. فإذا ثبت هذا، فالبيان مقترن بالمبيَّن، فإذا أُخذ المبيَّن من غير بيان صار متشابهًا، وليس بمتشابه في نفسه شرعًا، بل الزائغون أدخلوا فيه التشابه على أنفسهم فضَلّوا عن الصراط المستقيم”[3].

    وسنطبّق بإذن الله منهج الاستقراء هذا على آيات كتاب الله تعالى في سبيل معرفة هوية “إسرائيل” كما يقرّرها القرآن.

    هوية إسرائيل عليه السلام بحسب الاستقراء القرآني

    حين نستقرئ كتاب الله تعالى نجد القرآن يقودنا بوضوح إلى أنّ “إسرائيل” هو “يعقوب” عليه السلام، وتأمّلوا هذه الحقائق القرآنية الداخلية بهذا الترتيب:

    أولًا- إسرائيل مفردًا، شخصٌ سابقٌ للتوراة وأصل نسَب بني إسرائيل

ذُكر “إسرائيل” مفردًا بوصفه اسم شخص بعينه، وذُكر معه بنو إسرائيل بوصفهم ذريّته، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} (آل عمران: 93). فهو شخصٌ سابق للتوراة، و”بنو إسرائيل” هم ذريّته المنتسبون إليه بمقتضى هذا التركيب العربي الفصيح المعروف، وتجاهل هذا التركيب ودلالته الواضحة خروجٌ عن العربية التي نزل بها القرآن. وحتى لو قيل: إنّ لاسمه معنى اشتقاقي، فكونه ذا معنى لا يمنع أن يكون علَمًا على شخص، فهذا هو حال معظم الأسماء! وسنأتي على ذكر معناه الأقرب في آخر المقال بإذن الله.

    ثانيًا- آل يعقوب وذريّة إسرائيل

 أما الموضع الثاني الذي ذُكر فيه اسم “إسرائيل” مفردًا فهو مفتاح تعيين هويّته، فقد افتُتحت سورة مريم قصصها بدعاء زكريا عليه السلام: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} (مريم: 5-6)، فسمّى الله تعالى البيت النبوي الذي ينتمي إليه زكريا ويحيى “آل يعقوب”، ممّا يؤكّد أنّ “آل يعقوب” هنا ليسوا مجرد أهل بيت معاصرين لزكريا، بل اسم لسلالة نبوية ممتدة، وهو ما تكشفه قصص سورة مريم وخلاصتها.

    ثم ذكر تعالى في السياق مريم وعيسى عليهما السلام، ثم ذكر إبراهيم عليه السلام فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} (مريم: 41)، ثم قال عنه: {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} (مريم: 49)، ثم ذكر موسى وهارون عليهما السلام، ثم إسماعيل وإدريس عليهما السلام، قبل أن يختم هذه السلسلة بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} (مريم: 58). وهكذا يُسمّى الفرع النبوي في افتتاح السورة “آل يعقوب”، ويُذكر يعقوب نفسه في صلب السلسلة في موضعه بعد إبراهيم وإسحاق وقبل موسى وهارون، ثم يُسمّى هذا الفرع النبوي في خلاصتها “ذرية إسرائيل”. وهذا يجعل اتحاد يعقوب وإسرائيل في المسمّى هو التفسير الطبيعي لبناء السورة.

    ويتعزّز هذا البناء حين نلاحظ أنّ القرآن يكرر في مواضع متعددة السلسلة النسبية نفسها: إبراهيم ثم إسحاق ثم يعقوب؛ كما في الأنعام: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} (الأنعام: 84)، وهود: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (هود: 71)، والأنبياء: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} (الأنبياء: 72)، فضلًا عن تكرار اقتران يعقوب بالأسباط بعد إبراهيم وإسحاق في البقرة وآل عمران والنساء كما سيأتي. فموضع يعقوب داخل السلسلة الإبراهيمية ثابت ومتكرر، ثم تأتي سورة مريم – بعد أن تذكر يعقوب في الموضع نفسه وتذكر بعده موسى وهارون – فتلخّص هذه الأنساب بقوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ}. وهذا التكرار عبر سور مستقلة يعزّز أن “إسرائيل” في خلاصة سورة مريم هو “يعقوب” نفسه الذي يتكرر اسمه بوصفه الجدّ الذي يلي إسحاق وتخرُج بعده السلالة الإسرائيلية.

    فإذا انضم إلى ذلك أنّ ليعقوب اثني عشر ابنًا، وأنّ بني إسرائيل اثنا عشر سبطًا، انتقل الأمر من مجرد القرينة السياقية إلى التعيين القوي. ومن أراد الفصل بينهما يلزمه أن يقول إنّ السورة بدأت بذكر آل يعقوب، ثم ذكرت يعقوب في صلب السلسلة، ثم ختمت بذرية “إسرائيل” بوصفه شخصًا لم يُذكر في السورة ولا ذُكرتْ قصته باسمه إسرائيل في القرآن أصلًا، وهذا تكلُّفٌ ظاهر يتنزّه عنه القرآن.

ثالثًا: التطابق الاثنا عشري بين أبناء يعقوب والأسباط والسردية المصرية

    ففي سورة يوسف يخاطب يوسفُ عليه السلام أباه يعقوب عليه السلام: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (يوسف: 4)، ثم يأتي تأويل الرؤيا في آخر السورة في قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} (يوسف: 100)، فالشمس والقمر: أبواه، وأحد عشر كوكبا: إخوته، وهو الثاني عشر. أي إنّ يعقوب له اثنا عشر ابنًا.

    وفي سورة البقرة يقترن اسم يعقوب وبنيه بالأسباط، قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132). فذَكر السياقُ وصية إبراهيم لبنيه، ثم وصية يعقوب لبنيه، وبعد آيات قليلة وردت الصيغة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ} (البقرة: 136)، فالترتيب والاقتران بين يعقوب والأسباط وتكرُّره في آيات أخرى (البقرة: 140، وآل عمران: 84، والنساء: 163) يشير إلى أنّه ليس أمرًا عارضًا، فإسماعيل ذُكر بعد إبراهيم وهو من نسله، ويعقوب ذُكر بعد إسحاق وهو من نسله، والأسباط ذُكروا بعد يعقوب. وليس موضع الحجّة مجرد ترتيب الأسماء، بل اجتماع هذا الاقتران المتكرر مع كون أبناء يعقوب اثني عشر، وكون أسباط بني إسرائيل اثني عشر، واتصال القصتين في مصر كما سيأتي بعد قليل.

    وترتيب النسب واضح: إبراهيم، ثم إسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف وإخوته الأحد عشر، وهم أبناء يعقوب الاثنا عشر. وهو الترتيب نفسه في آية البقرة مع زيادة إسماعيل: إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب، ثم الأسباط الذين ذكر القرآن أنّهم أيضًا اثنا عشر سبطًا؛ ففي سورة الأعراف، في سياق قصّة موسى عليه السلام جاء في وصف قومه: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} (الأعراف: 159-160). ومَن هم قوم موسى؟ هم بنو إسرائيل كما هو واضح في آيات عديدة كقوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف: 138). وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} (المائدة: 12). وعدد النقباء يوافق عدد الأسباط الاثني عشر، ويعزز انتظام الجماعة في اثنتي عشرة وحدة ممثَّلة. والسبط في أصل اللغة “يدلّ على امتداد شيء” كما يقول ابن فارس في “مقاييس اللغة”، وهو كما يقول الراغب الأصفهاني في “مفردات ألفاظ القرآن”: “ولد الولد، كأنّه امتداد الفروع، قال: {ويعقوبَ والأسباطَ}، أي: قبائل كل قبيلة من نسل رجل”. فيكون أصل كل سبط رجل واحد.

    ومن المهمّ أن نربط بين يوسف وموسى لتتأكّد كل الأدلة السابقة على أنّ الأسباط هم نسل يوسف وإخوته، فيوسف ذهب إلى مصر واستقرّ فيها ودعا أهله جميعا إليها فقال: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} (يوسف: 93)، فأتى إليه أبواه وإخوته: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} (يوسف: 99). وموسى وهارون وقومهما (وهم بنو إسرائيل كما اتّضح) كانوا بمصر: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} (يونس: 87)، والآيات في إثبات هذا كثيرة. وقد نصّ القرآن على مجيء يوسف قبل موسى عليهما السلام، ففي قصّة موسى وفرعون قال الرجل المؤمن: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} (غافر: 34). فلدينا أبناء يعقوب الاثنا عشر وقد استقرت أسرتهم بمصر، ثم نجد الجماعة الخارجة من مصر مع موسى، وهي بنو إسرائيل، مقسّمةً إلى اثني عشر سبطًا. وقال موسى لفرعون: {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (الأعراف: 105)، وهؤلاء الذين خرجوا مع موسى من بني إسرائيل هم أنفسهم اثنا عشر سبطًا كما تقدّم في سورة الأعراف 160.

   والقرآن لا يذكر دخول أسرة إبراهيمية أخرى إلى مصر، ولا يعرّفنا خلال الانتقال بين يوسف وموسى بجَدّ جديد اسمه إسرائيل ولا يتحدث عنه (رغم مركزيّته) حديثًا منفردًا، بل تبدأ الحلقة بيعقوب الذي له اثنا عشر ابنًا، وتنتهي ببني إسرائيل ذوي الأسباط الاثني عشر.

    رابعًا: احتجاج القرآن على بني إسرائيل بوصية يعقوب وميراثه

    ومن الإشارات السياقية القوية المؤيّدة لكل ما سبق أنّ الله عزّ وجلّ حين ذكر يعقوب في سورة البقرة في قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133)، جاءت وصية يعقوب في سياق محاجّة أهل الكتاب، وبعد خطاب بني إسرائيل بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 122)، ثمّ يذكر الدلائل بأنّ إبراهيم وإسماعيل كانا مسلمَين، ودعوتهما بأن يبعث الله الرسول صلى الله عليه وسلّم الذي كذّب به بنو إسرائيل، ثم يُذكّر بملّة إبراهيم وأنّها الإسلام، وذكر أنّها وصيّته لبنيه وأنّها أيضًا وصيّة يعقوب، وهنا المحكّ؛ فهو يحتجّ عليهم، ولهذا يقول لهم: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ}، ليؤكّد أنّه لم يقل للناس كونوا هودًا أو نصارى على شاكلة ما انتهى إليه حالكم من مخالفة الإسلام والتوحيد.

    فالقرآن يقول لهم إنّ إبراهيم ويعقوب – اللذين تنتسبون إليهما – لم يكونا على ملّتكم، واستشهاده بيعقوب تحديدًا بهذه الطريقة احتجاجًا عليهم يكتسب كاملَ قوته من انتساب بني إسرائيل إليه وادعائهم وراثة عهده ودينه. ويؤكّد ذلك تتمة السياق إذ قال بعد آيتين: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (البقرة: 135). وتأمّل لفظ “الملّة” الذي يحاجَج به بنو إسرائيل، وكيف أنّه اللفظ الذي ذكره يوسف قبل ذلك ونسبه إلى يعقوب بعد إبراهيم وإسحاق: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} (يوسف: 38).

    وحين نركّز على اصطلاح “آل يعقوب”، نجده يرسّخ فكرة الذريّة الباقية التي لها شأن في مسيرة النبوة والرسالة، قال تعالى عن يوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (يوسف: 6). ثم نجد ذكر “آل يعقوب” على لسان أحد أنبياء بني إسرائيل في حقبة لاحقة كما تقدّم، وهو نبيّ الله زكريّا عليه السلام، حيث قال: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} (مريم: 5-6). بل يمكننا بسهولة أن نربط هذه الآية بقوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ} (غافر: 53)، وبقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} (الجاثية: 16). وفي حديث القرآن عن إبراهيم عليه السلام قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} (العنكبوت: 27)، فتحدّث عن امتداد النبوة والكتاب في ذريّته عند ذكر إسحاق و”يعقوب”.

    ثم جاءت الاستجابة بإيتاء يحيى الكتاب والحكم ووصفه بالنبوة، قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} (مريم: 12)، ووصفه بقوله: {وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران: 39). فالذي طلب زكريا أن يرثه ابنه يحيى من “آل يعقوب” موافق للميراث الذي أورثه الله بني إسرائيل: الكتاب والحكم والنبوة، وهذا ينشئ تناظرًا واضحًا بين “آل يعقوب” و”بني إسرائيل” من جهة الوظيفة النبوية، فضلا عن التطابق النَسَبي والسياقي كما سبق بيانه.

    وتأمّل هذا التبادل الاسمي: في البقرة 122: {يا بَني إسرائيل}، ثم في البقرة 132 يقول يعقوب {يا بَنيّ}، ثم يأتي ذكر {يعقوب والأسباط} في البقرة 136 و140.

    وفي آل عمران 84 {يعقوب والأسباط}، ثم في آل عمران 93 {بني إسرائيل… إسرائيل}.

    وفي مريم 6 {آل يعقوب}، ثم في مريم 58 يأتي ذكر ذريّة إسرائيل.

    وهذا التبادل الاسمي في سياقات ثلاثة مستقلّة يشبه تفسير القرآن بالقرآن.

    وعلى القول بأن إسرائيل شخص آخر غير يعقوب، يلزم افتراض جدّ آخر سابق للتوراة، تنتسب إليه الجماعة ذات الأسباط الاثني عشر في مصر، ويتّصل فرعه النبوي بالسياق نفسه الذي يسميه القرآن “آل يعقوب”، من غير أن يعرّفنا القرآن بشخصه أو قصّته رغم مركزيته في النسب والتاريخ. أما القول بأنّ إسرائيل هو يعقوب فيفسر هذه المعطيات كلها بشخص واحد معلوم، من غير افتراض عنصر غائب عن النص. أمّا لوط عليه السلام فلا يربطه القرآن بالأسباط، ولا بالعدد اثني عشر، ولا بالسردية المصرية، ولا بموسى أو زكريا أو عيسى أو أيّ من أنبياء بني إسرائيل، ولا ببيت نبوي يمتدّ إلى زمن زكريا ويحيى. ولهذا احتاج من زعم أن إسرائيل هو لوط إلى اختراع قصّة من بنات خياله لم ترد في كتاب الله تعالى!

فبعد هذه الآيات كلّها تصبح الحلقة القرآنية واضحة:

  • إسرائيل شخص بعينه، سابق للتوراة، وأصل النسب الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل؛ فقد ذكر القرآن أنه حرّم طعامًا على نفسه قبل نزول التوراة، وجمع في الآية نفسها بين الشخص المسمّى “إسرائيل” وذريته المسمّاة “بني إسرائيل”.
    • يربط بناء سورة مريم بين “آل يعقوب” و”ذرية إسرائيل”؛ فتبدأ القصص بطلب زكريا وليًّا يرث من آل يعقوب، ثم يُذكر يعقوب نفسه في السلسلة بعد إبراهيم وإسحاق، وتُختتم السلسلة بذكر ذرية إسرائيل بعد ذرية إبراهيم. ولذلك يكون اتحاد يعقوب وإسرائيل في المسمّى هو التفسير الطبيعي لهذا البناء السياقي.
    • تتطابق البنية النَّسَبية والتاريخية لبني إسرائيل مع أسرة يعقوب؛ فليعقوب اثنا عشر ابنًا، وبنو إسرائيل اثنا عشر سبطًا، ويتكرر اقتران يعقوب بالأسباط، ثم تستقر أسرة يعقوب في مصر، ويأتي يوسف قبل موسى، ويظهر بنو إسرائيل في مصر جماعةً مقسمة إلى اثني عشر سبطًا وتخرج مع موسى؛ فتتصل الحلقة من غير جدّ آخر بين الطرفين.
    • يعامل القرآن بني إسرائيل بوصفهم ورثة عهد يعقوب وامتداد آل يعقوب النبوي؛ ففي سياق خطاب بني إسرائيل يحتج عليهم بوصية يعقوب لبنيه، ويصف ميراث آل يعقوب بالامتداد في يحيى، بينما يصف بني إسرائيل بأنهم ورثوا الكتاب وأوتوا الكتاب والحكم والنبوة. فالعهد والميراث والأمور المنسوبة إلى آل يعقوب هي نفسها التي تظهر في بني إسرائيل.

        وبالجمع بين ما سبق نقول: إنّ القرآن يذكر أنّ بني إسرائيل جماعة يعود أصلها لشخص اسمه إسرائيل، ويُظهر تناظرًا تبادليّا بين “آل يعقوب” و”ذريّة إسرائيل”، ويذكر أنّ بني إسرائيل قُطّعوا اثنتي عشرة أسباطًا، ويذكر اقتران يعقوب بالأسباط مباشرةً في أكثر من موضع مع تطابقهم العددي مع أبنائه وتطابق المكان (مصر)، ويذكر أنّ آل يعقوب كانوا الفرع النبوي الممتدّ الذي اجتمع فيه الكتاب والحكم والنبوة عند بني إسرائيل.

        والخلاصة أنّ الاستقراء الداخلي للقرآن يحمل حجّة داخلية تحمل درجة اليقين الاستقرائي، ولا يترك بعدها احتمالًا مخالفًا ذا قيمة تفسيرية حقيقية بأنّ إسرائيل هو شخص آخر غير يعقوب. إنّ الدليل الاستقرائي القرآني هنا ليس قائمًا في آية منفردة بل باستقراء مجموع آيات وسياقات.

        والآن، علينا أن نتساءل بصدق بعد كل هذه الدلائل المتضافرة على أن يعقوب هو إسرائيل: هل تتوفّر شبكة استدلالية قرآنية منافسة لهذه الشبكة تشير إلى أنّ إسرائيل هو شخص آخر؟ لو تفحّصنا من يزعم أنّه لوط، فإنّه ليس فقط لا يمتلك شبكة تنافس هذه الشبكة أعلاه؛ بل هو لا يمتلك دليلا واحدًا أو أَثارةً من علم، وحين ذُكرت “ذريّة إسرائيل” في سياق سورة مريم الذي مرّ معنا كان قد سبقها في سياق السورة “آل يعقوب” ولم يُذكر لوط مطلقًا.

        أما الحديث عن “مصاهرة” بين إبراهيم ولوط بسبب قوله تعالى {ومن ذريّة إبراهيم وإسرائيل}، فالآية كاملة تقول: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} (مريم: 58)، فالعطف بين إبراهيم وإسرائيل لا يشير إلى أصلين منفصلين بالضرورة، بل هو منسجم مع ما سبقه من بناء الآية حيث الانتقال من الأعمّ إلى الأخصّ: ذرية آدم، ثم مَن حُمِل مع نوحٍ وهم فرع من ذريّة آدم، ثم ذريّة إبراهيم وهم فرع من ذريّة مَن حُمل مع نوح، ثم ذريّة إسرائيل، وبهذا ينسجم العطف تماما مع كون إسرائيل فرعًا من إبراهيم، ولا يدلّ وحده على انفصال النسب بينهما فضلا عن ادعاء مصاهرة مفترضة بلا دليل!

        ولا أعلم كيف يترك عاقل كل الدلائل التي ذكرناها في القرآن والتي تتضافر على أنّ إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، ثم يطارد أوهامه ويحاول ليّ أعناق النصوص ليجعل إسرائيل هو لوط، وتكون أدلّته بهذا القدر من التهافت والهشاشة!

        دلالة السنّة النبوية على أنّ إسرائيل هو يعقوب

        وبعد أن انتهى الاستقراء القرآني إلى تعيين إسرائيل بيعقوب عليه السلام، لا بدّ أن نلقي نظرة إلى ما تقوله السنّة النبوية بمفهومها الواسع عن هوية “إسرائيل”، فالسنّة هي بيان الكتاب، والرسول صلى الله عليه وسلّم هو معلّم الكتاب كما تقدّم بنصّ القرآن[4].

        والحقيقة أنّنا نجد بعض النصوص الواضحة في ذلك، منها حديث حسنٌ عند المحقّقين (وصحّحه بعضهم)، وهو الذي رواه ابن عبّاس، وفيه سأل عصابة من اليهود رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: “أيُّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه قبل أن تُنزَّل التوراة”؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام: “فأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أنّ إسرائيل يعقوب عليه السلام مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه، فنذر لله نذرًا لئن شفاه الله من سقمه ليُحرّمنَّ أحبَّ الشراب إليه وأحب الطعام إليه، فكان أحبّ الطعام إليه لُحْمانُ الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانُها؟ “، فقالوا: اللهمّ نعم” (مسند أحمد)[5].

        وهناك رواية أخرى للحديث من طريق آخر وبألفاظ أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس جاء فيها عن الرسول صلى الله عليه وسلّم في خطابه مع اليهود: “فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيلُ على بنيه إذ قالوا {الله على ما نقول وكيل}” (مسند أحمد)[6]. وهي إحالة إلى الآية 66 من سورة يوسف من قول يعقوب عليه السلام، فسمّاه في الحديث “إسرائيل”.

        ونجد بعض الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم تؤيّد هذا الفهم، وهو أنّ يعقوب هو إسرائيل، منها ما رواه عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود قال: “إدريس هو إلياس، وإسرائيل هو يعقوب” (تفسير الطبري). ومنها ما رواه السدّي عن مرّة بن شراحيل الهمداني عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: “وأما الأسباط فهم بنو يعقوب…” (المستدرَك على الصحيحين). ومنها ما رواه عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: “يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم هو إسرائيل عليهم السلام” (المستدرَك على الصحيحين). ورواه سعيد بن جبير أيضًا عن ابن عبّاس أنّه قال: “وإسرائيل يعقوب” (تفسير ابن المنذر). وذكر هذا التعيين أيضًا عدد من التابعين وتابعي التابعين.

        وإلى جانب هذه الآثار فإنّنا نجد إجماع الأئمة، وعلى وجه الخصوص أهل التفسير، على أنّ إسرائيل هو يعقوب، وهو إجماع تصريحي واستقرائي. فقد صرّح به الرازي (توفي نحو 606 هـ) في تفسيره فقال في تفسير قوله تعالى {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتيَ التي أنعمتُ عليكم} في سورة البقرة: “اتفق المفسرون على أنّ إسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم”، وذكر غيره ذلك. والأهم من هذا، أنّ استقراء كتب التفسير لا يُطلعنا على خلاف في ذلك، فالجميع متّفقون على أنّ إسرائيل هو يعقوب عليه السلام. والإجماع عبر القرون على ذلك منذ القرن الأول هو أحد مسالك معرفة السنّة، إذ لا تُجمع الأمة على تعيين شخصية قرآنية إلا وكانت قد تعلّمت ذلك من جهة الوحي أو الذين عاصروا نزول الوحي وتعلّموه مباشرة من نبيّهم صلى الله عليه وسلّم[7].

        فإذا جمعنا هذه الأحاديث والآثار مع الإجماع يتحصّل لدينا سياق سنّي – بالمفهوم الواسع للسنّة – يؤكّد أنّ إسرائيل هو يعقوب، بغير خلاف أو نكير. وهذه السنّة بها نتعلّم الكتاب، وهؤلاء الصحابة والتابعون وتابعوهم والعلماء من بعدهم هم الذين علّمهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم الكتاب.

        فالحاصل بعد كل هذا:

    1. أهل الكتاب مجمِعون على أنّ إسرائيل هو يعقوب مع كونه اسمًا مركزيّا.
    2. القرآن يذكر إسرائيل وبنيه في عدد ضخم من الآيات والسياقات، ولا يصحّح تعيينه بيعقوب، بل يرسّخه ويؤكّده بتضافر السياقات كما تقدّم.
    3. السنّة بما فيها من أحاديث وآثار وإجماع الأئمة تؤكّد هذا التعيين.

        فلم يترك الاستقراء الشامل مكانًا لتعيين غيره، ولا حتى بالتكلّف والتأويل، إلّا أن يكون عنادًا مفضوحًا وغرضًا غير علميّ!

        وأخيرا، يبقى سؤال آخر لا يتعلق بإثبات الهوية بقدر ما يتعلّق بدلالة الاسم وملاءمته الصورةَ التي رسمها القرآن ليعقوب: ما الذي يحمله اسم “إسرائيل” من معنى؟ وكيف ينسجم هذا المعنى مع قصته القرآنية؟ وهنا يمكن للاشتقاق اللغوي المقارن أن يضيف بعدًا دلاليًّا مهمًّا إلى هذا الفهم.

        الحفر اللغوي الاشتقاقي يؤيّد أنّ إسرائيل هو يعقوب

        من الطريف أنّ الحفر اللغوي الذي يُستعمل أحيانًا للقول إنّ “إسرائيل” مشتق من “أسرى” أو “الإسراء” يبيّن سطحية هذا التأويل، وأنّ صاحبه بعيد كل البعد عن الاشتقاق اللغوي المقارن؛ فاسم إسرائيل في العبرية هو יִשְׂרָאֵל (يِسْرائيل)، وينتهي بـ إيل (אֵל)، وهو الاسم السامي المعروف للإله. أمّا اشتقاق جزئه الأول من العربية “سَرى/أسرى” لمجرّد التشابه الصوتي فليس منهجًا اشتقاقيًا؛ إذ لا تكفي مشابهة الأصوات، بل لا بدّ من مراعاة الجذور والمقابلات الصوتية بين اللغات السامية.

        والسين في יִשְׂרָאֵל هي שׂ التي تقابل في العربية حرف “ش” في مجموعة معروفة من الألفاظ نحو: عيسِر في العبرية (עֶשֶׂר) وتقابلها في العربية “عَشر”، وسيعار (שֵׂעָר) وتقابلها “شَعْر”، وغيرها من الكلمات. ولذلك يقارن معجم BDB الجذر العبري שָׂרָה (سَرا) بالعربية شَرِيَ، ويعطيه معاني: المثابرة وبذل الجهد والاستمرار، ثم يفسّر اسم יִשְׂרָאֵל نفسه بنحو: “إيل (إله) يثابر/يغالب”[8]. وثمة تخريج لغوي آخر يربطه بمجال الحكم والسيادة[9].

        وحين نعود إلى المعجم العربي نجد ابن فارس في “مقاييس اللغة” يذكر لمفردة “شَرى” ثلاثة أصول، ثالثها: “هَيْجٌ فِي الشَّيْءِ وَعُلُوٌّ”، ويقول عنه: “وَيُقَالُ: اسْتَشْرَى الرَّجُلُ، إِذَا لَجَّ فِي الْأَمْرِ”. فهو يحمل معنى المثابرة. والشريُّ كما في “لسان العرب” لابن منظور: “أَي فَرَسًا يَسْتَشْرِي فِي سيرهِ أَي يَلِجُّ ويَمْضِي ويَجِدُّ فِيهِ بِلَا فُتورٍ وَلَا انكسارٍ، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا لَجَّ فِي الأَمر: قَدْ شَريَ فِيهِ واسْتَشْرى؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ جادُّ الجَرْي”. وهذه الدلالات المعطاة لكلمة “شَرى” في العربية تشبه إلى حدّ كبير الدلالات المعطاة للفعل שָׂרָה في العبرية.

        فالبحث المقارن الجادّ يدور حول معاني المثابرة والمغالبة والسيادة، لا حول السير ليلًا. والأهم أنّ ذلك التأويل المتكلّف الذي يربط إسرائيل بالإسراء يهمل – كما تقدّم – أصل التركيب القرآني نفسه: “بنو إسرائيل”، فهم بنو شخص اسمه إسرائيل، لا جماعة سُمّيت بذلك لأنها “أُسري بها” أو “أسرت”. فردُّ “إسرائيل” إلى “إسراء” هو اعتماد على تشابه صوتي سطحي، وليس ردًّا إلى تأصيل لساني حقيقي!

        وحين ننظر في قصة يعقوب عليه السلام نجد ملاءمة لافتة لهذه المعاني التي ذكرنا؛ فالقصة كلها قائمة على غلبة أمر الله ونفاذ تدبيره: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} (يوسف: 21)، مع ما اتّصف به يعقوب نفسه من الثبات والمثابرة وعدم اليأس: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (يوسف: 18، 83)، {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} (يوسف: 87)، مع جمعه بين السعي والتدبير والتوكل: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (يوسف: 67). وهكذا، فإذا دار اسم “إسرائيل” على معاني المغالبة والمثابرة أو الحكم والسيادة، كان ملائمًا بصورة لافتة لقصة يعقوب القرآنية. ولا أقول إنّ هذه الموافقة في دلالة الاسم دليلٌ على هويّته، كما لا أجزم بعلّة التسمية، ولكنّه تفسير دلالي معقول لوجه تسميته بهذا الاسم، والله أعلم.

    شريف محمد جابر


    [1] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، تحقيق: الحسين أيْتْ سعيد (فاس: منشورات البشير بنعطية، 1438-2017)، 2: 46-48.

    [2] الشاطبي، الموافقات، 4: 179.

    [3] المصدر السابق، 4: 187.

    [4] للتفصيل في هذا الباب راجع دراستي “هل فسّر الرسول القرآن؟” على موقع غراس للإنتاج الفكري.

    [5] قال أحمد شاكر عن الحديث في طبعة دار الحديث للمسند: “إسناده صحيح، عبد الحميد بن بهرام، بفتح الباء، الفزاري: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وأبو داود، وتكلم فيه بعضهم من أجل روايته عن شهر، وهو راويته، ولكن شهر ابن حوشب ثقة، كما قلنا في 2174، وقال أحمد بن صالح المصري: “عبد الحميد ابن بهرام ثقة، يعجبني حديثه، أحاديثه عن شهر صحيحة”. والحديث مختصر 2514″. وجاء في تحقيق طبعة دار الرسالة لشعيب الأرنؤوط وآخرين: “حسن، وهذا إسناد ضعيف، عبد الحميد بن بهرام تكلم بعضهم في روايته عن شهر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وشهر بن حوشب مختلف فيه، والأكثر على تضعيفه، وللحديث طريق آخر يتقوى به سيأتي برقم (2483)”.

    [6] قال أحمد شاكر عن الحديث في طبعة دار الحديث للمسند (وهي عنده برقم 2383): “إسناده صحيح، عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني: كان يكون في بني عجل، فربما قيل “العجلي”، وهو ثقة، وثقه ابن معين والعجلي والنسائي. وقول أبي أحمد الزبيري: “رأيناه عند حسن” يريد أنه لقى عبد الله بن الوليد عند الحسن بن ثابت الأحول. بكير بن شهاب الكوفي: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير 2/ 1/ 114، وقال أبو حاتم: “شيخ”، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث عند الترمذي والنسائي. والحديث ذكر البخاري أوله في ترجمة بكير، رواه عن أبي نعيم عن عبد الله بن الوليد. وذكره ابن كثير في التفسير 1: 240 و 2: 187 – 188 عن هذا الموضع، وقال: “وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه. وقال الترمذي حسن غريب”. وفي تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين في طبعة دار الرسالة (رقم 2483): “حديث حسن دون قصة الرعد، فقد تفرد بها بكير بن شهاب، وهو لم يرو عنه سوى اثنين، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الذهبي في “الميزان”: عراقي صدوق، وقد توبع على حديثه هذا -فيما سيأتي برقم (2514) – سوى قصة الرعد، فهي منكرة، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن الوليد العجلي، فقد روى له الترمذي والنسائي، وهو ثقة”.

    [7] راجع فصل “فلسفة الإجماع” من كتابي “مفاتيح لفهم السنّة”، من إصدار موقع السبيل عام 2020.

    [8] انظر الرابط: https://www.sefaria.org/BDB%2C_%D7%A9%D6%B8%D7%82%D7%A8%D6%B8%D7%94

    [9] كتبت مادة طويلة في هذا البحث اللغوي ووضعت هنا خلاصتها بعد أن حذفتها خشية الإطالة، فهي جانب إثرائي وليس أساسيا في الدراسة.

    أ. شريف محمد جابر

    كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية إلى جانب إجازة في التعليم والتدريس والإرشاد من جامعة حيفا، ثم حصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة نفسها، وكانت أطروحته بعنوان "تفسير القرآن عند الحكيم الترمذي" (2021). له من الكتب: "الهوية والشرعية" (2011)، و"الخطاب المريض" (2015)، و"مفاتيح لفهم السنّة" (2018/2020)، و"الذرّة التائهة" (2021)، و"رسائل إلى سلمى" (2021)، و"العقائدية القاصرة" (2023)، و"منطق القرآن" (2023)، "ولماذا هجرنا القرآن في بناء أصول الإيمان؟" (2024). إلى جانب عدد كبير من الدراسات والمقالات المنشورة في مختلف المواقع على الشبكة

    أ. شريف محمد جابر

    كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية… المزيد »

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى