المقالات

عالمية الحضارة الإسلامية في التجربة التاريخية ج2

من خصائص الحضارة الإسلامية 30

الخاصية الرابعه عالمية الرسالة الإسلامية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

استعرضنا فى المقال السابق من المقال رقم 29 الجزء الأول التنوع العلمائي من المسلمين من مختلف الأجناس والأقطار والآن نستكمل حديثنا مبتدئين بمشاركة أتباع الديانات الأخرى في الحياة العلمية الإسلامية.

ومن مظاهر عالمية الحضارة الإسلامية أيضًا أنها لم تقتصر على المسلمين وحدهم، بل شارك في الحياة العلمية والثقافية عددٌ من العلماء من أتباع ديانات أخرى، وعملوا في ظل الدولة الإسلامية وأسهموا في ازدهار الحركة العلمية.

علماء غير مسلمين ساهموا في الحياة العلمية

في مجال الترجمة والطب برز عدد من العلماء المسيحيين، ومن أشهرهم الطبيب والمترجم حنين بن إسحاق الذي كان من أعلام حركة الترجمة في بغداد في عصر الدولة العباسية، وقد ترجم العديد من كتب الطب والفلسفة من اليونانية إلى العربية.

في النشاط العلمي برز عدد من العلماء اليهود، ومنهم الفيلسوف والطبيب موسى بن ميمون الذي عاش في الأندلس، ثم في مصر، وكان طبيبًا مشهورًا وله مؤلفات في الفلسفة والطب.

في الفلك والرياضيات برز علماء كبار من الصابئة الذين عاشوا في حران ظهر، ومن أشهرهم ثابت بن قرة الحراني الذي كان من أعلام الرياضيات والفلك في العصر العباسي.

وقد شارك هؤلاء وغيرهم في الحياة العلمية ضمن إطارٍ حضاري اتسم بالانفتاح والتعاون العلمي، مما يدل على أنّ الحضارة الإسلامية كانت فضاءً معرفيًا واسعًا يتسع لمختلف الثقافات.

إنّ النماذج المتنوعة من العلماء المسيحيين واليهود والصابئة شاهدٌ حيٌ على أنّ الحضارة الإسلامية كانت حضارةً إنسانيةً عالميةً، وفضاءً معرفيًا واسعًا اتسم بالانفتاح والتعاون العلمي بين مختلف الأعراق والديانات.

وهذه النماذج المتنوعة من العلماء والقادة من أعراق وديانات مختلفة تمثل شاهدًا حيًا على أنّ الحضارة الإسلامية كانت حضارةً إنسانيةً عالميةً، شاركت في بنائها شعوبٌ متعددةٌ، وأسهمت في ازدهارها طاقاتٌ مختلفة، وهو ما يؤكد أنّ عالمية الإسلام لم تكن مجرد دعوةٍ نظرية، بل تجربة تاريخية واقعية.

إسهام المغول في الحضارة الإسلامية

من الشواهد البارزة على عالمية الحضارة الإسلامية قدرتها على استيعاب شعوبٍ جديدةٍ انضمت إلى العالم الإسلامي عبر التاريخ، ومن أبرز هذه الشعوب المغول.

فبعد دخول عدد من قادتهم في الإسلام تحولت دولتهم إلى قوةٍ داعمةٍ للحضارة الإسلامية، وبرز منهم حكامٌ وعلماء كان لهم أثرٌ كبير في نشر العلم والعمران.

ومن أشهرهم السلطان محمود غازان الذي حكم الدولة الإيلخانية في فارس في القرن السابع الهجري، وكان إسلامه نقطة تحول في تاريخ المغول، حيث دعم المؤسسات العلمية وشجع العلماء.

كما عرفت بلاد ما وراء النهر والهند في العصور اللاحقة دولًا إسلامية ذات أصول مغولية، كان لها دورٌ مهمٌ في رعاية العلوم والفنون وبناء المدن.

 ومن أبرز هذه الدول الدولة المغولية في الهند التي بلغت أوج ازدهارها في عهد الإمبراطور جلال الدين أكبر ثم في عهد شاه جهان الذي شُيِّد في عصره عدد من المعالم العمرانية الشهيرة.

لقد شارك العرب والفرس والأتراك والأكراد والأمازيغ والأفارقة والمغول والملايو وغيرهم من شعوب الأرض، في بناء الحضارة الإسلامية، فكانت حضارةً إنسانيةً واسعةً تلاقت فيها طاقات الأمم المختلفة تحت مظلة قيم الإسلام.

وقد أسهم المغول بعد دخولهم في الإسلام في دعم الحياة العلمية والثقافية، وأصبحوا جزءًا من النسيج الحضاري للعالم الإسلامي، مما يدل على أنّ الحضارة الإسلامية كانت قادرةً على استيعاب شعوبٍ جديدةٍ وإدماجها في مشروع حضاري مشترك.

وهكذا نرى أنّ الحضارة الإسلامية شارك في بنائها العرب والفرس والأتراك والأكراد والأمازيغ والأفارقة والمغول والملايو وغيرهم من شعوب الأرض، فكانت حضارةً إنسانيةً واسعةً تلاقت فيها طاقات الأمم المختلفة تحت مظلة قيم الإسلام.

خلفاء وسلاطين مسلمين من أعراق مختلفة

إنّ من أبرز الشواهد على عالمية الحضارة الإسلامية أنّ قيادتها السياسية عبر التاريخ لم تكن حكرًا على شعبٍ واحد، بل شاركت فيها شعوبٌ متعددةٌ من أقاليم مختلفة من العالم الإسلامي، فتعاقب على قيادة الدول الإسلامية خلفاء وسلاطين من أعراق وثقافات متنوعة، يجمعهم الانتماء إلى الإسلام والعمل في إطار حضارته.

العرب

كان للعرب الدور الأول في قيام الدولة الإسلامية ونشر رسالة الإسلام، فقد انطلقت الدعوة من الجزيرة العربية، وقاد العرب المرحلة الأولى من بناء الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ثم في العهدين الأموي والعباسي.

وقد أسهم الخلفاء والسلاطين العرب مثل الخليفة عمر بن الخطاب وهارون الرشيد في توسيع الدولة الإسلامية وتأسيس مؤسسات الحكم والعدل، بما مهّد لظهور حضارة شاملة تجمع شعوبًا متعددة تحت راية الإسلام.

الأمازيغ

أسهم الأمازيغ إسهامًا كبيرًا في تاريخ الحضارة الإسلامية، خاصة في بلاد المغرب والأندلس.

برز منهم قادة كبار كان لهم أثر في الدفاع عن العالم الإسلامي وتوحيد أقاليمه، ومن أشهرهم يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين، الذي قاد المسلمين في معركة الزلاقة وأسهم في حماية الأندلس من التوسع المسيحي في ذلك العصر، مؤكدًا دور الأمازيغ في قيادة مناطق واسعة ضمن الحضارة الإسلامية.

الفرس

كان للفرس وشعوب آسيا الوسطى دور مهم في الحياة السياسية والثقافية في العالم الإسلامي، وقد قامت في مناطقهم دول إسلامية قوية، مثل الدولة الخوارزمية التي بلغت أوج قوتها في عهد السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وأصبح جلال الدين خوارزم شاه مثالًا للشجاعة في مقاومة الغزاة.

كما ساهم الفرس في الإدارة والعلم والفكر، مؤكدين مكانتهم في بناء الحضارة الإسلامية.

الأتراك

برز الأتراك في الحياة السياسية والعسكرية للعالم الإسلامي منذ قيام الدولة السلجوقية التي وحدت مناطق واسعة وأسهمت في حماية الخلافة العباسية، وكان من أبرز سلاطينها ألب أرسلان.

ثم جاءت الدولة العثمانية التي امتدت قرونًا طويلة، وكان من أشهر سلاطينها محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وجعلها مركزًا حضاريًا مهمًا، مما يعكس الدور الكبير للأتراك في قيادة الحضارة الإسلامية على مدى قرون.

الأكراد

شارك الأكراد في قيادة العالم الإسلامي أيضًا، ومن أبرز قادتهم صلاح الدين الأيوبي الذي أسس الدولة الأيوبية ووحّد مصر والشام، وتمكن من تحرير القدس بعد انتصاره على الصليبيين في معركة حطين، فكان مثالًا للقائد الذي جمع بين القوة العسكرية والعدل في الحكم، وأسهم في حماية الحضارة الإسلامية وتعزيز قيمها.

المغول

دخل بعض المغول الإسلام بعد مرحلة الغزو، فأسهموا في قيادة أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، ومن أبرزهم السلطان محمود غازان في الدولة الإيلخانية بفارس، الذي دعم المؤسسات العلمية والعمارة.

كما ظهرت في الهند دولة مغولية قوية ازدهرت في عهد سلاطينها مثل شاه جهان، الذي شهدت عهده ازدهار الفن والعمران، مؤكدًا قدرة الحضارة الإسلامية على دمج شعوب جديدة في بنيانها.

الأفارقة

وفي إفريقيا قامت دول إسلامية مزدهرة كان لها دور في نشر الإسلام ورعاية العلم، ومن أبرز حكامها منسا موسى سلطان دولة مالي، الذي رعى العلماء وازدهرت مدينة تمبكتو، فصارت مركزًا علميًا وثقافيًا مهمًا في غرب إفريقيا، مما يبرهن على الدور الحضاري للأفارقة ضمن العالم الإسلامي.

الملايو

شهدت مناطق جنوب شرق آسيا قيام دول إسلامية قوية، مثل سلطنة ملقا وغيرها من الإمارات الإسلامية التي أسهمت في نشر الإسلام في الأرخبيل الملايوي وتحويله إلى مركز تجاري وثقافي يربط العالم الإسلامي بالشرق الأقصى، مؤكدين دور الملايويين في قيادة الحضارة الإسلامية في تلك المناطق.

الهنود

شهدت الهند الإسلامية ظهور سلاطين محليين من أصول هندية ساهموا في قيادة الحضارة الإسلامية في مناطقهم، وكان لهم دور في العلم والفكر والعمارة والإدارة. ومن أبرزهم:

تيبو سلطان (1751–1799م)، سلطان ميسور، اشتهر بالدفاع عن دولته ضد الاستعمار البريطاني، واهتم بالعلم والعلوم العسكرية والعمارة، وأسهم في تطوير التعليم والمؤسسات العلمية في مملكته.

حكام محليون آخرون (مثل سلاطين ميسور وبنغال في فترات مختلفة) الذين أسهموا في إدارة الدولة الإسلامية مع مراعاة التقاليد الهندية المحلية، ونشر العلوم والفنون والعمارة، مما جعل الهند مركزًا حضاريًا متنوعًا يجمع بين الثقافة الإسلامية والأصل المحلي.

إنّ هذا التنوع الكبير في أصول الخلفاء والسلاطين – من العرب والأمازيغ والفرس والأتراك والأكراد والمغول والأفارقة والملايو والهنود – يدل بوضوح على أنّ الحضارة الإسلامية لم تكن حضارةً قوميةً ضيقة، بل كانت حضارة إنسانية عالمية، التقت فيها طاقات الأمم المختلفة وأسهمت في بنائها شعوبٌ متعددةٌ عبر العصور، وهو ما يؤكد حقيقة عالمية الإسلام وحضارته عبر التاريخ.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات العربية المتحدة مشرف على عدة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وعضو مؤسس في جمعية الإصلاح الإماراتية ومديراً لها.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى