المقالات

الرضا في المنظور الإسلامي وأثره على الصحة النفسية

د. إيناس محروس بوبس

دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ … وَطِب نَفسًا إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي … فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ

مَن منّا لم يسمع أبيات الإمام الشافعي الشهيرة هذه؛ عن معنى الرّضا بقضاء الله وقدره، ودعوة النفس للهدوء وعدم الجزع مما يقضُّ مضجعها أو لا يُوائم هواها ورغباتها.

كيف يبدو معنى الرضا في المنظور الإسلامي؟

الرضا في اللغة ضد السّخط، وهو القبول بالأمر بسرور لا ضجر فيه أو تذمّر. وفي المصطلح الإسلامي يتجلى بسكون القلب وطمأنينته وإيمانه بحكمة أقدار الله تعالى وخَيرِيَّتها، والقبول بما قسمه الله تعالى للمرء من سراء وضراء بتسليمٍ كاملٍ لا يشوبه سخطٌ أو اعتراضٌ أو حسرةٌ على ما فات، ويُعدُّ الرضا من أعلى درجات الإيمان ومقامات اليقين، ويتأتّى بوصفه ثمرة إيمانٍ عميقٍ وعقيدةٍ متينةٍ ومحبةٍ لله وثقةٍ بحكمته واختياراته.

ويُقسم الرضا في المنظور الإسلامي إلى:

  •  رضا الله تعالى عن عباده الذين يؤدّون الطاعة حقّ تأديتها
  •  ورضا العبد عن ربه وقضائه.

يقال: “من رضي بالقضاء استراح”، فالرضا أساس سعادة الإنسان في الحياة الدنيا، ومفتاحٌ من مفاتيح راحة البال وسكينة القلب وتثبيت النفس. وقد جاء وصف الرضا في القرآن الكريم بأنه من أعظم نعيم أهل الجنة:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)﴾ سورة البيّنة. ويدعم ذلك ويؤكده قوله تعالى في سورة المائدة/119 واصفاً الصادقين في قصدهم وأقوالهم وأفعالهم: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.

وتؤكد كثيرٌ من آيات القرآن الكريم أهمية الرضا وسعي المؤمن الحق لتحقيق رضا الله عنه بالعمل الصالح، فقد جاء في سورة الأحقاف/ 15: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾.

وقوله تعالى في سورة النمل على لسان سليمان عليه السلام: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.

وقوله تعالى في سورة طه/83-84 على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.

ما العلاقة بين الصبر والرضا؟

ما بين الصبر والرضا تتبدّى قوة المؤمن النفسية، فالصبرُ هو حبس النفس ومنعها من الجزع مع الشعور بكراهية البلاء ووجوب تحمّل المصيبة. أما الرضا فهو انتفاء الكراهية تمامًا، إذ يقع في القلب كطمأنينة تهدّئ جزع الفؤاد، ويقع في النفس قبولًا وإقراراً بقضاء الله، سواءٌ أطاب المصاب لها أم لم يطب، لأنه قدرٌ من الله تؤمن أنّ وراءه من الحكمة ما لا يقدر العقل البشري على رؤيته أو إدراكه واستشعاره دائمًا.

كيف وصف الصحابة والعلماء الرضا وحثّوا عليه؟

لا شك أنّ للرضا في الإسلام منزلةً عظيمة من منازل العبودية، ويُترجَم في صحائف الأعمال بوصفه ثمرةً من ثمرات محبة الله، ويورث صاحبه راحة نفسية وسرورًا وغنى في القلب وسعادةً تمتدّ من الحياة الدنيا إلى الآخرة بإذن الله.

 لكن هل يمكن للمرء –ببساطة- أن يُسَرَّ بِمُرِّ القضاء، وهل يمكن أن تطيب نفسه بكل ما يصيبه من شرٍّ أو يفوته من خير؟

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يُوصيه بالرضا قائلًا: “أما بعد، فإنّ الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر”. يريد بذلك أنّ الرضا بقضاء الله هو أصل الخير وسبيل النفس نحو السكينة والطمأنينة، فإن لم يستطع العبد أن يبلغ درجة الرضا فعليه أن يلزم الصبر.

وقال رضي الله عنه أيضاً: “ما أُبالي على أي حال أصبحت؛ على ما أحب، أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أُحب أو فيما أَكره”.

وقد أُثِر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “لأن يعضّ أحدكم على جمرة حتى تبرد، أو يمسك عليها حتى تبرد، خير من أن يقول لأمر قضاه الله ليتَه لم يكن”.أُثِر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “لأن يعضّ أحدكم على جمرة حتى تبرد، أو يمسك عليها حتى تبرد، خير من أن يقول لأمر قضاه الله ليتَه لم يكن”.

ويُروى أيضًا أنّ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قدم إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فهرع الناس إليه، يسألونه الدعاء لهم لِما عرفوا من استجابة دعائه، فراح يدعو لهذا ولهذا. فجاءه عبد الله بن السائب وكان غلامًا فسأله: “يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ الله عليك بصرك”. فتبسم سعدٌ وقال: “يا بُني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري”.

وطّن سعدٌ رضي الله عنه نفسه على قبول قضاء الله وقدره حتى صار أحبّ إليه من نِعمة يفتقدها أو عافية يشتهيها كل إنسان.

وكذلك كان السلف الصالح، فعمر بن العزيز رحمه الله كان يقول: “ما لي هوىً في شيء سوى ما قضى الله عز وجل”.

كما يصف ابن القيم الجوزية الرضا في كتابه الشهير (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين)  بقوله: هو “باب الله الأعظم، ومستراح العارفين، وجنة الدنيا، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه”. يريد بذلك قلب المؤمن حال انقطاعه عن الدنيا وإقباله على ربه بشوق ولهفة، مُستغنيًا به مؤمنًا راضيًا بقضائه وقدره وحكمته. وقال أيضًا: “الرضا من أعمال القلوب، نظير الجهاد من أعمال الجوارح، فإنّ كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان”.

هل يعني الرضا عدم الشعور بالألم أو الحزن عند المصائب وحلول المكارِه؟

لا يمكن للمرء أن يخرج من طبيعته البشرية خروجًا يجعله يفرح بالمكارِه عند حلولها، لكن يمكن أن يصل بإيمانه العميق إلى التسليم بخيريّة القضاء والقدر مهما أوجعه وآلمه وخالف هواه. إن عدم الشعور بالألم ليس شرطًا من شروط الرضا والتسليم بحكمة الله سبحانه وتعالى، لكن عدم السخط والاعتراض وتثبيت النفس عند حلول المصاب شرط من شروط الرضا.

تختلط المعاني والمفاهيم بين درجات الصبر والرضا، فقد قيل: إنّ الرضا بالمكروه صبر على البلاء وليس رضا، فاجتماع الكراهية والرضا، وهما ضدّان، أمر ممتنع لا يتأتى للبشر، بل يخالف الطبيعة التي جُبلوا عليها. والحقيقة أنه لا تناقض بينهما، فحضور الألم وكراهة النفس له لا ينافي حضور الرضا في القلب، فالمريض مثلًا يرضى بشرب الدواء على الرغم من كراهته في كثير من الأحيان، والصائم يرضى في اليوم الشديد الحر مع معرفته المسبقة بما سيناله من عطش وجوع وألم، وكذلك المجاهد يرضى بما سيُلاقيه في سبيل الله من ألم وجِراح قبل إقدامه على صفوف الجهاد، والأمثلة كثيرة وهذا يؤكد إمكانية حضور كراهة الأمر والرضا به في النفس معًا.

ما الذي يُهوّن الرضا على النفس على الرغم من صعوبة المواقف أحيانًا؟

إنّ ما يُسهّل الرضا على النفس علمُ العبد بأنّ أمره كلّه بيد الله، وعلمه بضعفه واحتياجه لربه، وإيمانه برحمته وعدله المطلق. وحين يصل المرءُ إلى ثبات هذه القناعة في قلبه وروحه تبدو مصاعب الحياة كلها في عينيه باهتة، إذ يستوي لديه الرضا بالمنع والرضا بالعطاء، فتفيض نفسه سكينة واطمئنانًا ورضا تامًا بأنه لم يفته شيء من نصيبه في هذه الدنيا، ولن ينال شيئًا مما لم يُقسَم له لحكمة قد يدركها وقد لا يدركها في حياته الدنيا كلها.

ومن أبرز الأحاديث النبوية الشريفة التي تدل على فضل الرضا وأهميته قوله صلى الله عليه وسلم عن الرضا بالبلاء: “إنّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (رواه الترمذي). وقوله عليه صلوات ربي وسلامه: «يا ابن آدم ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس» (رواه الترمذي وصححه الألباني). وقوله صلى الله عليه وسلم عن حلاوة الإيمان بالرضا: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً» (رواه مسلم).

ماذا عن رضا الناس؟ هل هو محال كما يُقال؟

إنْ رضي اللهُ عن عبده، ورضي العبدُ عن ربّه، فما له ولرضا الناس!

إنّ رضا الناس غاية لا تُدرَك، وما من سبيل إلى السلامة منهم ومن ألسنتهم، لذا على المرء أن يستغني أنّى وكيف ومتى استطاع.

والأَولى بالإنسان أن ينشغل بما يُصلِح دينه ونفسه ودنياه تحت مظلة الإيمان، مُتَفَيّئًا برضا الله.

يقول الشاعر واصفًا حال الناس في مقاربتهم لمعنى الرضا:

وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ … وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساويا

فمَنْ يُحبّك تغاضى عن عيوبك وهفواتك ورضي عنك، ومَن يبغضك لا ترى عيناه سوى معايبك وإن قلّت أو ندرت! هذا معيار الخلق والناس، فلندعه جانبًا، ولنركّز على ما فيه صلاح الدين والدنيا، وما يحقق هدأة النفس وينشر طيبها.

هل من مفاتيح خاصة للرضا؟

وردت في القرآن الكريم آيات تحث المؤمن على الرضا وعدم التطلع لما في أيدي الآخرين من فضل ونِعَم، فسعادة المؤمن مرتبطةٌ برضاه بما قسمه الله له، يقول تعالى في سورة طه/ 131: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.

أما قوله سبحانه وتعالى في سورة البيّنة: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيلفت الانتباه إلى أن رضا الله تعالى جاء أولًا، فإن رضي الله عن عبده أرضاه، وإن رضي العبد عن ربه نال من النعيم عظيمَه في دنياه وآخرته.

ويتحقق الرضا بقضاء الله تعالى:

  •  بالقبول بداية بما قسمه الله وقدّره بين عباده
  • ويتقوّى بالإيمان واليقين المطلق بأنّ تدبير الله خير من تدبيرنا لأنفسنا
  •  ويتعمق معنى الرضا في النفس بترك المقارنة بحياة الآخرين وما في أيديهم من خير ونِعَم، وحمد الله دائماً، والنظر إلى مَن هم دون المرء فيما آتاه الله من فضله، ليستبين مقدار ما هو فيه من نعيم حُرِم منه آخرون، مع بذل الأسباب الممكنة والمشروعة
  •  واليقين بأنّ راحة القلب والإيمان لا يُعطيها الله إلا لمن يحب
  •  وبأن العطاء والمنع كلاهما كرمٌ ولطفٌ خفي من الله تعالى.
  • وخير مفتاح للرضا هو الدعاء المستمر ليمنحنا الله قلوباً مطمئنة موقنة، ونفوساً راضية مرضية. ومن جوامع الدعاء قولنا: (اللهم إني أسألك رضاك والجنة)، فالرضا غاية فوق كلِّ غاية، وأكبر ما يمُنُّ به الله تعالى على عباده.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا مِمَّن يُبشَّرُ عند موته بما يُثلِج الصدر ويُفرِح القلب، فيُقال له: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾.

هل من أثر للرضا في الصحة النفسية للإنسان؟

يُعد مفهوم الرضا من أهم مفاهيم علم النفس الإيجابي، فشعور الإنسان بقبول أقداره وحياته ومجرياته يمنحه ارتياحًا وسكينة وطمأنينة تغمره على مدى الأيام مهما ساءت الظروف أو تعقدت الأحداث. ويُعد الرضا دليلًا على المرونة والصحة النفسية؛ لأنه يسهم في تعزيز التكيف مع المحيط والواقع، ومواجهة ضغوط الحياة بكمٍّ كبيرٍ من الأمل والتفاؤل

وتشير الدراسات النفسية الحديثة إلى وجود علاقة طردية بين الرضا عن الحياة والسعادة، وعلاقة عكسية بين الرضا والشعور بالاكتئاب، فكلما ارتفع مستوى الرضا لدى الإنسان انخفضت أعراض الاكتئاب، وكلما تصالح المرء مع ظروفه، وزاد تقديره لنفسه، وامتنانه للنِّعمِ التي أنعم الله بها عليه، ازداد رضاه عن نفسه وحياته.

رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ”. يأخذنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبيان أصل الشعور نحو القضاء والقدر، فنظرة الإنسان للأمور ومحاكمته لها تُهوّن وتُخفِّف أو تصعّب وقعها على النفس، فمن يُعَظِّم المصيبة تصعب عليه، ومن يهوِّنها تسهل عليه.

وقد رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: “مَنْ رَضِيَ بِالقَضَاءِ جَرى عَلَيْهِ القَضَاءُ وَهُوَ مأَجُورٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بالقَضَاءِ جَرى عَلْيْهِ القَضَاءُ وَهُوَ مَثْبورٌ”؛ أي خاسر هالك محروم من الأجر والثواب. فالخِيار لك أيّها الإنسان!

يدلنا ذلك على أنّ صحة الإنسان النفسية مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا برضاه عن حياته وقدره، فالرضا يريح القلب ويسكّن النفس، ويحرر المرءَ من التوتر وينتشله من براثن القلق والتفكير الدائم بالهموم والأحزان.

حين يتحلى الإنسان بالرضا يصبح حرًا طليقًا، مؤمنًا أنه في كنف الله يحيا، وفي رحمته وحفظه وتحت ألطافه يحاول ويسعى. ويوقن أنه أسير الحاضر والنظرة البشرية للأمور، فالمستقبل في غيب الله، ولن يُقدّر عليه إلا ما فيه نفعه ومصلحته، وإن بدا شرًا قد يكون لدفع شر أو مفسدة أكبر منه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ”.

إنّ الرضا بقضاء الله وقدره ليس استسلاماً سلبياً، ولا سلباً لإرادة الإنسان، بل هو تسليم لله وإيمان بحكمته واعتقاد مطلق بعدالته. وبذا يصبح الرضا منبعًا للسكينة ومصدرًا رئيسًا من مصادر الراحة النفسية والسعادة الحقيقية.

ما الفرق بين الرضا بقضاء الله وقدره والرضا بالواقع؟

يختلط الأمر على كثير من الناس، فيَتَبَنَّون فكرة التسليم والرضا بالواقع الذي لا يدخل في مجال القضاء والقدر الإلهي، ويظنّون أنّ الاستسلام للواقع من الصبر والرضا اللذين يُؤجر عليهما الإنسان!

الإيمان بقضاء الله وقدره ركن من أركان الإيمان الخمسة، وهو الإيمان بأن ما يحدث في الكون لا يحدث إلا بإرادة الله وعلمه ومشيئته، وأن مجريات الحياة التي لا علاقة للإنسان بها ولا قدرة له عليها من تقديرات الإله وقدره، وهو التسليم بما يقدّره الله على المرءِ من دون حول منه ولا قوة، وهو بذلك من أعلى درجات اليقين والاعتقاد بقدرة الله وعدله وحكمته.

أما الواقع الذي يمكن تغييره نحو الأفضل فالرضا به استسلامٌ ويأسٌ محضٌ بعيد كلّ البعد عن الإيمان بالقضاء والقدر. وقد أُثِر عن أحد الصالحين قوله: “المؤمن الحق يفرّ من قضاء الله بالمرض إلى قضائه تعالى بالصحة، ومن قضائه تعالى بالفقر إلى قضائه بالغنى، ومن قضائه بالفشل إلى قضائه بالنجاح والفلاح”. فالإسلام في حضه على السعي دومًا نحو الفلاح في مجالات الحياة كلّها لا يعاند القدر، بل يقبل قدر الله ويرضى به ويسعى إلى ما وراءه بدفع الضر بالخير والإحسان، فإن كان المرض قدرًا فالاستسلام له يأس وقنوط من رحمة الله، والسعي نحو العلاج واجبٌ، إن تكلَّل بالنجاح فَبِمَشيئة الله وقدره، والبحث عن العلاج ليس مجابهة للقدر، بل رضا به وسعيًا إلى دفع الضر بالإحسان، انطلاقًا من الإيمان بأن الله وحده هو النافع، الضار، الشافي، المعافي.

ومن جميل الدعاء الذي أوصانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول: “رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا ونبيًا”.

فالرضا سبيل إلى الجنان، وجوهر أصيل من جواهر السعادة، ومعنى راسخ من معاني الإيمان، ومَن رضي بالله تعالى ربًّا وجد حلاوة الإيمان، ومحبة الخالق، وجمال التوكل عليه، ونعيم الرضا بقضائه وقدره. ومَن رضي بالإسلام دينًا وَجد حلاوة في العمل بشريعة الإسلام، ومَن رضي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا وَجد حلاوة في اتباع نهجه وهَدْيه والتزام سنته.

وختامًا ندعو الله تعالى أن يُرضينا بقضائه ويبارك لنا في قدره، حتى لا نحب تعجيل شيء أخَّره، ولا تأخير شيء عجله.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى