المقالات

هل الدولة في الإسلام إطارٌ تنظيميّ أم مجرد منظومة قيم ومبادئ حاكمة؟ قراءة تأسيسية في ضوء مقاصد الوحي

مقدمة

ما كان سؤالُ الدولة في الإسلام ترفًا فكريًّا يتنازعه المفكرون على موائد الحداثة ولا طارئًا أملته تحوّلات السياسة واصطكاك المصالح، ولا جدلًا طافَ على سطح التنازع بين نماذج الحكم؛ وإنما هو سؤالٌ أصيلٌ ينبت من تربة الرسالة ويتفرّع عن أصل الاستخلاف ويمتدّ على خطّ الامتحان الأول: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة:30

وما اهتزّت المعاني كما اهتزّت عند مفترق “القيم والتنظيم” حين زُيّن للعقول أنّ الوحيَ ينطق للقلوب ولا يرسم للبُنى، وحين أُقصي الحكم من فضاء التديّن حتى بدا الدين وكأنه دعوةٌ للسموّ المجرّد وليس لبناء الاجتماع المؤسَّس على التكليف.

سؤال الدولة في الإسلام أصيلٌ، مرتبطٌ بالاستخلاف الإلهي، فإذا فصلت القيم عن التنظيم، صار الدين وعظًا بلا بُنى.

فما زلنا نُلدَغ من مقولاتٍ ناعمة ــ تنشأ من الداخل وتعمل عمل الخارج ــ تنقض فكرة الدولة باسم “طهارة القيم”، وتفرّغ الشريعة من مضمونها باسم “الروحانية”، حتى صار يُخشى على الدين من تسييسه أكثر مما يُخشى على الدولة من تفلّتها، وصار الخوض في شؤون الحكم تهمةً يُتبرّأ منها كما يُتبرّأ من الانحراف العقائدي، وكأنّ القرب من السلطان أشدّ من القطيعة مع السلطان الحقّ.

وهنا لا يلوح السؤال من أطلال الجدل المستهلك حول “مشروعية الدولة الإسلامية”، كما جرت عادة الصياغات المكرورة ولكنّه ينكشف من أعماق التصوّر التوحيديّ الذي يأبى تفكيك الرسالة إلى وعظٍ منزوٍ وتنظيمٍ مستعارٍ؛ فالسؤال الأصيل ينفذ إلى لبّ القضية؛ كيف يُبنى التنظيم السياسي بوصفه ترجمةً للعبودية وليس تكرارًا لهيكل القومية؟

إنّ مركزية هذا السؤال تكمُن في صياغة الدولة بوصفها مظهرًا من مظاهر الخلافة حيث التنظيم لا يُختزَل في الإدارة ولا تُختزل القيم في الوعظ لكنهما يتّصلان اتصالَ الفكرة بجسدها والروح ببنيتها والوحي بعمرانه.

أولًا: الدولة في أصل بنية الخلافة وليست في فروع الضرورة

حين يتردّد في الوحي قولُه تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ يوسف:40، فإنّ الخطاب يتجاوز مستوى التقرير العقدي إلى تأسيس رؤيةٍ شاملةٍ لمعنى السلطة وحدود الفعل الإنساني وموقع الاجتماع في منظومة الاستخلاف؛ فالحكم هنا ليس مجرّد إجراءٍ إداريّ ولا سلطةً تقنيةً لضبط السلوك وإنّما تعبيرٌ عن انتماء السيادة إلى مرجعيّة عليا تجعل الإنسان عاملَ تنفيذٍ للتكليف وليس صانعًا للتشريع من تلقاء ذاته.

من هذا المنطلق تتشكّل الدولة في التصوّر الإسلامي بوصفها امتدادًا طبيعيًّا لوظيفة الخلافة وليست فعلًا طارئًا فرضته تحوّلات التاريخ وكذلك فإنها لم تأت استجابةً ظرفيةً لضغوط الاجتماع، وذلك أنّ الخلافة ــ في أصلها القرآني ــ تكليفٌ جماعيّ يتطلّب بنيةً جامعةً تنقل الوحي من حيّز القيم المجرّدة إلى حيّز التنظيم العادل، وتحوّل الإيمان من حالةٍ وجدانيةٍ إلى نظامٍ يحكم العلاقات ويوجّه القوة ويضبط المصالح.

الدولة في الإسلام جزءٌ من البنية التأسيسية للرسالة؛ فالسؤال لا يدور حول الحاجة إلى الدولة من عدمها وإنما حول طبيعة الدولة التي تنبع من الوحي وتتحرّك في التاريخ وتُدار بوعي المقصد وبروح الخلافة وليس بمنطق الغلبة وعقلية السيطرة.

وهنا تتهاوى المقاربة التي تختزل الدولة في كونها أداةً خادمةً للقيم أو جهازًا محايدًا لتدبير الشأن العام؛ لأنّ القيم في الإسلام لا تعيش خارج الأطر ولا تتحقّق بمعزل عن السلطان المنضبط بالوحي؛ فكما أنّ الصلاة هيئةٌ عمليةٌ للتديّن الفردي فإنّ الدولة هيئةٌ عمليةٌ للتديّن الجماعي؛ يتجسّد فيها العدل، ويُصان بها الدين، وتُدار من خلالها شؤون الأمة على أساس الأمانة والمحاسبة.

لقد جاءت الرسالة لتؤسّس نمطًا من الاجتماع تُنهي به شوكة الفوضى العقدية والظلم السياسي معًا، ويقيم وحدة الجماعة على ميزان الحقّ ويمنع تغوّل القوة حين تنفصل عن القيمة، وهذا كلّه لا يتحقّق عبر الوعظ وحده ولا من خلال تهذيب الضمير الفردي فحسب وإنما عبر بناءٍ مؤسّسيّ يُخضع السلطة لمقتضيات التكليف ويجعل الحكم مسؤوليةً وأمانةً.

ومن هنا تغدو الدولة في الإسلام جزءًا من البنية التأسيسية للرسالة تتشكّل معها وتتفاعل في مسارها التاريخي وتتلوّن بصورٍ متعدّدة دون أن تفقد جوهرها؛ فالسؤال لا يدور حول الحاجة إلى الدولة من عدمها وإنما حول طبيعة الدولة التي تنبع من الوحي وتتحرّك في التاريخ وتُدار بوعي المقصد وبروح الخلافة وليس بمنطق الغلبة وعقلية السيطرة.

ثانيًا: البنية جزءٌ من الفكرة وليست محض أداةٍ لها

الفصل بين القيم والتنظيم هو في حقيقته تأثرٌ خفيّ بالحداثة الغربية التي ماجت في فصل الدين عن الدولة وتحويله إلى شأنٍ داخليّ في ضمير الفرد، لكنّ المشروع الإسلامي لا يُقيم تعارضًا بين القيمة والمؤسسة بل يجعل التنظيم مظهرًا من مظاهر الامتثال والبنية جزءًا من البرهان العمليّ على صدق الانتماء للوحي.

إنّ “الدولة” في الرؤية القرآنية ليست شبحًا متضخّمًا كما في النموذج الحديث، ولا وهمًا أخلاقيًّا بلا جسدٍ كما تتوهّمه بعض الاتجاهات التربوية، وإنما هي جهازُ قسطٍ وأمانةٍ يحمل تكليف السماء ويُنجز المقاصد ويضمن ألا يتحوّل الدين إلى موعظةٍ في مقامٍ منعزل عن شؤون السلطة والسيف.

ثالثًا: حين تتلبّس مقولات الداخل بلباس الخارج

ما يقال في المجالس الفكرية والدوائر الأكاديمية عن أنّ الإسلام لم يقدّم تصورًا للدولة وإنما أتى بمنظومة قيم روحية يمكن أن تتقمّصها أيّ بنية سياسية هو قولٌ ينضح بلبوسٍ داخليّ يُعيد إنتاج الحداثة السياسية بمنطقها ذاته ولكن تحت مظلّة إسلامية؛ هذه المقولة لا تنشأ من داخل النصّ القرآنيّ ولا من فقه الراشدين ولكنّها تتسلّل من خلال بوابات النوايا الطيّبة التي ظنّت أنّ في تحييد الدولة عن الوحي حمايةً له وفي صهر المفهوم الإسلاميّ في قوالب الآخرين تحديثًا للفكر ولم تدر أنّها تمارس إحدى أجلى صور تمييعه.

إنّ الادّعاء بأنّ الإسلام لم يحدّد نموذجًا للدولة هو قولٌ يقرأ الوحي بعينٍ خارجية ويتعاطى مع مقاصده بمنطقٍ تجزيئيٍّ يوافق الهياكل الحديثة، وهذا في جوهره لا يختلف عن العلمانية الصريحة.

وهذا النمط من التفكير يختزل الإسلام في كونه مجرّد مُعطىً هويّاتيّ أو نسقًا أخلاقيًّا يُضفي على البنية الجاهزة شيئًا من الروح دون أن يكون له القول الفصل في أصل التكوين ومقاصد التشريع وضوابط السلطان ومآلات السلطة، وهنا تكمن الخطورة حين يتحوّل الوحي من صانعٍ للحضارة إلى زينةٍ للأنظمة ومن مهندسٍ للعمران إلى مُطَرّزٍ للشعارات.

وإذا كان تأسيس المدينة النبوية قد قدّم أول نموذجٍ للدولة الإسلامية فإنه لم يكن تكيّفًا مع واقعٍ طارئٍ ولا تصرفًا بشريًّا محضًا من رسولٍ أوتي الحُكم والحكمة ولكنّه كان استجابةً مباشرةً لأمر الله تعالى وبناءً تشريعيًّا مقصودًا تأسّس على قواعد الوحي وانطلق من مركزية الغيب وليس من براغماتية العقل السياسيّ.

فقد بنى النبي صلى الله عليه وسلّم في المدينة نظامًا جامعًا تتكامل فيه الوظائف السياسية والروحية والاقتصادية والاجتماعية فتكون فيه السيادة للشرع، والشورى أصلًا في القرار، والعدل مناطًا للحكم، والجهاد طريقًا لحماية الحق، والمسؤولية تكليفًا لا تشريفًا، فلم يُقصِ النبي صلى الله عليه وسلّم السياسة من الدين ولا نقل الدين إلى زوايا التعبّد المنعزل ولكنّه أقام الاجتماع الإيمانيّ في صلب الدولة، وسكَب المعنى في المؤسسة، وربط السماء بالأرض ربطًا عضويًّا لا شعاريًّا مجردًا.

إنّ الادّعاء بأنّ الإسلام اكتفى بتقديم قيمٍ عليا ولم يحدّد نموذجًا للدولة هو قولٌ يقرأ الوحي بعينٍ خارجية ويتعاطى مع مقاصده بمنطقٍ تجزيئيٍّ يوافق الهياكل الحديثة ويتماهى معها ثم يضفي عليه شرعية من داخله، وهذا في جوهره لا يختلف عن العلمانية الصريحة بل قد يكون أشدّ فتكًا لأنه يُقال من داخل الصفّ ويُروَّج له بوصفه “اعتدالًا” أو “تجديدًا”.

فالدولة في الإسلام ليست قشرةً خارجيةً تتقبّل أي محتوى ولا وعاءً مرنًا يصوغ شكله من إرادة البشر وإنما هي امتدادٌ طبيعيّ لمفهوم الاستخلاف وتجسيدٌ مؤسسيّ لواجب إقامة الدين في الواقع، ولا يمكن أن تنهض هذه الدولة على خرائط الغير أو تُبنى وفق فلسفاتٍ لا تستبطن الغيب ولا توقّر الوحي ولا تدرك أنّ الإنسان مكلّفٌ وأنّ السلطة في أصلها أمانةٌ ومجالُها الأول هو الشهادة لله تعالى في الأرض.

رابعًا: من الأخلاق إلى العمران.. نحو إقامة الدولة وليس استبدالها

حين تنفصل الأخلاق عن العمران يتحوّل الإسلام إلى عزلةٍ وجدانيةٍ وتُصبح القيم مجرّد ترانيم عابرة لا تنشئ حياةً ولا تبني أمةً ولا تدفع باطلًا، لكنّ الوحي ما نزل ليعزف على وتر الوجدان فحسب وإنما ليؤسّس ميزانًا يُقيم الحقّ في الأرض ويُسند الفضيلة بقوّة ويُزيل المنكر بسُلطان متين.

فالقيم في الإسلام ليست مجرّد منظومة وعظيّة تُتداول في الخُطب وإنما هي تكاليفٌ شرعيةٌ تتطلب وجود إطارٍ جامع يحملها إلى الواقع ويُحوّلها من مجرد معانٍ تجريدية إلى سياساتٍ ناظمةٍ، ومن مفاهيم أخلاقية إلى قراراتٍ ملزمة.

إنّ الأمر بالمعروف لا يُختزل في الموعظة وإنما يتطلّب قدرة تنفيذ وجهازًا يقيم الحدود وسلطةً تحمي المعروف وتمنع المنكر عن التحكّم في مصائر الناس.

حين تنفصل الأخلاق عن العمران يتحوّل الإسلام إلى عزلةٍ وجدانيةٍ وتُصبح القيم مجرّد ترانيم عابرة لا تنشئ حياةً ولا تبني أمةً ولا تدفع باطلًان.

وإن تخيُّل الإسلام من دون دولةٍ هو كالحديث عن قتالٍ بلا صفوف أو دعوة بلا نُصرة أو حسبةٍ بلا سلطان؛ فكيف تقوم الحاكمية لله تعالى والعدالة بين الناس وصيانة الحقوق من دون كيانٍ يُجسّد هذه المقاصد ويَزِن الأمور بميزان الوحي ويكون مرجعه الغيب؟

ثم إنّ السيرة النبوية ليست سيرة واعظٍ يُلقي الخطب من منبرٍ وإنما سيرة قائدٍ يُقيم نظامًا وينشئ دولةً ويُدير مجتمعًا ويُسطّر في المدينة أولى صفحات الاجتماع الإسلامي؛ فالهجرة لم تكن فرارًا من الأذى فحسب ولكنّها كانت تأسيسًا لمركزٍ حضاريّ يحمل رسالة التوحيد؛ وصحيفة المدينة لم تكن ميثاق تعايشٍ مجردٍ وإنما دستورًا سياسيًّا يُؤسّس لمرجعية الوحي ويضبط العلاقة بين المجتمع المتعدد على أساس مسؤوليةٍ واحدةٍ تحت ظلّ النبي صلى الله عليه وسلّم؛ والبيعةُ لم تكن فعل ولاءٍ شعبيٍّ عابر بل كانت تأسيسًا لعقد الحكم في الإسلام يقوم على الشورى والطاعة والتكليف.

وما توالت عليه النبوة من إرسال السرايا وتشكيل الجيوش وعقد المعاهدات وتنظيم القضاء وتدبير المال العام هو برهانٌ قاطعٌ على أنّ بناء الدولة جزءٌ من فقه العبودية وليس من ملحقات الدعوة العامّة، وأنّ إقامة السلطان والعمران المنضبط بالشريعة هو الوجه العمليّ للمقاصد الكلية التي جاء بها الوحي.

ومن هنا لا يكون المشروع الإسلامي مكتملًا ما لم يتجلّ في بنيةٍ حاكمة تنقل القيم من الذهن إلى المجتمع وتحمي المنظومة من الانهيار وتُعيد صياغة الاجتماع الإنسانيّ في ضوء الرؤية التوحيدية للكون والإنسان والعلاقة بينهما.

خامسًا: الدولة لا تُنسب إلى الإسلام ما لم تَنتسب إلى الوحي مرجعيّةً

ما من وصفٍ أقرب إلى الباطل من وصف “الإسلامية” يُمنح لدولةٍ انفصلت عن الوحي مرجعيةً وعن التوحيد مصدرًا وعن الغيب ميزانًا؛ فـ”الإسلامية” ليست كلمةً تُنطق ولا مظاهرَ تُركَّب ولا مؤسساتٍ تُعنوَن وإنما هي صفةٌ تُنال بمقدار ما يهيمن النص على القرار ويتقدم التكليف على الهوى، ويُصبح الوحي أصلًا وليس تابعًا، ومُوجِّهًا لا زينة وزخرفًا.

الدولة التي يُهمَّش فيها المقصد الشرعيّ عن مسار السياسة ويُفصل فيها بين المصلحة والنص لا تُقيم الدين ولو أعلنت ذلك في دساتيرها أو أقامت الحدود في ساحاتها؛ فالدولة التي لا تستلهم الخشية من الله تعالى قبل الخوف من القانون ستُعيد إنتاج الوثن بلباسٍ جديد وتُقيم حُكمًا بشريًّا مُؤلَّهًا باسم الشريعة التي أُنزِلت لنقض التأليه من دون الله عزّ وجلّ.

إنّ إقامة الحدود في غياب مقصد العدالة، وإعلان الشريعة في غياب روحية التزكية لا يُنتج حكمًا إسلاميًّا وإنما يُنتج صورةً مشوّهة تُنفِّر الناس من المضمون وتُقدّم المثال الرديء باسم المثال النبيل.

وإنّ من أعظم الخطر أن تُختزل الدولة الإسلامية إلى آليات الضبط أو أن تُفهم بوصفها قالبًا سلطويًّا يُملأ بأي مضمون؛ فإنّ إقامة الحدود في غياب مقصد العدالة وإعلان الشريعة في غياب روحية التزكية لا يُنتج حكمًا إسلاميًّا وإنما يُنتج صورةً مشوّهة تُنفِّر الناس من المضمون وتُقدّم المثال الرديء باسم المثال النبيل.

وحين يُعاد بناء الدولة من غير التوحيد يُعاد تشييد الطغيان باسم الإصلاح ويُقام التسلّط باسم الدين وتُختزل السياسة إلى فنّ الممكن في غياب الغيب ويُستبدل بالخشية من الله خشيةٌ من الناس وبمحاسبة النفس محاسبةٌ شكلية لا تمسّ جذور الفساد؛ فكلّ مشروعٍ لا يبدأ من الوحي سينتهي إلى الهوى، وكلّ سلطةٍ لا تُستمد من الغيب ستُستمد من الغلبة.

إنّ الإسلام لا يقبل التبرّج السياسيّ الذي يضع مساحيق الشريعة على وجه النفعية، ولا يُجيز تديين السلطة من غير عبودية، ولا يُبارك حكمًا يُخادع الله تعالى باسمه ويُقصيه من قراراته؛ إنما يُبارك الإسلام دولةً يكون فيها الوحي حاكمًا لا محكومًا، ومصدرًا لا مُؤطِّرًا، ويكون فيها التوحيد ميزانًا للسيادة وليس شعارًا تجميليًّا على هامش النظام.

خاتمة: الدولة التي تُضيء أبوابها بنور الغيب

الدولة في التصور الإسلاميّ ليست مجرّد استعادةٍ لوقائع الماضي ولا تمثيلًا تاريخيًّا لنماذج غابرة ولا حنينًا لراياتٍ رُفعت في الفتوحات ولكنّها ثمرة الوعي برسالة الإنسان في الأرض وجوابٌ تطبيقيٌّ عن سؤال الخلافة وتجسيدٌ لنمطٍ من العمران يؤمن بأنّ الحكم ليس تدبيرًا بشريًّا يُدار به الناس وإنما أمانةٌ شرعيّة يُزكّى بها الاجتماع البشريّ، وتُصان بها كرامة الإنسان، وتُنجز بها التكاليف على الأرض كما شاءها خالق الأرض.

تنبثق هذه الدولة من أعماق الوحي وليس من فلسفاتٍ وافدة، وتُؤسَّس على التوحيد لا على التمركز حول الإنسان، ويقوم نظامها السياسي على الخشية ويُقام العدل فيها ابتغاء وجه الله وليس رضى الجماهير.

في هذه الدولة لا يُفصل بين التنظيم والرسالة ولا يُفهم الحكم خارج سياق التزكية ولا يُعطى القانون سلطانًا يُقصي النصّ ولا تُقاس النجاعة السياسية بمؤشرات السوق ولا يُحدّد النجاح بكمّية الاستهلاك؛ ففيها يُقام الحقّ بحسب قربه من رضوان الله تعالى ويُبنى الإنسان ليكون عبدًا مكرّمًا وليس رقمًا في لوائح الدولة القومية.

الدولة في الإسلام امتدادٌ للاستخلاف، حيث تتكامل القيم والتنظيم ليعكس العمران معنى العبودية.

وحين تُضاء الدولة بنور الغيب تنقلب الوظيفة من التسلّط إلى الحراسة وتتحوّل القيادة من امتيازٍ إلى تكليفٍ، وتنتقل الشورى من آليةٍ إجرائية إلى عبادةٍ تعبديّة، ويغدو الاجتماع البشريّ ساحةً لتحقيق مقاصد الوحي، ففي هذا النمط من الدول لا تُنحّي الأمة إيمانها عند أبواب المؤسّسة ولا تُدار شؤونها بالعقل المجرد عن الوحي ولا يُفصل بين المِحراب ومقام القرار.

 بهذا الانقلاب في المرجعية والانبعاث من مقاصد الغيب تنحلّ عقدة الثنائية بين “القيم” و”التنظيم” ويُعاد اكتشاف الدولة بوصفها طريقًا إلى الله تعالى ومحرابًا جديدًا للعبودية في هيئة الاجتماع البشري والبناء السياسي.

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى