
ما بين علم اللغة الاجتماعي والعنف الرمزي… كيف أصبحت اللغة العربية الفصحى أداةً للهيمنة اجتماعيًا
د. إيناس محروس بوبس
ماذا عن البعد الاجتماعي للغة في المجتمعات العربية في العصور المتقدمة؟
أدت اللغة العربية الفصحى في المجتمعات العربية والإسلامية دورًا محوريًا وأساسيًا في الحياة الاجتماعية إلى جانب الأبعاد الدينية والسياسية والثقافية، وصارت العربية الفصحى رمزًا للهوية والانتماء، فاللغة عنصر أساسي من عناصر الهوية الاجتماعية.
وفي العصور المتقدمة كان التمكن من اللغة العربية الفصحى في المجتمعات العربية والإسلامية دليلًا على علوّ المكانة الاجتماعية والرقي الثقافي، بينما كان نقص القدرة على الفصحى يحدُّ من فرص الفرد الاجتماعية.
فقد صار إتقان العربية الفصحى معيارًا للهوية والتميّز الاجتماعي والثقافي، وارتبط التمكن منها بالمكانة والاحترام بين الناس.
لا سيما في العصور الإسلامية التي ذابت فيها الأعراق وتفيّأت بمظلة مشتركة، ورفعت راية الإسلام وانضوت تحتها. فالفصحى كانت اللغة المشتركة بين مختلف القبائل العربية والأقوام غير العربية داخل الدولة الإسلامية، ما ساعد على خلق هوية موحّدة مع الإبقاء والحفاظ على اللهجات المحلية، فهيمنة الفصحى كانت مرتبطة بالعلم والدين والشؤون السياسية.
اللغة العربية الفصحى في التنشئة الاجتماعية والتعليم
كان تعلّم العربية الفصحى جزءًا من التنشئة الاجتماعية والدينية منذ الصغر في الكتاتيب والمدارس الإسلامية التي تُعَلِّم الأطفال القرآن والحديث والأدب والشعر وغير ذلك، وقد أسهم هذا التعليم المبكر في تعزيز الهيمنة اللغوية للفصحى على اللهجات المحلية، لأنّها ارتبطت في أذهان الأطفال والناشئة بالعلم والعبادة والاحترام الاجتماعي. ناهيك من أنّها لغة التواصل الراقي بين الشعراء والأدباء والطبقات المثقفة، ما عزز حضورها الاجتماعي ومكانتها بوصفها رمزًا للثقافة والتميّز. أضف إلى ذلك الاعتماد الكبير في مجال التعليم على الشعر العربي، وتخيّر ما فيه من قصائد ومعان سامية تحث على مكارم الأخلاق وتعلي من شأن القيم الأخلاقية الحسنة.
كما أسهمت العربية الفصحى في تعزيز الوحدة الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية في العصور المتقدمة، فعلى الرغم من انتشار اللهجات المحلية، كانت الفصحى لغة المراسلات الرسمية، والخطابات، والمناسبات الكبرى، ما جعلها أداة تؤكّد وحدة المجتمع وتعكس تمسكه بالقيم الأخلاقية المشتركة وحفاظه عليها.
هل يمكن للغة أن تكون أداةً من أدوات فرض الهيمنة الاجتماعية؟
بالنظر إلى أي مجتمع من المجتمعات اليوم ندرك أن هناك قيمًا وقواعد، وعادات وتقاليد، تهيمن عليه، وقد تصل سلطة الأعراف في بعض المجتمعات إلى مستويات تفوق سلطة القانون!
وغالبًا ما تخضع السلطة الحاكمة في بداياتها لأعراف المجتمع السائدة، ثم تحاول رويدًا رويدًا تطويعها وتوجيهها بما يتوافق مع أهدافها، ورؤاها، ووفقًا للقالب الذي اختارته لتحديد شكل المجتمع ورسم حدوده وبناء أُسُسه الفكرية والقيمية.
إنّ اللغة –كما يقال- ظاهرةٌ اجتماعيةٌ من الطراز الرفيع، لأنّها تختزن السياق التاريخي والاجتماعي معًا، فيتشكل الكيان المعرفي للمرء على مستويات عدة، متأثرًا بمحيطه وناطقًا باسم مجتمعه الذي ينتمي إليه. وإذا أردت أن تتأكد من متانة ارتباط اللغة بالمجتمع فاقرأ مقدمة كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وتنبّه إلى قوله: “اللهم إنا نعوذُ بك من فتنة القول كما نعوذُ بك من فتنة العمل”، فقد ربط بين اللغة والفتنة الاجتماعية جاعلًا اللغة سببًا من أسباب تحريك المجتمع وتوجيهه وإذكاء شعلة الصراع فيه!
ماذا تعرف عن علم اللغة الاجتماعي؟
يعدُّ اللغوي الأمريكي وليم لابوف مؤسّس علم اللغة الاجتماعي، وعلم اللغة الاجتماعي هو “دراسة العلاقة بين اللغة والمجتمع، بما في ذلك كيفية اختلاف اللغة وتغيرها في السياقات الاجتماعية المختلفة”. وفقًا لذلك فإنّ اللغة تتأثر بكثير من العوامل الاجتماعية كالطبقة التي ينتمي إليها الإنسان اجتماعيًا وماديًا، ومستواه التعليمي، وجنسه، وعمره، ودينه. كما يهتم علم اللغة الاجتماعي بدراسة التنوع اللغوي، وتأثير الأيديولوجيات المختلفة في اللغة، وعلاقة اللغة بالسياسة، واللغة والهوية، واللغة والسيطرة، وغير ذلك.
اللغة في علم الاجتماع اللغوي ليست بنيةً وأداةً فحسب، بل هي نظامٌ اجتماعيٌ يحمل ثقافة المجتمع ويغذيها بالاتصال والمواكبة الدائمة لتطورات المجتمع وكلّ ما يطرأ عليه. وهي الأداة الرئيسة للتفاعل الاجتماعي، وعلاقتها به تبادلية تأثرية، ويذهب لابوف إلى أنّ علم الاجتماع اللغوي يُعنى بالدرجة الأولى بدراسة هذا التفاعل بين اللغة والمجتمع، وكيف يختلف تبعًا للعرق والجنس والطبقة، لكنه يخالف تشومسكي في تحديد الأقوى تأثيراً؛ اللغة أم المجتمع، ويرى أنّ أثر المجتمع في اللغة أكبر من أثر اللغة في المجتمع،
فاللغة وسيلة تواصل اجتماعي، وحضورها وتأثيرها مقترن بالوسط الذي تنشأ وتستعمل فيه،
فهي ظاهرة اجتماعية مكتسبة، أما تشومسكي فيرى أنّ اللغة ملكية فردية خاصة بالمتكلم.
في الحقيقة عند الحديث عن اللغة العربية الفصحى لا يمكننا ترجيح رأي على الآخر؛ فهي ملكيةٌ فرديةٌ بالنظر إلى الشعراء والأدباء وبدائع ما جاؤوا به من نفائس وفرائد، وهي ظاهرةٌ اجتماعيةٌ بالنظر إلى تقدير المجتمع للغة ومتقنيها ومبدعيها، ابتداءً من العصر الجاهلي حتى يومنا هذا، وإن خفّت حدّة البهجة وخفَتَ شعاع الدهشة اللغوية عمّا كان عليه الحال في عصور سابقة.
ماذا عن اللغة والهوية في المجتمع؟
ترتبط اللغة بالهُوية ارتباطًا متينًا، وتكشف انتماءات الفرد الجماعية، وولاءاته للقيم والأعراف المجتمعية. ناهيك من أنّ استخدام لغة معينة يسهم في تشكيل هُوية الفرد الاجتماعية، فمن الطبيعي أن يتأثر المرء بأساليب الخطاب وأنماط المحادثة المعهودة في اللغة التي يتحدث بها، أضف إلى ذلك أساليب التأدب والجوانب الاجتماعية والثقافية والرمزية الخاصة باللغة والبيئة التي تعود إليها.
يرى عالم الاجتماع البريطاني بازل برنارد برنشتاين، المهتم في مجال اللسانيات الاجتماعية، أننا أمام نظامين لغويين:
- أولهما يتجلى في اللغة الضيقة المفككة الضعيفة التي يستعملها الفقراء وأبناء الطبقات الاجتماعية المتدنية.
- وثانيهما يبدو في اللغة الغنية الواسعة التي يعتمدها أبناء الأغنياء!
فهل ينطبق ذلك على اللغة العربية الفصحى؟
بالنظر إلى واقع المجتمعات العربية التي لا تستخدم الفصحى في حياتها اليومية اليوم لا يمكننا الجزم بصحّة هذه الفكرة من عدمها، لكن بالرجوع إلى ما مضى من الزمن الغابر؛ نجد أن هذه الفكرة لا تنطبق على المجتمعات العربية المسلمة، فارتباط العربية الفصحى بالدين والعلم والثقافة جعلها شحرة ضاربة الجذور في الأعماق، وارفة الظلال، يستظل بفيئها كل متعطش للعلم وفهم الدين، ويبرع بها كل من أخلص نفسه لها وأوقفها عليها، سواء أكان من الفقراء أو الأغنياء.
هل سمعت بالعنف الرمزي من قبل؟
يتحدث المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (2002) -وهو من أكثر المفكرين حضورًا وتأثيرًا وإثارة للجدل في القرن العشرين- عن مصطلح (العنف الرمزي)، ويقصد به العنف اللطيف غير المحسوس ولا الملموس النتائج أو الآثار، ما يعني أنّه عنفٌ غير مرئي، يُمارس على الضحايا بوصفهم عينات مجتمعية، عن طريق وسائل رمزية تخترق العملية التعليمية، أو وسائل الإعلام، أو قنوات الثقافة المختلفة، فتتغلل في ثنايا المجتمعات وتبرمجها وفقًا لأجندات وأنماط ثقافية معينة.
ويقول في تعريفه في كتابه (الحس العملي): هو “عنفٌ ناعمٌ خفيٌ غير مرئي، وهو خفيٌ مجهولٌ من قبل ممارسيه وضحاياه في آن واحد، ويتجلى هذا العنف في ممارسات قيمية ووجدانية وأخلاقية وثقافية، ويوظف أدواته الرمزية، مثل: اللغة، والصورة، والإشارات، والدلالات، والمعاني، وكثيرًا ما يتجلى هذا العنف في ظلال ممارسة رمزية أخلاقية ضد ضحاياه”.
دعنا نفكر قليلًا أيها القارئ؛ ما أهم وسيلة أو آلية من آليات العنف الرمزي؟
لا يحتاج الجواب إلى جهدٍ كبير؛ إنّها اللغة بكل تأكيد، فعليها يقوم كل من التعليم والإعلام. ومن هنا نستنتج أنّ اللغة المستعملة هي المهيمنة من جهةٍ وهي أداةُ السيطرة من جهةٍ ثانية!
يرى بورديو أنّ العنف الرمزي يخلق تبعية لا ترى، ويولد نظريات واعتقادات وولاءات اجتماعية، وهو بخلاف العنف الجسدي، لا تظهر آثاره جليةً للعيان، ولا يفهم الضحايا –إذا جاز التعبير- ما مورس عليهم على الفور.
بل إنّ كثيرًا ممن يُمارس عليهم هذا النوع من العنف يكونون متواطئين! أي بعد فترة من الزمن تصبح الضحية فاعلًا بدون وعي أو إدراك، فالترميز متغلغلٌ في خلايا الهياكل التعليمية، ووسائل التواصل والاتصال مع العالم. وبعبارةٍ أوضح يقول بورديو: “يكفي أن ندع الآليات الموضوعية تأخذ مجراها أو نسمح لأنفسنا بأن نتماهى معها، لكي نُصدِّق عليها دون أن نعيَ ذلك”. فالأفراد يُنشَّؤون اجتماعياً على جلب الهيمنة الخارجية التعسفية، ويضرب عالم الاجتماع مثالاً على ذلك فيتحدث عن فكرة عدم المساواة بين الرجل والمرآة، التي نشأت نتيجة أنماط تفكير الأفراد الفاعلين في المجتمع، وجاءت اللغة العربية الفصحى بطبيعة تخدم هذه الفكرة تكريماً، لكنها فُهمت في العقول النمطية ذات البعد الواحد على أنها تمييز وتفضيل!
ماذا عن هيمنة اللغة العربية الفصحى وتأثيرها في الأفراد؟
جاء في الحديث الشريف عن أُمِّ سَلَمةَ رضي اللَّه عنها: أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: “إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ”.
في هذا الحديث لدينا فكرتان أساسيتان:
- الأولى هي النهي عن تزوير الحقائق، وتمييع صورتها، وقلبها إلى باطل، لتحقيق مآرب شخصية، وإن كانت على حساب ظلم الآخرين وتضييع حقوقهم.
- والثانية تلفتُ النظر إلى تأثير الحديث في المستمعين، فقوله عليه الصلاة والسلام: “وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ” دليل على أن أسلوب الرواية والخطاب قد يقلب الحقائق ويغيبها عن عقل الحكم وقلبه، وهذا بعد اجتماعي مهم للغة، يثبت مدى هيمنتها على الأفراد وتأثيرها في المجتمعات.
وإن كانت كلُّ اللغات تشترك في قدرتها على تلوين الحقّ وصبغ الباطل، فإن العربية الفصحى تفوق غيرها بسحر البيان، وجلال المعنى بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: “إنّ من البيان لسحراً”. فالألفاظ في العربية كالأزهار في الواحة الغناء، قد تتشابه أشكالها وتتقارب ألوانها، لكن كل واحدة منها تتميز برائحة وخصائص مختلفة.
فأيّ لغة في سحرها كالعربية في بلاغتها! من التشبيه والاستعارة والكناية إلى البديع جناسًا وطباقًا،
ومن التورية والمواربة إلى التجسيد والتشخيص والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير، وغير ذلك من بدائع العربية وأساليبها.
من هيمنة اللغة على الشعراء والقبائل العربية
هل سمعتم بقصة الشاعر الأموي المعروف باسم الراعي النميري؟
لعلكم سمعتم من قبل قول جرير:
فغضّ الطرفَ إنّكَ من نميرٍ فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
كان أقذع الذمّ والهجاء آنذاك ما يحطّ من شأن القبيلة كلها، وكان الراعي النميري قد حاول الدخول بين جرير والفرزدق طمعًا بالشهرة واكتساب الاعتراف بشاعريته وعلوّ قدمه في نظم الشعر، فقال مرجحًا كفّة الفرزدق على جرير تحريشًا لجرير حتى يرد عليه:
يا صاحبي دنا الرواح فسيرا غلب الفرزدق في الهجاء جريرا
فامتنع جرير عن الرد عليه شعرًا واكتفى بتحذيره، وطلب منه أن يكفّ عن ذلك مرارًا فلم يستمع إليه! فما كان من جرير إلا أن هجاه بقصيدة سماها “الدامغة”، جعل قبيلته كلها تطأطئ الرأس دهرًا من الزمن، حتى لامه قومه ونبذوه بما جرّه عليهم. ويقال إن هذه القصيدة أخرست الراعي النميري وكانت سببًا بموته كمدًا.
وكل ذلك يدل على مدى هيمنة اللغة وتأثير الشعر في المجتمع آنذاك! فهل تكفي قصيدة اليوم للحط من شأن أحدهم حتى تكون سببًا في الحطّ من شأن قبيلة بأكملها؟ هل تغيّر الزمن أم تراجعت هيمنةُ اللغة على المجتمع، أم صار الشعر محض زخارف ثقافية نعلّقها في ميادين الثقافة وندّعي حبّها وحب العربية وهي لا تطال من الآذان غير شحماتها!
تحدّث الأكاديمي البريطاني نورمان فيركلف، المتخصّص في مجال اللسانيات وتحليل الخطاب النقدي، في كتابه (اللغة والسلطة)، عن أهمية اللغة وتأثيرها في المجتمع وتوجهات الأفراد وسلوكياتهم، وعن دورها في فرض هيمنة بعض الأشخاص على آخرين، وما تحمله من جوانب إيديولوجية تخدم بدورها سيناريوهات اجتماعية محددة وأطرافًا سياسية معينة، كما يتحدث عن أهمية توعية المجتمع بالأساليب اللغوية التي يعتمدها الإعلام الموظف، إذ تتسلل إلى اللاوعي وتسهم في تحريكهم وفقًا لأجنداتها الخاصة، وقد عبّر بصراحة عن توظيف اللغة في خدمة السياسة وتوجيه المجتمع فقال: “اللغة تمثِّل موقعًا للصراع الطبقي وعاملًا يُسهِم فيه، ولا بدَّ للذين يمارسون السلطة من خلال اللغة أن يشتبكوا في صراع دائم مع غيرهم للدفاع عن موقعهم”.



