
شروط النهضة-الإصلاح
بقلم: أ. عماد كوسا
لماذا عليك أن تقرأ هذا المقال؟
وما هي القيمة المضافة التي يمكن أن يتركها لك وأنت ربما من الذين قرأوا كثيرًا حول مشكلات الحضارة وشروط النهضة، وأبحرت سفنهم على أمواج وسطور كتب بن نبي؟
إنّ القيمة المضافة في مخرجات ما نقرأه يتجسد في الأثر، وفي الفعل الذي سينشأ بعد هذا الأثر، ففعل القراءة يعطينا معلومات تدخل إلى عقولنا، وعقولنا تعالجها، وأرواحنا تتأثر بها فتشتعل فيها ومضات الأثر وتولد الأفكار، لتتحول بنفضة الروح إلى عمل، والعمل يصنع التغيير. إننا نحاول في هذا المقال ألا نكتفي بقراءة وعرض ومضات من كتاب المفكر الجزائري المشهور مالك بن نبي، بل سنحاول أن نقف عند أسئلته المحفزة التي يجب أن تضيء معالم طريق التغيير، ولعلها تكون من قبيل:
- هل ساهمت جهود المفكرين منذ أكثر من مئة سنة في أي نوع من أنواع النهضة في أي بقعة من بلاد المسلمين؟
- أين كان الخلل؟ وما هي الشروط التي سوف تقودنا إلى النهضة؟
- ما هي الوسائل العملية والبيئة المواتية التي ستسمح لتطبيقها على أرض الواقع؟
إنّ مشكلة كل شعب في جوهرها هي مشكلةٌ حضارية، ولا يمكن للشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.
وإن كنا ننتمي لأمة لها تراث حضاري فما علينا إلا أن نبحث في بواعث النهضة التي صنعت حضارتنا، والرسالة الكامنة فيها، ثم روافعها، ونعيد صياغتها انسجامًا مع متغيرات العصر، فمن عادة التاريخ أنه لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها.
وقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى أهمية التفكير الإصلاحي أو النهج الإصلاحي من أجل إحداث التغيير، وربما لفت انتباهنا إلى أهمية إحداث التغيير، فقد نكون راضين بواقعنا لا نفكر بأي تغيير فيه، وهو حالٌ من الخمول والذل لا ينتهي إلا بزلزال يحركنا ويقض مضاجعنا علنا نتنبه. فإذا تنبهنا، وأدركنا حالنا، وفهمنا مشكلاتنا، سهل بعد ذلك التغيير.
لكن المجتمعات التي تستيقظ بعد طول سبات قد يعاد تنويمها بنشر مخدر جديد أو أيديولوجيا فكرية جديدة، فتظن أنها بدأت يقظتها وسارت نحو نهضتها في حين تكون منحدرةً إلى هاوية جديدة. فيعاد تنصيب الأصنام وتنشر الأفكار الجاهلية تحت عباءة التغيير، فالجاهلية الخالية من الأفكار تنصب الأصنام، ويعبدها الناس، وهذه الجاهلية التي تحدث عنها بن نبي تصنع أنواعًا جديدة من الأصنام، أصنامًا سياسية، عسكرية، مجتمعية ودينية، يتمسح بها الناس أو يتباركون بها ويسبحون بحمدها راجين منها فتات الدنيا، وإذا تمكنت الأفكار الجاهلية من الهيمنة على المجتمع أصيب هذا المجتمع بمرض نفسي.
«الحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعاً للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، فإذا كان الوسط نظيفاً حراً ، فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، وإذا الوسط كان متسماً بالقابلية إلى الاستعمار فلا بدّ من أن تكون حكومته استعمارية.
هذه الملاحظة الاجتماعية تدعونا لأن نقرر أنّ الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها»
هذا المرض النفسي الذي يكتسح المجتمع سمّاه بن نبي (القابلية للاستعمار)
القابلية للاستعمار
القابلية للاستعمار مفهوم محوري في فكر مالك بن نبي، وقد استخدمه لتحليل أسباب تخلف مجتمعاتنا في مواجهة الاستعمار، بعيدًا عن التفسير السطحي الذي يحمّل الاستعمار أو الحكومة مسؤولية الانحطاط.
ويعرفها على أنها الاستعداد الداخلي في المجتمع المستَعمَر لتقبّل الاستعمار والخضوع له، نتيجة ضعف في البنية الحضارية، وغياب الفاعلية، وانهيار منظومة القيم، مما يجعل الحيز النفسي للمجتمع أرضًا خصبة لهيمنة الآخر.
وتبدأ أعراض هذا المرض بالانحطاط الأخلاقي والفكري والعجز عن الإنتاج الحضاري والفراغ الاجتماعي والسياسي إذ يغيب التنظيم، وتنعدم المبادرة، ويُترك المجال مفتوحًا للتدخل الخارجي بعد الانبهار به.
«وليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتسع لذل مستعمر، وتخلصت من تلك الروح التي تؤهله للاستعمار»
ولقد أراد بن نبي أن ينقل النقاش من لوم الاستعمار الخارجي إلى تفكيك أسباب الضعف الداخلي، معتبرًا أن التحرر الحقيقي يبدأ من تحرير الذات، وبناء الإنسان، والفكر، والمؤسسات. وإعادة صياغة صلة الحكومة بالوسط الاجتماعي، بتحقيق التفاعل والتأثير المتبادل. (فالدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها. بيتر بورك اجتماعي بريطاني)
شعار الإصلاح، إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم
تستند فلسفة الإصلاح عند مالك بن نبي، إلى الآية الكريمة التي اتخذها شعارًا لمشروعه الفكري والحضاري، ليؤسس عليها رؤية عميقة في فهم النهضة والتغيير. إذ يرى أنّ التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من داخل الإنسان والمجتمع، وأنّ أية محاولة للنهوض دون إحداث تغيير كبير في البنية النفسية والفكرية والقيمية للأفراد ما هي إلا محاولة سطحية مصيرها الفشل. فجعله مبدأً حضاريًا وربطه بمفهوم القابلية للاستعمار لأنّ المجتمع الذي لا يغيّر ما بنفسه يظل قابلًا للهيمنة، واعتبره منطلقًا للنهضة لأن كل مشروع إصلاحي لا بدّ أن يبدأ من الإنسان، فتغيير الإنسان هو الذي يغيّر مجرى التاريخ.
«غيّر نفسك تغيّر التاريخ- العمل والقيام بالواجب- من أجل إحداث التغيير. لا بدّ من الاعتراف بالركام الموروث وتشخيصه، ثم تشمير الزنود، ووضع آليات الإصلاح، في التربية والتعليم، وتطهير الأخلاق والعادات، ومستقبل المرأة ودورها، وتوظيف رؤوس الأموال في مشاريع نهضوية، وأن يأخذ الأدب والإعلام دوره في شحن الطاقات، وشحذ الهمم.»
«ولا يذهب كابوسه عن الشعب – كما يتصور البعض – بكلمات أدبية أو خطابية، وإنما بتحول نفسي، يصبح معه الفرد شيئاً فشيئاً قادراً على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديراً بأن تحترم كرامته، وحينئذ يرتفع عنه طابع القابلية للاستعمار، وبالتالي لن يقبل حكومة استعمارية تنهب ماله، وتمتص دمه، فكأنه بتغيير نفسه قد غير وضع حاكميه تلقائياً إلى الوضع الذي يرتضيه»
عماد كل حضارة هو البعث الفكري، والبعث الروحي.
هذه المعادلة الحضارية تختزل رؤية مالك بن نبي العميقة في بناء الأمم، فالبعث الفكري يعني أنّ العقل محرّك للنهضة، والفكر شرارة أولى للحضارة، لأنه يحرّر الإنسان من التقليد والجمود ويخلق أدوات الفهم والتحليل والنقد، ويفتح المجال للإبداع العلمي والفني والمؤسساتي.
البعث الفكري يعني أنّ المجتمع يبدأ بإعادة تشغيل العقل، بإنتاج الحلول من داخل منظومته القيمية والمعرفية.لا باستيرادها من الخارج.
أما البعث الروحي يعني أنّ الإيمان قوةٌ دافعة فهو إحياء الضمير والقيم والمعنى، باستعادة العلاقة الحية بالله، وبناء الإنسان الأخلاقي المسؤول، وتوجيه الطاقة النفسية نحو البناء لا الاستهلاك.
فمالك بن نبي يرى أن الروح هي التي تعطي الفكر اتجاهًا ومعنى، وتحميه من التحول إلى أدوات مادية بلا غاية.
كما يشير إلى أنّ الواجبات تقود إلى الحقوق؛ فلا ينبغي لنا أن نطالب بالحقوق وننسى ونتجاهل ونتكاسل عن الواجبات، بل علينا تحويل البلاد إلى ورشةٍ للعمل الدؤوب من أجل إحداث التغيير.
«ألا قاتل الله الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم. فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام. لأنّ جهل العوام بيّن ظاهر، يسهل علاجه. أما الأول فهو متخفٍ في غرور المتعلمين.»
ترك المرض ومعالجة الأعراض. مثال الأفغاني ومحمد عبده.
نقَدَ مالك بن نبي النزعة الإصلاحية السطحية التي لا تتعامل مع جذور المشكلة الحضارية، بل تكتفي بمظاهرها. وقد استخدم مثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لتوضيح هذا الخلل في مشروع النهضة الإسلامية الحديثة.
ونقدَ الفلسفة القائمة على معالجة الأعراض مثل الاستعمار، الفقر، الجهل دون أن التعمق في أسباب المرض لاقتلاعه من جذوره، فضعف البنية النفسية والاجتماعية، وغياب الفاعلية الحضارية، وانهيار منظومة القيم، وفقدان الإنسان رسالته ودوره هي التي أنشأت المرض المستفحل، والذي لن تشفى منه الأمة بعلاج ما بدا من أعراضه. وهكذا يرى بن نبي أن الأفغاني ومحمد عبده، رغم نبل رسالتيهما، ركّزا على مواجهة الاستعمار سياسيًا دون بناء الإنسان فكريًا وروحيًا، والدعوة إلى الإصلاح الديني دون تأسيس مشروع حضاري متكامل، والانشغال بالرد على الغرب بدلًا من إنتاج بديل معرفي داخلي.
كما نقد الاتجاهات التنويرية التي تسعى لجلب الحلول من الغرب، بعد إضاءة منتجات تلك الحضارة والدعوة للانبهار بها، وتقليدها.
ثم ندخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالبين الشفاء، ولكن من أي مرض؟ ما هي مدة العلاج؟ كم جرعة في اليوم؟ لا توجد لدينا أدنى فكرة عن المرض. ونترك الأمر للصدفة.
«فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا حبة ضد الجهل ، ويأخذ هناك قرصاً ضد الاستعمار، وفي مكان قصي يتناول عقارًا كي يشفى من الفقر، فهو يبني هنا مدرسة، ويطالب هنالك باستقلاله، وينشئ في بقعة قاصية مصنعاً. ولكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء، أي أننا لن نجد حضارة. ومع ذلك فهناك جهود محمودة يمكن أن نلاحظ من خلالها السلبية النسبية لجهود العالم الإسلامي، حين نقارنها بجهود اليابان مثلًا، منذ خمسين عاماً، أو جهود الصين منذ عشر سنوات، فهناك شيء من الغرابة في الحالة التي تفحصها مما يدفعنا إلى تفهم كيفية سيرها وآليتها، ومن أجل هذا يجب أن نعرف المقياس العام لعملية الحضارة، ليلقي لنا ضوءاً كاشفاً على (السلبية النسبية) وانعدام الفاعلية في جهود المجتمع الإسلامي.
إنّ المقياس العام في عملية الحضارة هو أنّ الحضارة هي التي تلد منتجاتها وسيكون من السخف والسخرية حتماً أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها»
فإذا تحررت النفس من ذلها وقابليتها للاستعمار ومن تبعيتها ومن انبهارها بمنتجات الحضارات الأخرى، وتوقدت شعلة العمل الدؤوب وعُلِمت الواجبات والحقوق، فتح بن نبي أمامنا معادلة جديدة ، وهي ” ناتج حضاري= إنسان، تراب، وقت”
عناصر ثلاثة نقف عندها في المقال القادم، لا تعمل منفردة، بل لا بدّ أن تتكامل في إطار مشروع حضاري ينهض بالفكر والسلوك، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع والتاريخ.



