
في صمود أهل غزة
بقلم: الدكتورة مجد عبد المجيد قمر
تجلّيات قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} في صمودِ أهلِ غزّة
قال تعالى:
﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوۡعِظَةٌ لِّلۡمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (139) إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٌ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٌ مِّثۡلُهُۥ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (141) أ َمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ (142) وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ (143)﴾ [آل عمران: 137-143]
إنّنا إذا سلّطنا الضوء على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139] رأينا الاستجابة للأمر الإلهي واضحةً عند أهلنا في غزة، وبينما نستمع نحن للآية الكريمة يعيشها أهلنا في غزة واقعًا ونموذجاً حيّاً يتجلّى بتجلّياتٍ عظيمةٍ، تكادُ تكون محسوسةً في واقع الصمود الأسطوريّ، الذي روى قصّة إيمان تحدّت أعتى قوى الأرض في قلب المأساة الفلسطينية.
لقد نزلت هذه الآية كما يذكر الإمام الطّبري: “تعزيةً لأصحاب رسول الله ﷺ على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد” قال: “ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا”، يا أصحاب محمّد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكّم بأُحد، من القتل والقروح – عن جهاد عدوّكم وحربهم” انظر: تفسير الطبري، (7، 234). وقد “ضمنَ اللَّه عز وجل النّصر، بقوله: (وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ).” انظر: معاني القرآن للزجاج، (1/ 470).
وتجليات الآية ليست خاصّة بالصّحابة يوم أحد، فقد سبقها قوله تعالى: ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ ﴾ [آل عمران: 137] وقوله: ﴿هٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوۡعِظَةٌ لِّلۡمُتَّقِين َ﴾ [آل عمران: 138] كالمقدمة لقوله: ﴿ولا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾، وكأنَّ السنّة الكونيّة تتجلّى في الآية: فالمراد كما ذكر الرازي في (تفسيره): “إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أنّ أهل الباطل وإنْ اتّفقت لهم الصَّولة، لكن كان مآل الأمر إلى الضّعف والفتور، وصارت دولة أهل الحقّ عالية، وصولة أهل الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفّار عليكم يوم أحد سببًا لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم، بل يجب أن يقوى قلبكم فإنّ الاستعلاء سيحصل لكم، والقوّة والدّولة راجعة إليكم”. تفسير الرازي، (9/ 371).
وختمها تعالى بقوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» فهي إذن من لوازم الإيمان، أي “ينبغي للمؤمن ألا تظلّه مهابة من غير الله”. انظر: لطائف الإشارات للقشيري، (1/ 280).
وثبات أهل غزة بلا وهن قائمٌ على أسسٍ عقائدية، من أهمها:
- مفهوم الرباط في سبيل الله: فبقاؤهم في أرضهم على الرغم من دمار العمران، وارتقاء الأرواح، ما هو إلا لإيمانهم بأنّ أرضهم هي أرض الرّباط، وهذا الموقف ليس مجرّد قرار سياسيّ، بل هو عبادة يتقرّب بها أهل غزّة إلى الله، ويستشعرون فيها الأجر العظيم الذي وعد به الرسول ﷺ للمرابط في سبيل الله.
- التعلّق بالقرآن الكريم ومنهجه: إذْ يوجد في غزّة أعدادٌ كثيرة من مراكز تحفيظ القرآن الكريم، رأينا ثمراتها في الحرب الأخيرة على غزّة، وعلى الرّغم من القصف والدّمار، تروي هذه العلاقة الوثيقة مع القرآن الّتي ليست مجرّد تلاوة وحفظ فقط، بل استمدادٌ من معانيه، وتناغمٌ مع مقاصده، وتزوّد من هالته الإيمانيّة، مما يخلق الاستعداد الدّائم في النّفوس لمواجهة التّحدّيات .
الحزن شعور طبيعيّ على فقدان الأحبّة والأماكن التي رافقت الإنسان منذ الطّفولة، ولكن الأمر الإلهي “لا تَحْزَنُوا” هو دعوة لتجاوز الحزن العاجز إلى الأمل الفاعل
تجليّات “ولا تَهِنُوا”.. مدرسةٌ في العزيمةِ الإيمانيّةِ
الفرق بين الضّعف والوهن هو أَن الضعف ضد القُوَّة وَهُوَ من فعل الله تعالى، تقول: خلقه الله ضعيفًا أَو خلقه قويًا، أمّا الوهن فهُوَ أَن يفعل الإنسان فعل الضَّعِيف. انظر: الفروق اللغوية للعسكري، (ص/ 115).
وهو ما تجاوزه أهل غزّة بقلوب مؤمنة ووعيٍ عميق، فتحوّلت “لا تَهِنُوا” من أمر شرعيّ إلى شعار حياة، حيث رفضوا الوهن الجسديّ والمعنويّ.
أما الوهن الجسديّ: ففي وجه حصارٍ خانقٍ، وحرمانٍ من أدنى مقوّمات الحياة، نرى صمود الأجساد التي تستمدّ قوّتها من إيمانها بما أنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى، دون أن تقودَ هذه المجاعة التي فرضها المحتل إلى سخطٍ على قضاء الله، أو فقدانٍ للعزيمة على الرّغم من شدّة الأمر.
وأما الوهن المعنوي: فقد تجلّى في وجه محاولات كسر الإرادة عبر التّدمير الممنهج، إذ نرى إرادةً تصنع من الأنقاض منصّات للعزم، فكلما تفنّن العدو في أساليب هدم العزيمة انقلبت أضعافًا عند أهلنا في غزّة، وكلّما ارتقى شهيدٌ من صحفيّ أو إعلاميّ سلّم الرّاية لأخيه أو ابنه أو صديقه، دون توانٍ، ولا توقّف.
تجلّيات “ولا تَحْزَنُوا”..
الحزن شعور طبيعيّ على فقدان الأحبّة والأماكن التي رافقت الإنسان منذ الطّفولة، ولكن الأمر الإلهي “لا تَحْزَنُوا” هو دعوة لتجاوز الحزن العاجز إلى الأمل الفاعل، فإن قيل: كيف أُمِرَ الإِنسان بأن لا يهن ولا يحزن، وليس ذلك باختياره، بل هو شيء يعرض له بالاضطرار؟ قيل: النّهي في الحقيقة متوجِّه إلى تعاطي فعل ما يورث ذلك، وإن كان في الّلفظ متناولًا للحزن والوهن. انظر: تفسير الراغب الأصفهاني، (3/ 874).
إضافة إلى أن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان: زيادةُ مصيبة، وعونٌ للعدوّ، بل لا بدّ من تشجيع القلوب على الصّبر، ودفع الحزن عنها، والتصلّب في وجه العدو. انظر: تفسير السعدي (ص/ 149).
وهو ما عاشه أهلنا في غزّة، فلم يتعاطو يومًا أسباب الحزن على الرّغم من حضورها بقوّة، وحوّلوا حزنهم على الشّهداء إلى عزيمة على مواصلة المسير، لأنّهم أصحاب الحقّ، وفي وسط المأساة، تجد فرح المؤمن بوعد ربه ظاهرًا جليًا.
تجليّات: “وأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ”
قوله تعالى: “وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ” فيه وجوهٌ في ضوءِ سببِ نزول الآية:
الأول: أنّ حالكم أعلى من حالهم في القتل؛ لأنّكم أصبتم منهم يوم بدرٍ أكثرَ ممّا أصابوا منكم يومَ أحد، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٌ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165] أو لأنّ قتالكم لله وقتالهم للشّيطان، أو لأنّ قتالهم للدّين الباطل وقتالكم للدّين الحقّ، وكلّ ذلك يوجب كونكم أعلى حالًا منهم.
الثاني: أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجّة والتّمسّك بالدّين والعاقبة الحميدة”. انظر: تفسير الرازي، (9/ 371).
وفي ضوء ذلك يلفت ابن القيم نظرنا إلى ما يظنُّه كثيرٌ من النّاس، من أنّ أهل الدّين الحقّ يكونون في الدّنيا أذلّاء مقهورين مغلوبين دائمًا، فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ذلك خاصًّا بطائفةٍ دون طائفة، أو بزمانٍ دون زمانٍ أو أن يجعله معلّقًا بالمشيئة، وإن لم يصرّح بها. وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم فى كتابه. والله سبحانه قد بيّن في كتابه أنّه ناصر المؤمنين في الدّنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم، (2/ 183).
وهي سنّة كونيّة لابدّ حاصلةٌ، وما صمودُ أهلنا في غزّة إلا ليقينهم بأنّهم الأعلَون في الحقّ، والأعلَون في العقيدة، وأنّهم يقاتلون أهل الباطل.
وهذا الوعدُ الإلهيّ هو الخبر اليقين الذي يعيش عليه أهلُ غزّة، والذي يمنحهم القدرة على تحويل الهزيمة الظّاهرية إلى انتصار معنويّ، يكمن في أنّهم لم يستسلموا، وظلّوا أوفياءَ لدماء شهدائهم، كما انتصروا بإيصال حقيقة الكيان الغاشم إلى العالم أجمع، حتى باتت حرّيّة فلسطين مطلبًا لكلّ شعوب العالم الحر، فقد شهدَ العالم كلّه نموذجاً بشريّاً فريداً جعل الكثيرين يتساءلون: أيّ دين هذا الذي يصنع هذه النّماذج؟ لتغدو غزّة ملحمةً دعويّةً تتجلّى فيها معالم الإيمان وترتسم فيها صورُ الإسلام .
إنّ صمود أهل غزّة مثّل التّجسيد العمليّ لعقيدةٍ راسخةٍ صاغتها تجليّات قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾
إذْ لم يقرأ أهلنا في غزة الآية فقط؛ بل كتبوها بدمائهم وأرواحهم.



