المقالات

فقهُ التَّوكُّلِ (بينَ الأخذِ بالأسبابِ والاعتمادِ على المسبِّبِ)

بقلم الدكتورة مجد عبدالمجيد قمر

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

يواجهُ المسلمُ المعاصرُ في سلوكهِ العمليِّ إشكاليّاتٍ منهجيّةً عميقةً في إدراكِ مفهومِ التوكُّلِ، والتباسًا في بعضِ الأحيانِ في طريقةِ التعاملِ معها، فمِنْ متواكِلٍ تدفعُهُ الدَّعةُ والفتورُ إلى تركِ الأسبابِ المادِّيّةِ وتحصيلِها، مستسلمًا للخمولِ والكسلِ، تاركًا الأسباب المادِّيّة تحتَ ذريعة أنَّ قلبَهُ معتمِدٌ بكُلِّيّتِهِ على الخالقِ المسبِّبِ، إلى لاهثٍ وراءَ الأسبابِ وكأنَّها معبودٌ يتحكَّمُ في فكرِ العبدِ وسلوكِه، فينسى -في غمرةِ السعيِ إلى تحصيلِها- مُسبِّبَ الأسبابِ وخالقَ كلِّ شيءٍ.

ولعلَّ جوهرَ هذا الإشكالِ المنهجيِّ والتنازعِ السلوكيِّ بينَ الطرفينِ ينبثقُ منَ الخلطِ بينَ أعمالِ القلوبِ وأعمالِ الجوارحِ، فلكلٍّ ميدانُهُ الذي أمرَ الشرعُ العبدَ بالسعيِ فيه، معَ حكمتِهِ البالغةِ في تقسيمِ هذهِ الأدوارِ:

عالَمُ الأسبابِ هوَ الميدانُ الرحبُ لعملِ الجوارحِ

وأما فلسفةُ التعاملِ معَ السببِ بعدَ الأخذِ بهِ، فهيَ منْ عملِ القلبِ الذي يعتمدُ على خالقِ الأسبابِ كلِّها وحدَهُ لا شريكَ له، وهوَ معنى التوكُّلِ في الإسلام

منَ السعيِ الحثيثِ لطلبِ الرزقِ، إلى التماسِ الدواءِ والتداوي للاستشفاءِ، إلى الدراسةِ الجادّةِ لنيلِ الشهاداتِ العلميّةِ، وما إلى ذلكَ منَ الأسبابِ التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها، بلْ إنَّ الحكمةَ الإلهيّةَ قضتْ بأنْ يكونَ الكونُ كلُّهُ قائمًا في أصلِ خلقِهِ على نظامِ السببيّةِ المحكَمِ هذا.

وأما فلسفةُ التعاملِ معَ السببِ بعدَ الأخذِ بهِ، فهيَ منْ عملِ القلبِ الذي يعتمدُ على خالقِ الأسبابِ كلِّها وحدَهُ لا شريكَ له، وهوَ معنى التوكُّلِ في الإسلام؛ الذي يُعدُّ منْ أعلى مقاماتِ اليقينِ، وأشرفِ أحوالِ المقرَّبينَ، قالَ اللهُ الحقُّ المبينُ: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المتَوَكِّلِيْنَ) [آل عمران 159] فجعلَ المتوكِّلَ حبيبَهُ وألقى عليهِ محبّتَهُ، وقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم 12] فرفعَ المتوكِّلينَ إليهِ وجعلَ مزيدَهمْ منهُ” [انظر: قوتُ القلوبِ لأبي طالبٍ المكيِّ، (2/ 3)]

وفي وصايا لقمانَ لابنِهِ: «يَا بُنَيَّ، إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ، قَدْ غَرِقَ فِيهَا نَاسٌ كَثِيرٌ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ، وَحَشْوُهَا إِيمَانًا بِاللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَشِرَاعُهَا ‌التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ، لَعَلَّكَ نَاجٍ، وَلَا أَرَاكَ نَاجِيًا» [أخرجهُ ابنُ المباركِ في الزهدِ والرقائقِ برقم 537]

وفي هذهِ الرؤيةِ المتوازنةِ يقولُ الإمامُ الغزاليُّ: “ملاحظةُ الأسبابِ والاعتمادُ عليها شركٌ في التوحيدِ، والتثاقلُ عنها بالكُلِّيّةِ طعنٌ في السنّةِ وقدحٌ في الشرعِ” [إحياءُ علومِ الدينِ، (4/ 243)]

فقالَ: (ملاحظةٌ) و (اعتمادٌ) وهيَ منْ أعمالِ القلوبِ، ثمَّ قالَ (والتثاقلُ عنها) ليشيرَ إلى أنَّ كلَّ تاركٍ للسعيِ وراءَ الأسبابِ إنّما تثاقلَ عنها لكسلِهِ وميلِهِ إلى الفتورِ، وإلّا فلا يكونُ التثاقلُ منْ غيرِهِ.

للمسألةِ إذًا في سلوكِ العبدِ جانبانِ:

الجانبُ المادِّيُّ (وهوَ الأخذُ بالأسبابِ)

الجانبُ القلبيُّ (وهوَ الاعتمادُ على المسبِّبِ)

وفي ضوءِ هذا التقسيمِ الحكيمِ، تتجلّى حقيقةُ المسألةِ في سلوكِ العبدِ من خلالِ جانبينِ متكاملينِ:

أولًا- الجانبُ المادِّيُّ

 فهوَ عملُ الجوارحِ (الأخذُ بالأسبابِ):

فمنَ المشاهَدِ أنَّ كلَّ ما حولَنا مُحاطٌ بالأسبابِ، ولا مناصَ منَ الأخذِ بها، يُشيرُ الإمامُ الرازيُّ إلى ذلكَ بقولِه:

«ثمَّ إنَّ هذا العالمَ عالمُ ‌الأسبابِ، فلا يمكنُهُ تحصيلُ الخيراتِ واللذّاتِ إلّا بواسطةِ أسبابٍ معيّنةٍ، ولا يمكنُهُ دفعُ الآفاتِ والمخافاتِ إلّا بواسطةِ أسبابٍ معيّنةٍ» [انظر: تفسيرُ الرازي، (1/ 166)]

ويجبُ هنا الوقوفُ عندَ ركنينِ أساسيَّينِ:

الأوّلإنَّ الشريعةَ تأمرُ بالأخذِ بالأسبابِ، قالَ تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ (الملك: 15).

وقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما أخرجهُ البخاريُّ في صحيحِه عن سيّدِنا أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ:

أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ:

((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَنْ يَأْخُذَ ‌أَحَدُكُمْ ‌حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ)).

الثانيضرورةُ الإتقانِ

كما في الحديثِ الذي أخرجهُ أبو يعلى في (مسندِه) (برقم 4386)، والطبرانيُّ في (الأوسط) برقم (897) عن السيّدةِ عائشةَ عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ:

“إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عَملَ أحدُكُم عملًا أنْ يُتقنَهُ”.

فالإتقانُ هنا قيمةٌ إيمانيّةٌ.

وعندما يستقيمُ فهمُ المسلمِ للسببِ في ضوءِ هذهِ الأسسِ، يُنتجُ مجتمعًا فاعلًا واعيًا؛ فلنْ تجدَ حينها عاطلًا عنِ العملِ معَ قدرتِهِ عليه، ولنْ تجدَ منْ يُهوِّنُ أمرَ الأخذِ بالأسبابِ بميلٍ إلى الدَّعةِ في العيشِ والتكاسلِ عنِ الطلبِ، بلْ ستجدُ عقولًا واعيةً لوظيفتِها في هذهِ المعمورةِ.

 فالطالبُ يبذلُ قُصارى جُهدِه في دراستِه

وربُّ الأسرةِ يسعى بشتى الوسائلِ للكسبِ

والموظّفُ لا يُضيّعُ وقتًا في اللهو

لأنَّ كلَّ هؤلاءِ يعلمونَ يقينًا أنَّ سعيَهم – معَ النيّةِ الصالحةِ – عبادةٌ مأجورونَ عليها.

&&&&

ثانيًا- الجانبُ القلبيُّ

(وهوَ التوكُّلُ بالاعتمادِ على المسبِّبِ) فهوَ لُبُّ التوكُّلِ وحقيقتُهُ، ويرتكزُ على ركيزتينِ أساسيّتينِ هما:

1. التوكُّلُ عملٌ قلبيٌّ في جوهرِهِ

“قالَ الإمامُ أحمدُ: التوكُّلُ عملُ القلبِ. ومعنى ذلكَ أنَّهُ عملٌ قلبيٌّ. ليسَ بقولِ اللسانِ، ولا عملِ الجوارحِ، ولا هوَ منْ بابِ العلومِ والإدراكاتِ.”

مدارجُ السالكينَ لابنِ القيّمِ، (2/ 114).

وأكّدَ ذلكَ ابنُ حجرٍ في (فتحِ الباري، 6/82) فقالَ:

“التوكُّلُ لا يُنافي تعاطي الأسبابِ؛ لأنَّ ‌التوكُّل ‌عمل ‌القلبِ وهيَ عملُ البدنِ”

2. التوكُّلُ منْ لوازمِ الإيمانِ الحقِّ

قالَ تعالى:{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]

وقالَ سبحانهُ:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَ…َكَّلُونَ} [الأنفال: 2]

فهوَ ثمرةٌ طبيعيّةٌ للتوحيدِ الخالصِ والإيمانِ بالقدرةِ الإلهيّةِ المُطلقةِ.

“إذِ الإيمانُ هوَ التصديقُ، وكلُّ تصديقٍ بالقلبِ فهوَ علمٌ، وإذا قويَ سُمِّيَ يقينًا، ولكنْ أبوابُ اليقينِ كثيرةٌ، ونحنُ إنّما نحتاجُ منها إلى ما نَبني عليهِ التوكُّلَ، وهوَ التوحيدُ الذي يُترجِمُهُ قولُك: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له))

والإيمانُ بالقدرةِ التي يُترجِمُ عنها قولُك ((لهُ الملكُ))

والإيمانُ بالجودِ والحكمةِ الذي يدلُّ عليهِ قولُك ((ولهُ الحمدُ))

فمنْ قالَ:

((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ))

تمَّ لهُ الإيمانُ الذي هوَ أصلُ التوكُّلِ”.

إحياءُ علومِ الدينِ للغزالي، (4/ 245).

بلْ إنَّ التوكُّلَ جماعُ الإيمانِ؛ كما وردَ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قالَ: ((‌التوكُّلُ على اللَّهِ جماعُ الإيمانِ)).

[أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ في مصنّفِهِ، برقم 31567]

ما هو تعريف التوكل؟

وفي التوازنِ بينَ الجانبِ المادِّيِّ والجانبِ القلبيِّ يُعرِّفُ أبو ترابٍ النَّخْشَبِيُّ الصوفيُّ التوكُّلَ بأنَّهُ

(طرحُ البدنِ في العبوديّةِ، وتعلُّقُ القلبِ بالربوبيّةِ، والطمأنينةُ إلى الكفايةِ، فإنْ أُعطيَ شكرَ، وإنْ مُنِعَ صبرَ)

ويُعلِّقُ على ذلكَ ابنُ القيّمِ فيقولُ: «فجعلَهُ مُركَّبًا منْ خمسةِ أمورٍ:

القيامُ بحركاتِ العبوديّةِ، وتعلُّقُ القلبِ بتدبيرِ الربِّ، وسكونُهُ إلى قضائِهِ وقدرِهِ، وطمأنينتُهُ وكفايتُهُ له، وشكرُهُ إذا أُعطيَ، وصبرُهُ إذا مُنِعَ»

التوكُّلُ هوَ أنْ يُراعيَ الإنسانُ الأسبابَ الظاهرةَ، ولكنْ لا يُعوِّلَ بقلبِهِ عليها، بلْ يُعوِّلَ على عصمةِ الحقِّ

مدارجُ السالكينَ لابنِ القيّمِ، (2/ 116).

ويدلُّ على هذا التوازنِ الدقيقِ قولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 159)،

حيثُ تُشيرُ الآيةُ كما يذكرُ الرازيُّ في (تفسيرِهِ):

«أنَّهُ ليسَ التوكُّلُ أنْ يُهمِلَ الإنسانُ نفسَهُ، كما يقولُهُ بعضُ الجهّالِ، وإلّا لكانَ الأمرُ بالمشاورةِ مُنافيًا للأمرِ بالتوكُّلِ،

بلْ التوكُّلُ هوَ أنْ يُراعيَ الإنسانُ الأسبابَ الظاهرةَ، ولكنْ لا يُعوِّلَ بقلبِهِ عليها، بلْ يُعوِّلَ على عصمةِ الحقِّ».

(9/410)

إشكالٌ منهجي:

إنْ قيل: ما الحكمة من الأخذ بالأسباب إذا كانت النتائج قد تتخلف مع وجود أسبابها المادية؟

فالإجابةُ تكمُنُ في ملاحظةِ أمرينِ:

الأوّل- الأجرُ والمثوبةُ

فالسعيُ في ذاتِهِ مأجورٌ، وأمرُ المؤمنِ كلُّهُ خيرٌ، وهوَ رابحٌ للأجرِ والقُربِ منَ اللهِ بالالتزامِ بأمرِهِ، مهما كانتْ نتيجةُ السعيِ في منظورِهِ المحدودِ، فكمْ منْ أمرٍ لزمَ العبدُ أسبابَهُ، وما أثمرَ النتائجَ التي يرجوها، لتظهرَ النتيجةُ دونَ سعيٍ لها في وقتٍ آخرَ.

الثاني- اختبارُ العبوديّةِ

ففي تخلُّفِ النتيجةِ يتجلّى اختبارُ العبوديّةِ الخالصةِ، وحقيقةُ التفويضِ، وقدْ تكونُ الحكمةُ هيَ مطلقُ التسليمِ لأمرِ اللهِ بعدَ الأخذِ بالأسبابِ التي جرتِ العادةُ عليها وفقَ نظامِ السُّننِ الكونيّةِ.

وفي التعاملِ معَ ذلكَ يُنبِّهُنا الإمامُ المناويُّ في (فيضِ القدير، 2/315) فيقولُ:

«إذْ ليسَ منَ التوكُّلِ ‌تركُ ‌الأسبابِ وإغفالُ الحزمِ في الأمورِ، بلْ على العاقلِ أنْ يتكَيَّسَ في الأمورِ، بأنْ يتيقَّظَ فيها ويطلبَ ما يَعنُّ لهُ بالتوجُّهِ إلى أسبابٍ جرتْ عادةُ اللهِ على ارتباطِ تلكَ المطالبِ بها، ويدخلَ عليها منْ أبوابِها، ثمَّ إنْ غلبَهُ أمرٌ وعَسُرَ عليهِ مطلوبٌ ولمْ يتيسَّرْ لهُ طريقٌ كانَ معذورًا فليقُلْ: حسبيَ اللهُ ونِعمَ الوكيلُ».

وقدْ يكونُ تخلُّفُ النتيجةِ أيضًا دليلًا على خللٍ في التوكُّلِ القلبيِّ، وإلّا لتحقَّقَ الوعدُ النبويُّ:

((لو أنَّكُم تتوكَّلُونَ على اللهِ حقَّ توكُّلِهِ، لرَزَقكُم كما يَرزقُ الطَّيرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وتَرُوحُ بِطَانًا))

[أخرجهُ أحمدُ في مسندِهِ برقم 205، والبيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ برقم 1182، عن سيّدِنا عمر].

الخاتمة

وأخيرًا، فإنَّ الفائزَ الحقيقيَّ والرابحَ المصيبَ في هذهِ المعادلةِ الوجوديّةِ هوَ منْ أَحْكَمَ الوصلةَ بينَ عالمِ الجوارحِ وعالمِ القلوبِ، فسعى بجوارحِهِ في ميدانِ الأخذِ بالأسبابِ كأنَّها كلُّ شيءٍ، ثمَّ ارتفعَ بروحِهِ وقلبِهِ إلى بارئِ الأسبابِ ومُسبِّبِها كأنَّ الأسبابَ ليستْ بشيءٍ.

فهوَ بجوارحِهِ – في الميدانِ المادِّيِّ – عبدٌ مأمورٌ، يحرثُ الأرضَ ويَبذرُ البذورَ، ويشقُّ الطرقَ، ويَبني الحضاراتِ، لا يتوانى ولا يُقصِّرُ؛ لأنَّهُ يعلمُ أنَّ الأخذَ بالأسبابِ منْ أوامرِ الشرعِ الحكيمِ، وسُنَّةِ الكونِ القويمِ.

وهوَ بقلبِهِ – في الميدانِ القلبيِّ – عبدٌ موقنٌ، يُعلِّقُ آمالَهُ بربِّ العالمينَ، ويستندُ في كلِّ أمرِهِ إلى مالكِ يومِ الدينِ،

فلا تراهُ يجزعُ عندَ فواتِ مطلوبٍ، ولا ييأسُ عندَ حُلولِ محذورٍ؛ لأنَّ قلبَهُ مُعلَّقٌ بالغيبِ الذي لا يُخيِّبُ.

فهوَ بذلكَ قدْ جمعَ بينَ شطرَيِ العبوديّةِ المتكاملةِ:

عبوديّةِ العملِ والسعيِ، وعبوديّةِ التفويضِ والرِّضا.

د. مجد عبد المجيد قمر

emadadmin

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى