المقالات البحثية

الحضارة الغربية عند المفكر النمساوي “محمد أسد”

محمد الغباشي

الفكرة المحورية التي كانت تلحّ باستمرار على المفكر النمساوي ليوبولد فايس “محمد أسد” هي تداعي الفكر الغربي ونسقه الاجتماعي، وعدم قدرته على الصمود أمام الفكر والنسق الاجتماعي للإسلام، وهو ما حدا به فيما بعد إلى الفرار من هذا المجتمع الأوروبي الفقير روحيًا إلى المجتمع المسلم؛ الفرار الروحي بتحوله من اليهودية إلى الإسلام، والفرار المادي من المعيشة في واحدة من أعظم الإمبراطوريات الغربية في عصره (الإمبراطورية النمساوية) إلى الهجرة والاستيطان وسط الأعراب والفقراء والمعوزين في أكثر من بلد مسلم (الجزيرة العربية – القدس – الهند وباكستان قبل وبعد الاستقلال) استدعاءً لتلك الحالة الروحانية المفقودة.

كان (أسد) دائم الاستعراض للمفارقات بين المجتمع المسلم -البسيط والعميق في آن واحد- وبين المجتمع الغربي الفقير روحيًا ودينيًا، والذي حوّل الإنسان من كائن عظيم كرّمه الله إلى ترس في آلة صمّاء تسحق الغربيين تحت جنازيرها، حيث وجد (أسد) -باعتباره أوروبيًا يعيش معاناة روحية- ضالته في الشرق، يقول في أشهر كتبه “الطريق إلى مكة”: (الحياة اليومية لأغلب الناس في الغرب تشكل عبئًا ثقيلاً لا يحلهم منه إلا إجازة يوم الأحد، لم يعد يوم الأحد يوم رحلة بل هروب ونسيان وهمي مصطنع من وطأة الواقع الذي يعيشونه.. أما عند العرب فلا يبدو أن الجمعة يوم هروب أو نسيان، ليس لأن ثمار الحياة تتساقط بسهولة في أحضانهم بلا جهد ولا مشقة، بل يعود السبب ببساطة إلى أن أعمالهم -حتى الشاق منها- لا تتعارض مع رغباتهم الشخصية، على العكس من ذلك هناك تواصل عميق ودفين بين العامل وما يعمله.. لقد رسخ الإسلام ذلك التناغم بين العامل وعمله كحالة تتسق مع التكوين البشري)([1]).

الخطر القادم من الغرب، ليس الخطر العسكري بقدر ما هو الخطر الاجتماعي والمفاهيمي والقيمي المتسلل بين ثنايا الحركة الاستعمارية،

كان كتاب (الإسلام على مفترق الطرق) أول كتاب ألفه (أسد) بعد إسلامه باللغة الإنجليزية، وربما يكتسب من ذلك أهميته وقيمته وشهرته؛ حيث كان (أسد) لا يزال حديث عهد بنمط الحياة الغربية التي كان كثيرًا ما يؤكد أنه ناقم عليها ومعارض مستمر لماديتها ومسلكها في التعاطي مع الإنسان وروحه، وهارب من تشييئها للبشر وتحويلها إياهم إلى مجرد سلعة، فترجم هذه العاصفة من الأفكار والمشاعر إلى مؤلَّف يكشف فيه زيف الحضارة الأوروبية ويحذر من الخطر القادم من الغرب، ليس الخطر العسكري بقدر ما هو الخطر الاجتماعي والمفاهيمي والقيمي المتسلل بين ثنايا الحركة الاستعمارية، والتأكيد على أن الإسلام هو مفتاح الحضارة التي ذهب يبحث عنها المسلمون في غير موضعها وهو بين أيديهم سهلاً يسيرًا كما وضعه الله لهم. لذا فإن هذا الكتاب يمكن وصفه بأنه خطاب لاذع ضد المادية الغربية، واستعراض حالة الحضارة الإسلامية في مقابل الحضارة الغربية.

يقول المفكر والأديب البريطاني (محمد مارمادوك بكتال)([2]) عن الكتاب: (إنه مساهمة ملحوظة لما يمكن أن نسميه أدب التجديد الإسلامي، وإن حقيقة أنه أوروبي بالولادة والتعليم، ورجل كثير السفر وملتزم، يجعل إنجازه أكثر روعة. لقد ألف هذا الكتاب بهدف استعراض الآتي: أولاً: الاختلافات الجوهرية بين الإسلام والحضارة الغربية. ثانيًا: أن تقليد المسلمين للمفاهيم والأساليب الاجتماعية الغربية سيقضي حتمًا على استمرارية الإسلام كبرنامج اجتماعي ومنتِج للثقافة. ثالثًا: دور السنة في التركيبة الفكرية للإسلام. رابعًا: أنه لا يمكن أن يكون هناك مستقبل للإسلام والمجتمع الإسلامي إلا إذا كان مختلفًا عن أساليب بقية العالم)([3]).

على الرغم من تأليف الكتاب قبل ما يقرب من ثمانين عامًا، لا يزال يذهل القارئ المعاصر بتحليله للتراجع الإسلامي، ووصفه الجريء لغرس الثقة بالنفس في عالم إسلامي يعاني من انعدام الثقة تحت هجمة الحضارة الغربية

واقع التخبط الفكري الإسلامي:

يقرر (أسد) في مقدمة هذا الكتاب أنه لم يمر في التاريخ البشري عهد مضطرب من الناحية الفكرية مثل هذا العهد الذي نعيش فيه، عهد يشهد كمًّا من المشكلات التي لم تعهدها العصور السابقة، ليس في الكم فقط ولكن في طبيعتها المختلفة تمامًا عن نظيراتها فيما سبق، فالمجتمع الإنساني -بما في ذلك العالم الإسلامي- يخضع في كل مكان لحالة من التبدل، وأن ثمة قوة تسوق الناس سوقًا ولا تدع لهم مجالاً للتردد أو التوقف، هذه القوة -فيما يبدو من كلام (أسد)- هي العالم الغربي أو المدنية الأوروبية. وهذا يدع المجتمع البشري في حالة من الحيرة والتيه والتساؤل.

كان (أسد) يهدف من هذه الصفحات القليلة -مائة وعشرين صفحة فقط- إلى أن تكون مجرد بداية أو تمهيد يبني عليه المفكرون والباحثون في دراسة هذه القضية؛ قضية التغريب والافتتان الشديد بالمجتمع الغربي وقيمه ونمطه السلوكي، لذا جاءت كلماته بقدر ما هي مركزة وقوية وذات أحكام فاصلة؛ جاءت بسيطة وبعيدة عن التفصيل، وقابلة للمطالعة والإفادة من القارئ العادي ليكون الكتاب مناسبًا للجميع، لاسيما فئة الشباب الذين تشغلهم هذه القضية وبدأت عقولهم فعليًا وسلوكياتهم وأفكارهم في التأثر بالمبادئ والقيم الغربية، متناسين المنهج الإلهي الذي بين أيديهم والذي فيه مفتاح الحضارة التي يفتشون عنها بين ركام الغرب، يقول: (كُتب هذا الكتاب كنداء للمسلمين في ذلك الوقت لتجنب التقليد الأعمى للأشكال والقيم الاجتماعية الغربية، والتحول بدلاً من ذلك إلى الحفاظ على تراثهم الإسلامي الذي كان في يوم من الأيام مسؤولاً عن الظاهرة التاريخية المجيدة المتعددة الجوانب التي يتألف منها مصطلح (الحضارة الإسلامية). أُلِّف الكتاب خاصةً للنخبة المثقفة الناطقة بالإنجليزية في شبه القارة الهندية الباكستانية، ومع ذلك فإنه لا يزال أكثر حيوية وملاءمة حتى اليوم. على الرغم من تأليف الكتاب قبل ما يقرب من ثمانين عامًا، لا يزال يذهل القارئ المعاصر بتحليله للتراجع الإسلامي، ووصفه الجريء لغرس الثقة بالنفس في عالم إسلامي يعاني من انعدام الثقة تحت هجمة الحضارة الغربية)([4]).

المقارنة ما بين الإسلام وبين المادية الغربية، وبين الإسلام وبين الأديان الأخرى ماثلة أمام (أسد) على الدوام، فهو لا يكاد يتطرق إلى موضوع حتى تلحّ عليه هذه المسألة مرة أخرى فيستطرد فيها من جديد، وهكذا دواليك؛ ما يشير إلى أهمية هذه النقطة ليس في هذه الفترة من حياة (أسد) فحسب، وإنما طوال حياته وعلى مدار تاريخه الطويل وعبر مؤلفاته كلها، فلا يكاد يخلو كتاب أو مقال له إلا ويشير من طرف جليّ أو خفيّ إلى هذه المسألة، بالإطالة والإسهاب حينًا، وبالإشارة المقتضبة حينًا آخر، فهي مسألة جوهرية في فكر (أسد) ومنهجه الإصلاحي.

شمولية الإسلام وهيمنته على الحياة:

يؤسس (أسد) في كتابه هذا “الإسلام على مفترق الطرق” لفكرة عدم محدودية الإسلام وجريمة حصره في حقل العبادات المحضة فحسب، ويؤكد على مبدأ الشمولية الذي يعني هيمنته على السلوك الإنساني كله، وعدم قصره في المنطقة الشعائرية من فضائه، فالإسلام أرحب من ذلك بكثير، ويتعدى نطاق الحصر إلى بسط سلطته الطائلة على جميع مناحي الحياة البشرية لمعتنقيه.

على مدار فصول الكتاب يبلور (أسد) هذه الفكرة، وينزع عنها كل ما يشوِّش عليها أو يطمسها، ويعرّف العبادة في الإسلام والدور العام للدين في حياة الإنسان بأنها (ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص كالصلوات والصيام مثلاً، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضًا. وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم عبادة الله فيلزمنا حينئذ ضرورة أن ننظر إلى هذه الحياة -في مجموع مظاهرها كلها- على أنها تبعة أدبية متعددة النواحي. وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها -حتى تلك التي تبدو تافهة- على أنها عبادات: أي نأتيها بوعي، وعلى أنها تؤلف جزءًا من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله)([5]).

ويمضي (أسد) ليؤكد أن (موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل؛ إنه يعلّمنا أولاً أن عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى هذه الحياة نفسها، ويعلّمنا ثانيًا أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلاً ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين: حياتنا الروحية وحياتنا المادية. يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا لتكون كُلاً واحدًا متَّسقًا. إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعيها للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا)([6]).

هكذا يوسِّع (أسد) مفهوم العبادة عن نطاقه المتبادر إلى أذهان العامة من أنه مجرد حياة روحية يحياها المسلم بعيدًا عما أسماه (الحياة المادية)، فالعبادة في الإسلام عند (أسد) هي الحياة، بما تشتمله من جانب روحي وتعبدي وشعائري، وجانب حياتي يومي يشمل النشاط الإنساني الذي يشكل الكل المتَّسق.

يعود (أسد) ليؤكد على هذه النقطة بطريقة أخرى باستعراض المفارقة بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة -كما سنراه كثيرًا في غالبية كتبه- ليقول: (ذلك أن الإسلام لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة فيما بين الأرض وخالقها فقط، ولكنه يعرض أيضًا -بمثل هذا التأكيد على الأقل- للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية. إن الحياة الدنيا لا يُنظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة التي هي آتية لا ريب فيها من غير أن تكون منطوية على معنى ما، ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها… لكن الإسلام -والإسلام وحده- يتجاوز هذا التفسير النظري والوعظي، فهو لا يرشد الإنسان فحسب أن كل الحياة هي في الأساس وحدة واحدة لأنها تنبثق من الوحدة الإلهية، ولكنه يدلنا أيضًا إلى الطريقة العملية التي يستطيع كل فرد منا أن يعيد إنتاج وحدة الفكرة والعمل في حدود حياته الفردية والأرضية)([7]).

الروح المادية للغرب:

دائمًا ما يعقد (أسد) هذه المقارنة بين النظام الإسلامي والنظام الغربي، ليظهر المفارقة بين العالمين: عالم الإسلام وعالم الغرب، أو بالأحرى الروح التي تسري في الإسلام وتلك التي تقابلها في العالم المادي الأوروبي.

يقرر (أسد) حقيقة أن العالم الغربي والأوروبي الحديث لم يعد يهتم بقضية معنى الحياة والغاية منها، بل سيطرت عليه اعتبارات من الانتفاع المادي والتوسع، وصار هدفه إنما هو المعالجة والاكتشاف لكوامن الحياة دون أن ينسب إلى تلك الحياة حقيقة أدبية ما في ذاتها: (المدنية الغربية الحديثة لا تقرّ الحاجة إلى خضوع ما إلا لمقتضيات اقتصادية أو اجتماعية أو قومية. إِنَّ معبودها الحقيقي ليس من نوع روحاني، ولكنْ الرفاهية وإنْ فلسفَتْها الحقيقة المعاصرة، إنما تجد قوة التعبير عن نفسها من طريق الرغبة في القوة، وكلا هذين موروث عن المدنيّة الرومانية القديمة)([8]).

(إن المدنية الحديثة لا تجحد الله البتة، ولكنها لا ترى مجالاً ولا فائدة لله في نظامها الفكري الحالي… العقل الأوروبي يميل بداءة إلى إسقاط الله من دائرة الاعتبارات العملية)([9]).

الحضارة الغربية رومانية لا دينية النشأة وليست نصرانية:

ويغوص (أسد) بصورة أعمق في تأسيس الحضارة الغربية ليؤكد أنها لا يمكن أن تكون نتاجًا للديانة النصرانية، التي كان يفترض أن تكون الهيكل الروحي للمدنية الأوروبية بوصفها عقيدة مبنية على الأخلاق المطلقة شأنها في ذلك شأن الإسلام، كلا، فـ(الأسس الفكرية الحقيقية في الغرب يجب أن تُطلب في فهم الرومانيين القدماء للحياة بحسبانها قضية منفعة خالية من كل استشراف مُطلق… الحقيقة الباقية أن كل ما هو كائن اليوم في الاستشراف الغربي للحياة والأخلاق يرجع إلى المدنية الرومانية، وكما أن الجو الفكري والاجتماعي في روما القديمة كان نفعيًا بحتًا ولا دينيًا على الحقيقة؛ فكذلك هو الجو العام في الغرب الحديث. ومن غير أن يكون لدى الأوروبي برهان على بطلان الدين المطلق ومن غير أن يُسلّم بالحاجة إلى مثل هذا البرهان؛ ترى التفكير الأوروبي الحديث -بينما هو يتسامح بالدين وأحيانًا يؤكد أنه عرف اجتماعي- يترك -على العموم- الأخلاق المطلقة خارج نطاق الاعتبارات العملية)([10]).

أما النصرانية -ممثلة في الكنيسة التي تسلطت على الشأن العلمي- فقد حاربت كل محاولات النهضة في العصور الوسطى، ومارست أبشع أنواع الاستبداد والحجر على المفكرين والمصلحين والعلماء، فحصرت على نفسها حق الاجتهاد العلمي وهي غير أهل له، في حين كانت تنكّل بكل ذوي التوجه العلمي والفكري المخالف لها.

يقول أسد: (إنْ النصرانية ساهمت في جزء يسير جدًا من الرقيّ العلمي المادي الذي فاق به الغرب في مدنيته الحاضرة كل ما سواه. والحق أن ذلك النتاج قد برز من كفاح أوروبا المتطاول ضد الكنيسة المسيحية واستشرافها للحياة. لقد بقي الأوروبي قرونًا طوالاً يرزح تحت عبء نظام ديني يطوي في نفسه احتقار الحياة واحتقار الطبيعة… ففي أثناء العصور الوسطى حينما كانت الكنيسة مسيطرة على كل شيء هنالك؛ لم يكن لأوروبا نشاط ما في حقول البحث العلمي، حتى إنها خسرت كل صلة حقيقية بالنتاج الفلسفي اللاتيني والإغريقي، ذلك النتاج الذي سبق له أن انبثق من الثقافة الأوروبية… إن تحرير العقل الأوروبي من القيود العقلية التي فرضتها عليه الكنيسة المسيحية قد اتفق في أثناء النهضة التي كانت مدينة إلى حد بعيد لذلك العامل الثقافي الذي كان العرب ينقلونه إلى الغرب)([11]).

الهدف الأول والأهم في الإسلام هو التقدم الداخلي والأخلاقي للإنسان، وبالتالي فإن الاعتبارات الأخلاقية تطغى على المنفعة البحتة. في الحضارة الغربية الحديثة، الوضع معكوس؛ يهيمن اعتبار المنفعة المادية على جميع مظاهر النشاط البشري، ويتم إبعاد الأخلاق إلى خلفية غامضة من الحياة

في خضم تلك المعركة التي احتدمت في الغرب بين العلماء والكنيسة كانت الحضارة الإسلامية في أوجها كما يؤكد (أسد)، وفي ذلك الوقت أخذ النفوذ الإسلامي ينتقل إلى الحواضر الغربية بطرق متعددة، ويقرع الأبواب الموصدة هناك ليحدث فيها هزّة عملية نوعية، وظهرت أمام أبصار الغربيين مدنية إسلامية جديدة، مدنية مهذبة راقية خفاقة بالحياة ذات كنوز ثقافية افتقدها الغرب وصارت بالنسبة إليه نسيًا منسيًا.

يقول (أسد): (ولسنا نبالغ إذا قلنا: إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه لم يدشّن في مدن أوروبا النصرانية، ولكن في المراكز الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة. إن أثر هذا النفوذ في أوروبا كان عظيمًا؛ لقد بزغ مع اقتراب الحضارة الإسلامية نور عقلي في سماء الغرب ملأها بحياة جديدة وبتعطش إلى الرقي، ولم يأت التاريخ الأوروبي بأكثر من اعتراف عادل بقيمة الحضارة الإسلامية حينما سمي عصر التجديد الذي نتج من الاحتكاك الحيوي بالثقافة الإسلامية «عصر النهضة»، فإنه كان في الحقيقة ولادة لأوروبا ولم يكن أقل من ذلك)([12]).

يعود (أسد) ليقارن مرة أخرى ما بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ليدلل على عدم التوافق بين الحضارتين، ويبلور البون الشاسع بينهما فيما يتعلق بقضية المنفعة: (الهدف الأول والأهم في الإسلام هو التقدم الداخلي والأخلاقي للإنسان، وبالتالي فإن الاعتبارات الأخلاقية تطغى على المنفعة البحتة. في الحضارة الغربية الحديثة، الوضع معكوس؛ يهيمن اعتبار المنفعة المادية على جميع مظاهر النشاط البشري، ويتم إبعاد الأخلاق إلى خلفية غامضة من الحياة… مثل هذا الموقف المراوغ للأخلاق لا يتوافق بالتأكيد مع التوجه الديني، وبالتالي فإن أسس الحضارة الغربية الحديثة لا تتوافق مع الإسلام)([13]).

شبح الحروب الصليبية:

هذا العنوان هو عنوان لأحد فصول كتاب “الإسلام على مفترق الطرق”، وفيه يرسم (أسد) خطًّا أوله عند الصليبيين وآخره عند الإمبريالية الحديثة، ويعطي سببًا جديدًا يمنع المسلمين من تقليد المدنية الغربية، ألا وهو التجارب التاريخية بين الحضارة الغربية والإسلام، والتي اصطبغت بعداوة غربية لكل ما هو إسلامي، ذلك العداء الذي ترجع جذوره أيضًا إلى اليونانيين والرومانيين الذين نظروا إلى أنفسهم على أنهم وحدهم المتدينون، وأن كل ما كان أجنبيًا عنهم -خاصة من كانوا يعيشون شرق البحر المتوسط- هم درجة أدنى من البشر؛ حيث كانوا يطلقون عليهم لفظ (البرابرة)، ومن هنا اكتسب الرجل الأبيض هذه العنصرية وعقدة التفوق العنصري تجاه سائر البشر وبالأخص الشرقيين([14]).

ومع ذلك يؤكد (أسد) أن العقدة الغربية تجاه الإسلام على وجه الخصوص أعمق من ذلك بكثير؛ حيث تصل إلى حد الكراهية والعداء المبني على التعصب المبالغ فيه، ليس كرهًا عقليًا فحسب، وإنما يصطبغ بكراهية عاطفية أيضًا: (قد لا تتقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية؛ ولكنها تحتفظ دائمًا فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في غالبية بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحت في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام القضاء)([15]).

إن أوروبا لم تكن يومًا أبعد عن الإسلام منها اليوم، إن عداوتها لديننا يمكن أن تكون قد تقهقرت قليلاً، وهذا على كل حال لا يرجع إلى تقدير التعاليم الإسلامية حقّ قدرها، ولكنه يرجع إلى الضعف الثقافي المتزايد وإلى تفكك العالم الإسلامي.

تعصب المستشرقين وإجحافهم للإسلام:

ويحمِّل (أسد) المستشرقين الغربيين المسؤولية عن تشويه الإسلام والتمهيد للحروب الصليبية بسبب هذا التحيز العقلي والعاطفي فيقول: (إن بعض المستشرقين يمتثلون دور المدعي العام الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم الآخر يقوم مقام المحامي في الدفاع، إلا أنه مع اقتناعه شخصيًا بإجرام موكّله لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء من الفتور حكمًا مخففًا… إن الشر الذي تسببت فيه الحروب الصليبية لم يقتصر على قعقعة السلاح، لقد كان في المقام الأول شرًا فكريًا ثقافيًا، لقد تمثل في تسميم العقل الأوروبي ضد الإسلام، في تحريف تعاليمه ومُثُله أمام الجماهير الجاهلة في الغرب، عندها دخلت الفكرة السخيفة للإسلام كدين للإثارة والعنف الوحشي، وأنه دين مظاهر وشكليات وليس تزكية للقلوب وتطهيرًا لها، ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت، وعندئذ ولأول مرة أطلق على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في أوروبا لقب (ماهوند)([16]))([17]).

ومن هنا بدأ العداء الصارخ يتجاوز حدَّه العقلي والثقافي والعاطفي إلى الجانب العملي، نشبت الحروب الصليبية في ظرف مضطرب من الكراهية البغيضة تجاه الإسلام وحضارته التي استقر في الوعي الجمعي الأوروبي أنها حضارة وثنية، هكذا قرر المستشرقون، وهكذا استشرت هذه الأفكار في عقول العامة من الأوروبيين، لذا كانت الحرب على هؤلاء الوثنيين المسلمين واجبًا مقدسًا، والْعَبُّ من دمائهم والشرب منها حتى الثمالة صلاةً وعبادة يرجو منها الجندي الأوروبي الدخول في الملكوت والأبدية.

هكذا كان يُشحن الجنود شحنًا عاطفيًا ودينيًا قبل دخول أي معركة صليبية ضد جيش المسلمين؛ لذا كانت المعارك في غاية الضراوة، والانتهاكات الصليبية للمدنيين المسلمين في القرى والبلدان في غاية البشاعة والدموية.

بعد خفوت الشعور الديني للأوروبيين.. هل تغيرت نظرتهم للإسلام؟

خفت جذوة الحروب الصليبية لكن لم تنته الكراهية من القلوب، ولم تنمحِ الصورة الذهنية المشوهة عن المسلمين من عقول الأوروبيين والغربيين حتى هذه اللحظة: (ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلما ذُكرت كلمة «مسلم»، حتى دخلت في الأمثال السائرة عندهم، فنزلت في قلب كل أوروبي رجلاً كان أم امرأة. وأغرب من هذا كله أنها ظلّت حيّة بعد جميع أدوار التبدُّل الثقافي. ثم جاء عهد الإصلاح الديني حينما انقسمت أوروبا شِيَعًا، ووقفت كل شيعة مدججة بسلاحها في وجه كل شيعة أخرى، ولكنّ العداء للإسلام كان عامًا فيها كلّها، بعدئذٍ جاء زمن أخذ الشعور الديني فيه يخبو، ولكن العداء للإسلام استمر)([18]).

ويتساءل (أسد) هنا تساؤلاً في غاية الأهمية: بمرور كل هذه القرون، وحدوث هذه التغيرات العنيفة في العقل الأوروبي والغربي، والتحولات الدينية التي وقعت في أوروبا، وانحسار دور الكنيسة وانتشار العلمانية واللادينية؛ هل تبدل الموقف الغربي تجاه الإسلام؟! وهل أصاب المتفائلون حينما اعتقدوا أن الغرب أزال العداوة التاريخية بينه وبين الإسلام؟!

يجيب أسد عن ذلك بقوله: (إن أوروبا لم تكن يومًا أبعد عن الإسلام منها اليوم، إن عداوتها لديننا يمكن أن تكون قد تقهقرت قليلاً، وهذا على كل حال لا يرجع إلى تقدير التعاليم الإسلامية حقّ قدرها، ولكنه يرجع إلى الضعف الثقافي المتزايد وإلى تفكك العالم الإسلامي. ولقد كانت أوروبا مرةً على وجَلٍ من الإسلام فحملها وَجَلها منه على أن تتخذ موقفًا عدائيًا من كل شيء مصطبغ بالصبغة الإسلامية، حتى ما كان يتعلق بالأمور الروحية والاجتماعية الخالصة، ولكن لما خسر الإسلام أكثر عوامل أهميته كمناهض للمصالح الأوروبية؛ كان من الطبيعي لأوروبا مع تناقص وجلها من الإسلام؛ أن تفقد قدرًا ما من شعورها العدائي نحوه، وإذا كان هذا الشعور العدائي قد أصبح أقلّ بروزًا وأقل نشاطًا فإن هذا لا يسمح لنا أن نقفز إلى الاستنتاج أنْ الغرب قد اقترب ضمنًا من الإسلام؛ إن هذا يدل على قلة اكتراثها به لا أكثر)([19]).


[1] الطريق إلى مكة، محمد أسد، ترجمة د. رفعت السيد علي، ص191.

([2]) باحث وروائي وسياسي بريطاني مسلم، أعلن تحوله من المسيحية إلى الإسلام في العام 1917م، عمل في الصحافة، واشتهر بترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية، والتي كتبها بأسلوب أدبي شعري.

([3]) Criterion Quarterly, Muhammad Asad: The Story of a Story of a Story, Toheed Ahmad.

([4]) https://shodhganga.inflibnet.ac.in, (MUHAMMAD ASAD IN LIGHT OF HIS BIO-ACADEMIC) ch2 .p92.

([5])  المصدر نفسه ص27.

([6])  المصدر نفسه ص27.

([7])  المصدر نفسه ص25-27.

([8])  المصدر نفسه ص37.

([9])  المصدر نفسه ص41.

([10])  المصدر نفسه ص41.

([11])  المصدر نفسه ص42، 43.

([12])  المصدر نفسه ص44، 45.

([13])  المصدر نفسه ص52.

([14])  تعرضنا في مقال سابق بعنوان “النظرية التربوية عند المفكر النمساوي (محمد أسد)”، لرؤية (أسد) للنمط الغربي في التربية الذي انتشر في بلاد الإسلام، وكيف أنه أحد أذرع الغزو الفكري الغربي لبلاد الإسلام، بسطناه هناك بشيء من التفصيل، وهو مقال مكمل لهذا المقال وممهد له، فيرجى مراجعته.

([15])  المصدر نفسه ص55، 56.

([16])  (ماهوند – Mahound) لفظة ألمانية وصف بها النصارى الأوروبيون النبي الشريف عليه الصلاة والسلام بقصد تشويهه والإساءة إليه؛ وكثيرًا ما وُجدت في أدبيات العصور الوسطى في وقت لاحق؛ حيث كانت مرتبطة بشكل خاص بتصويره على أنه إله يعبد من قبل الوثنيين، أو شيطان أوحى لدين باطل. واللفظة في الأصل مكونة من مقطعين: (Ma) وتعني الملكية، و(Hound) وتعني الكلب. وهو الاسم نفسه الذي سماه به الكاتب البريطاني من أصل هندي (سلمان رشدي) في روايته المسيئة للإسلام (آيات شيطانية) التي نشرت في العام 1988م. فعلى نبينا وآله وصحبه أزكى الصلاة وأتم التسليم.

([17])  المصدر نفسه ص60.

([18])  المصدر نفسه ص62.

([19])  المصدر نفسه ص66.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى